قلت: ولعل ما حكاه مولانا عن بعض المتكلمين يعود إلى ذلك.
قوله: مع أن الأليق بها فن الفقه...إلخ.
قلنا: إنه وإن كان الأمر كذلك، فلا حرج في ذكرها في فن الأصول لذلك الغرض، كما ذكرت فيه مسألة الشفاعة، ومسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لمثل ذلك والمشاحة في أمثال ذلك ليس من همنا.
ثم قال أبقاه الله تعالى: ولم أظفر من أدلة الأصحاب مع هذه الدعوى بما مقدماته يقينية، وقواعده التي يبنى عليها قوية، مع كثرة بحثي عن ذلك في كتب الأصول والفروع، وتطلبه من مصنفات المعقول والمسموع، فإن مسائل الإمامة متفرعة إلى فروع كثيرة، كوجوب نصب الإمام، ووجوب اتباعه، ومعرفة شرائط الإمامة، ووجه اشتراط كل واحد منها، ووجه الاقتصار عليها، ومعرفة ما يحتاج إلى الإمام فيه، ووجه قصره عليه وغير ذلك.
والأدلة القاطعة الشرعية ليست إلا الكتاب الصريح، والسنة المتواترة، والإجماع والقياس القطعيبن، فأما العقل فلا مجال له هنا على الصحيح، ولم يتضح لي ثبوت شيء من هذه الأدلة القاطعة في هذه المسائل ولا في شيء منها.
أقول: لا وجه يتمسك به من أنكر كون مسائل الإمامة قطعية، إلا ما يدعيه من أنه لا دليل يقتضي ذلك، ونحن الآن نقيم البرهان بعون الله على صحة القطع بها، حتى يظهر صحة ما ادعاه أصحابنا رضي الله عنهم.
فنقول: أما وجوب نصب الإمام فالدليل عليه وجوه ثلاثة.
أحدها: إجماع الصحابة حيث فزعوا عقيب موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى نصب من يخلفه، وبادروا إلى ذلك واختصموا فيه، وظهر التشاجر، قال أبو بكر: لا بد لهذا الأمر ممن ينظمه ويقوم به، ولم ينازعه أحد في ذلك، ولا عُلِم أن أحداً منهم قال: لا حاجة إلى إمام بل أمر كل منا إلى نفسه، بل أجمعوا على مثل ما ذكر أبو بكر أنه لا بد من قائم تلجأ إليه الأمة، ولم ينازع في شدة الحاجة إليه منازع، علم ذلك ضرورة من حالهم حينئذٍ، ومن ثم اشتغلوا بطلب ذلك قبل مواراة رسول صلى الله عليه وآله وسلم في حفرته، ولم ينكر أحد منهم تقديم الاشتغال بذلك، والاهتمام به على الاشتغال بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومواراته، بل فزع كل واحد إلى النظر فيمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تعليق الأمور به على حد تعليقها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته.
وأما اشتغال علي عليه السلام عن الحضرة معهم بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنما هو لأحد أمرين: إما لكونه الوصي له دون غيره، فرأى أن ذلك متعين عليه دونهم، أوثقة باجتماع الصحابة للنظر في ذلك، وأنهم يرجعون إلى مشاورته بعد خوضهم ذلك وإمعان النظر فيه فيهديهم إلى الحق.
وعلى الجملة فما سمع عن أحد منهم أنه قال: لا حاجة بنا إلى خليفة نسمع له ونطيع بل يبقى أمر كل امريءٍ إلى نفسه، بل قرائن الأحوال المفيدة للعلم تشهد بأنه لو صدر هذا الكلام عن أحد منهم لنهروه وكرهوه وسفهوه، لعلمهم ضرورة مخالفة رأيه بما يصلح به أمر الأمة، وقد يستفاد العلم عند قوة القرائن، ألا ترى أنا نعلم كثيراً من أحوال غيرنا ضرورة لقرائن تشهد بذلك؟!