وأما قوله: إنّ عدم حصول التواتر في النقل عن كل واحد معلوم، فهي دعوى مجردة، وقد دخل فسادها في أثناء الدليل المذكور، وكيف يدعي العلم بعدم حصول التواتر في النقل مع حصول أمارة التواتر فيه وهو العلم الضروري؟ يوضحه أنا لا نجد فرقاً بين هذا العلم وبين كثير من العلوم التواترية، فما ورد هنا ورد هناك، ودعوى الفرق غير واضح.
وأما قوله: إن كل مسألة يكون دليلها الإجماع فالأقرب عدم تأتي القطع فيها... إلى آخره.
فيقال له: ولم قلت ذاك؟ هل لاستبعاد تحقق وقوع الإجماع، كما ذهب إليه بعضهم؟ فمجرد الاستبعاد ليس بحجة، مع أن الاستبعاد إنما يثبت في غير إجماع الصحابة، والمدعى في الدليل إنما هو إجماعهم، أو قلت ذلك لفقد التواتر في النقل كما ادعيت أولاً؟ فقد مر الكلام على ذلك، أو من حيث أن دليل صحة الإجماع غير قوي؟ فهذا قد أوردته آخراً، حيث قلت: ولو قدرنا حصول شرائط الإجماع وتواتره... إلخ، وهو غير قادح، لأن الآية الكريمة التي ذكرتها وإن لم تفد القطع بكون الإجماع دليلاً، فنحن نستدل على ذلك بغيرها وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) ()، ووجه الاستدلال به هو أن نقول: إن معنى هذا الخبر قد ورد وروداً متواتراً بألفاظ نقلت آحاداً، كما في شجاعة علي وسخاء حاتم، فإنه وإن كانت الوقائع الدالة على الشجاعة والسخاء نقلت آحاداً، إلا أن المعنى الحاصل من تلك الوقائع نقل نقلاً متواتراً، وهذا الوجه قد استحسنه ابن الحاجب() على أنما ذكرته من القدح في صحة الإجماع ينقص ما اعترفت به أولاً من أن الإجماع أحد الأدلة القاطعة، فخلُص هذا الدليل سليماً عن المطاعن.
الدليل الثاني: أن الله تعالى فرض الحدود وأمر بإقامتها في نحو قوله تعالى:({فَاقْطَعُوا أيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وأجمعت الأمة على أنَّهُ لا يقوم بها إلاَّ الإمام، أومَنٍْ يلي من قِبَلِهِ، و قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أربعة إلى الولاة ...الخبر)) ().
فيجب نصب الإمام، لأنه لا يتم الواجب إلا به، وهذا الدليل هو الذي اعتمده الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام في كتاب (الدعامة)، واعتمده أبو علي() الجبائي في كتاب المبتدأ، واعتمده أبو هاشم في الأبواب()، واعتمده الفخر الرازي في (نهاية العقول)().
قال مولانا أيده الله تعالى: -معترضاً على هذا الدليل- بعد أن حكاه عن الأصحاب: وهذا يترتب على ثبوت الإجماع المدعى ونقله تواتراً، وفي ذلك من البعد مالا يخفى، بل هو في حكم المتعذر المستحيل.
أقول: قد اعترض الدليل باعتراضين.
أحدهما: هذا الذي أورده مولانا حفظه الله تعالى، وهو لعمري اعتراض قوي، وكيف يصح دعوى إجماع الأمة في إقامة الحدود أو في غيرها من سائر الأحكام المذكورة، مع أن أبا حنيفة يجيز للأمراء إقامة الحدود وإن لم يكن ثم إمام، فجعل أمرها إلى أهل الشوكة، والحشوية وكل من خالف في وجوب الإمام لا يجعلون الإمام شرطاً في إقامة هذه الأمور، والجمعة فيها الخلاف الظاهر، أعني في كون الإمام شرطاً فيها، وكذلك الفيء والصدقات، فكيف يمكن دعوى إجماع الأمة مع هذا الخلاف؟!
فإن أدُّعِى إجماع الصحابة فهو بعيد أيضاً، لأن أبا حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى أقرب عهداً بالصحابة، وأعرف بمواقع إجماعهم، فلو عرفوا إجماعهم على أنها تختص الإمام ولا تجوز من غيره لم يصححوها من دونه.
الاعتراض الثاني: ما حكاه مولانا عن الفقيه يحيى بن حسن القرشي رحمه الله تعالى حيث قال: ما آمنكم أن يكون الأمر بإقامة الحدود مشروطاً بحصول الإمام ووجدانه، وهذا الاعتراض أورده الشيخ أبو عبدالله البصري() وجعله قادحاً على هذه الدلالة وضعفها لأجله.