وهذا الدليل أعتمده أبو هاشم() في بعض المواضع، وذكره جماعة من أصحابنا، واستدل به الفخر الرازي مع الدليل الثاني الذي سنذكره، قال الإمام المهدي أحمد بن يحيى عليه السلام : وهو قوي جداً على قول من جعل الإجماع حجة قاطعة.

وأما مولانا أبقاه الله تعالى، فإنه بعد أن حكاه عن أصحابنا، وقضى بكونه أشف أدلتهم هنا، اعترضه بأن قال: وهذا الدليل عن القطع بمراحل، وكيف وهو يوضح إجماع فعلي فقط، وعدم حصول التواتر في النقل عن كل واحد من الصحابة معلوم، وكل مسألة يكون دليلها الإجماع فالأقرب عدم تأتي القطع فيها، وهي بأن تكون ظنية أولى، وهيهات أن تجتمع شرائط الإجماع القطعي في حق أئمة النقل والتنقير، فكيف بأهل الإهمال والغفول الكثير، ولو قدرنا حصول شرائط الإجماع وتواتره عن كل واحد من الأمة فقد ورد على ما يجعله دليلاً على كون الإجماع دليلاً وهو الآية الكريمة ({ويتَّبِع غيْرَ سَبِيْلِ الْمُؤمِنِيْنَ نولِِّه ما توَلَّى ونُصْلِهِ جَهنَّمَ وسَاءَتْ مَصِيْراً} [النساء: 115] ما ورد وحكم عليها الفحول بأنها من الظواهر وليست من الصرائح في الدلالة.

هذا آخر ما ذكر مولانا عليه السلام  من القدح في هذا الدليل.

وأقـول: لقد بالغ أبقاه الله تعالى في تضعيف أدلة أصحابنا على هذه المسألة، حيث حكم أولاً على هذا الدليل بأنه أشف أدلتهم في ذلك، ثم قضى ثانياً بأنه عن القطع بمراحل، ونحن لا نساعده إلى واحد من الطرفين.

أما الأول: فلأن هذا الدليل وإن كان عندنا قوياً فسنذكر ما هو أقوى منه.

وأما الثاني: فلأنه عندنا قوي صحيح، غير بعيد من الحق الصريح، لا طعن فيه لطاعن، وما أورده من الاعتراضات  مجاب عنه.

أما قوله: إنَّهُ إجماع فعلي، فهذا قد أورده الفقيه يحيى حسن القرشي رحمه الله في المنهاج، وتحريره: أن هذا إجماع فعلي، وإجماع الأمة على فعل لا يكون حجة على وجوب ذلك الفعل إلا إذا علمنا أنهم إنما فعلوه لوجوبه عندهم، وظهر لنا ذلك، فأما مع جهلنا الوجه الذي أوقعوا عليه ذلك الفعل، فلا وجه للاحتجاج به، ونحن لا نعلم أنهم فزعوا إلى نصب الإمام لوجوب ذلك ولا طريق لنا إلى القطع به، ومن الجائز أنهم فزعوا إلى ذلك لكونه أصلح لهم في دنياهم لا دينهم، أو لكونه أولى في صلاح الدين أيضاً، لا لوجوبه عليهم وجوباً حتماً كما في صلاة الوتر فإن إجماعهم على فعلها لم يدل على وجوبها، ومع هذا الاحتمال لا يستقيم الاحتجاج بذلك على أن الإمامة واجبة على الأمة.

والجواب: أنَّا لا نُسَلِّم ما ذكره من الاحتمال، لأن المعلوم ضرورة أنه يجب على كل مسلم نصرة الإسلام وتوهين أركان الكفر بما أمكنه، حسبما يستطيع من ذلك، وكل عاقل يعلم ضرورة أن بقاء الأمة بعد موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  فوضى لا أمير لهم يُنَظِّم أمرهم، ويجمع كلمتهم، ويتفرغ لسد الثغور وإصلاح ما أفسده الجهال والضُّلاّل، هدم لما كان صلى الله عليه وآله وسلم  شيَّده، وخرق لما كان قد سدده، فإن الأمة حينئذٍ تكون أشبه بغنم لا يحفظها راعٍ عن مراتع الطلب، ولا يحرسها عن أن يعبث فيها الذئاب فتذهب وفرتها كل الذهاب، والمنكر لذلك معاند دافع للعلم الضروري من جهة العادة لا إشكال في ذلك.

فعلم أنهم إنما فزعوا إلى نصب الإمام لتقوية أمر الإسلام، ولا شك أن تقويته عليهم فرض واجب، وحتم لازب، فيجب أن يكون فعلهم ذلك إنما كان لأجل وجوبه وهو المطلوب.

وهذا الجواب ذكره الإمام المهدي وبالغ في تضعيف الاعتراض، حتى قال: إنه غير واقع ولا يصدر عن فطانة.

124 / 331
ع
En
A+
A-