وجوابه ما أشار إليه مولانا أبقاه الله تعالى من أن الأمر ورد بإقامة الحدود مطلقاً، وما ورد مطلقاً لزم تحصيل شرطه، ولم يتوقف وجوبه على حصول شرطه وذلك واضح.
ثم قال مولانا حاكياً عن القرشي: وأورد اعتراضاً آخر، وهو أنه لو كان نصب الإمام واجباً على الأمة لما أجمعوا على ترك هذا الواجب، ولا كلام في خلو بعض الأزمنة عن الإمام، وإن وقع الشك في جواز الخلو عمن يصلح للإمامة.
قال: وهذا قوي كما ترى.
أقول: هذا الاعتراض غير وارد على شيء من الأدلة، وإنما هو وارد على نفس المذهب، وهو القول بوجوب نصب الإمام، وقد حكم مولانا له بالقوة وقضى عليه بالصحة، ويمكن الجواب عنه بما ذكره الإمام المهدي رضي الله عنه من أن الإمامة وإن كانت واجبة على الأمة فوجوبها على أهل كل عصر موسع غير مضيق، لتباين الأقطار واختلاف الأنظار في طلب الصالح لها وتعيينه، فإذا كان وجوبها موسعاً لم يظهر لنا إخلال الأمة بها إلا حيث قدرنا أن أهل عصر انقرضوا كافة ولم يقم فيهم قائم حق، وهذا لا سبيل إليه، فإنا نعلم أن الأمة لم تخل من قائم حق مدة مديدة يقطع فيها بانقراض كل أهل العصر، إذ لا يغلب في الظن ذلك إلا في قدر مائة وخمسين سنة مثلاً، والمعلوم ضرورة من بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن الأمة لم تخل قدر هذه المدة المديدة من قائم حق، بل لا تزال أئمة الحق داعين قائمين، وإن وقعت فترة بين القائمين فإنما هي مدة يسيرة لا ينقضي فيها من أهل العصر إلا القليل فلم يجتمع أهل العصر حينئذٍ على إخلال بواجب.
قال الإمام المهدي قدس الله روحه: وإنما قلنا أن وجوبها موسع غير مضيق لما علمنا من أنه يجب تحري الأفضل، والأقطار متباينة لا يمكن الإحاطة بفضلائها وأحوالهم عقيب موت الإمام الأول، بل تحتاج إلى بحث ونظر في مهلة يتمكن فيها من معرفة الأصلح للإمامة في أي الأقطار هو، و نحو ذلك.
قلت: ولأنه قام الدليل القاطع على وجوب النصب على الأمة، وهذا الاعتراض غير وارد على شيء من أركان ذلك الدليل، فلو لم نحكم بكون وجوبه موسعاً، لكانت الأمة قد أجمعت على الإخلال بالواجب، وذلك باطل، فصح كون النصب واجباً موسعاً، بمالا يخفى صحته، وبذلك يظهر لك ضعف هذا الإيراد وأنه عار عن الصحة والسداد.
الدليل الثالث وهو أشف الأدلة وأقواها أن يقال: إن المعلوم ضرورة من دينه صلى الله عليه وآله وسلم أن الجهاد فرض واجب على الأمة، وأن وجوبه لم يسقط بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمعلوم أن الإمام شرط في أدائه والقيام به، وذلك أمر ممكن للأمة، أعني: إقامة الإمام، فثبت بذلك وجوبه، والدلالة مبنية على خمسة أصول، وهي واضحة.
أما الأصلان الأولان فمعلومان من ضرورة الدين.
وأما الأصل الثالث: وهو أن الإمام شرط في القيام بالجهاد، وفي حصول المقصود به، وهو نكاية العدو، فالذي يدل على ذلك أنا نعلم ضرورة من جهة العادة أنه لو خرج معسكر عظيم لقتال عدو، وليس عليهم أمير يرجعون إلى أمره في تهيئة القتال وكيفيته وترتيب مواقعه، بل كل واحد منهم يعمل برأيه في ذلك، يقاتل حيث شاء، ويتقدم ويتأخر حيث يرى رأيه، ولا ناظم لأمرهم في ذلك، فإن العقلاء يحكمون عليه بالإخلال بالشرط الذي يتم به مطلوبهم من نكاية العدو ودفع مضرته، وأنهم عرضوا أنفسهم للكسيرة وعدوهم للظفر بهم، على ما يعلم في العادة من حال المعسكر الذي هذا حاله، ولا يدفع ذلك إلا معاند، وإذا ثبت ذلك في الخروج على العدو، وجب مثله في التحرز من سطوته وهجومه، فإن قوماً لو كان لهم عدو طالب لنكايتهم في كل وقت، لا يأمنون هجومه عليهم واستئصال شأفتهم، ولم ينظروا في إقامة رجل منهم كامل العقل والرأي، ليتجرد للنظر فيما يدفع به ضرر خصمهم، ويحصل به التحرز من نكايته، لا تشغله خويصة نفسه عن تدبير ذلك النظر فيه، بل تركوا أمرهم شتى، ينظر كل واحد منهم فيما يخص نفسه، ويعود عليه وعلى عائلته منفعته، ودفع مضرة ذلك العدو عن نفسه فقط، فإن العقلاء يحكمون عليهم بالإخلال بما يجب عليهم من دفع مضرة عدوهم عنهم، وأنهم بإخلالهم بذلك في حكم من لا يدفع الضرر عن نفسه، ووجوب دفع الضرر عن النفس معلوم ضرورة، فعلم بذلك أن نصب الرئيس شرط في مجاهدة العدو، مطلوباً كان أو طالباً، ولا شك أن الكفار والفساق منبسطون في الأرض على مرور الليالي والأيام، وأن التكليف بمجاهدتهم مستمر، وهو لا يستقيم ويتم المقصود إلا بما ذكرنا من نصب الرئيس، لما علمنا ضرورة من جهة العادة، فلزم القضاء بوجوب نصبه، إذ مالا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه.
وأما الأصل الرابع: وهو أنه ممكن للأمة، فذلك معلوم ضرورة.