وبعد: فقد ورد من تلقاء مولانا السيد الأفضل العلامة عزالدين بن الحسن بن أمير المؤمنين دام دوام الفاعل، واحتجب عن النوائب احتجاب ضمير اسم الفاعل، طرس() كريم يتضمن البحث عما أهمل تحقيقه كثير من الناس، مع كونه للدين كالرأس، ولكثير من الأحكام الشرعية كالأساس، وذلك مسألة الإمامة المقتضية، بمن اختص بها الرئاسة والزعامة، وبحثه أيده الله تعالى عن ذلك من ثلاث جهات.

الجهة الأولى: المطالبة بدليل على صحة ما ادعاه أصحابنا من كون مسألة الإمامة من المسائل القطعية، لا من المسائل الاجتهادية والقدح فيما أوردوه من الأدلة على ذلك.

الجهة الثانية: بيان ما يلزم على القول بكونها قطعية من الأمور المستبعدة.

الجهة الثالثة: الرد على المفسقين لِنافي إمامة الإمام والمتوقف فيها.

تفصيل الخلاف في كون الإمامة قطعية أو ظنية]

أما الجهة الأولى: فقال طالت أيامه: قد وقع الخلاف بين الأمة، هل مسائل الإمامة من المسائل القطعية التي لا يؤخذ فيها إلا بالأدلة القاطعة؟ أم هي من المسائل الاجتهادية التي هي لأنظار المجتهدين تابعة؟ فالظاهر من مذهب أئمتنا ومتابعيهم، والمعتزلة ومتابعيهم؛ أنها قطعية يتعلق التكليف فيها بالعلم اليقين، وأن الوصول فيها إلى العلم لازم لجميع المكلفين، ولذلك ألحقوها بفن أصول الدين وليست علماً بالله تعالى، ولا بصفاته، ولا بأفعاله، ولا بأحكام أفعاله، وأشار بعض متكلمي أصحابنا إلى تجويز كون السبب في ذلك من حيث أنه يطلب منا مع العمل فيها الاعتقاد، الذي هو العلم دون الظن، ثم نَظَّر ذلك وأشار إلى تعليل آخر رمز إليه الفقيه حميد رحمه الله في وسيطه لا حاجة إلى ذكره هنا، مع أن الأليق بها فن الفقه -وإن كانت قطعية- إذ هي من المسائل الفرعية والأحكام الشرعية.

أقول وبالله التوفيق: اختلف القائلون بأن الإمامة غير واجبة عقلاً، هل هي واجبة شرعاً أم لا؟

فقال أكثر الأمة من العدلية والجبرية: أنها تجب شرعاً، وقال أبو بكر الأصم() من المعتزلة، وهشام الفوطي()، وبعض الحشوية() ، والنجدات() من الخوارج، وبعض المرجئة()، أنها لا تجب شرعاً ولا عقلاً، لكن إن تمكن الناس أن ينصبوا إماماً عدلاً من غير إراقة دم ولا جور فحسن، وإن لم يفعلوا ذلك وقام كل واحد منهم بأمر منزله، ومن يشتمل عليه من ذي قرابة ورحم وجار، فأقام فيهم الحدود والأحكام على كتاب الله وسنة نبيه جاز ذلك، ولم يكن لهم حاجة إلى إمام، ولا يجوز إقامته بالسيف والحرب، هكذا حكى نشوان بن سعيد في شرح رسالة الحور العين، وحكى الفخر الرازي() عن هشام الفوطي من أصحابنا هذا المعنى، فقال: إنه لا يوجب نصب الإمام في حال ظهور الظلمة، لأنهم ربما أنفوا عن طاعته فخشي أن يقتلوه، فقيامه يؤدي إلى إثارة فتنة، وأما مع ظهور التناصف فيجوز نصبه لإظهار شعار الشريعة، وحُكيَ عن الأصم عكسه، وهو أنه لا يوجب إقامة الإمام إلا عند ظهور التظالم بين الناس، فإن لم يظهر لم يجب، قال: وأما النجدات فلا يوجبون نصبه في حالٍ من الأحوال.

ثم اختلف القائلون بوجوب الإمامة شرعاً هل هي من المسائل القطعية؟ أم من الاجتهادية؟ فذهب الأكثر -وهو الحق- إلى أنها قطعية إذ دليلها قطعي، وذهبت الأشعرية() وبعض المعتزلة إلى أنها اجتهادية بناءً منهم على أن أدلتها ظنية، هذا تحقيق الخلاف في ذلك.

فلعل مولانا أبقاه الله تعالى أراد بالأمة بعضهم وبالمعتزلة أكثرهم، لأن بعضهم لا يقول بأنها قطعية، بل يقضي بأنها من المسائل الاجتهادية كما عرفت.

وأما استشهاده على كون مسائل الإمامة عند الأكثر من القطعيات بكونهم ألحقوها بفن أصول الدين، فهو صحيح لا عوج فيه، وقد ذكره الفقيه قاسم بن أحمد بن حميد المحلى() رحمه الله في تعليقه على الشرح حيث قال: أما اتصالها يعني الإمامةـ بباب أصول الدين جملة، فاعلم أولاً أن بعضهم قد عدها من مسائل الاجتهاد، وأخرجها عن باب أصول الدين، وجعل كل مجتهد فيها مصيباً، والجمهور على خلاف ذلك وإنها معدودة من مسائل أصول الدين، والأدلة عليها قطعية لا يدخلها الاجتهاد ولا الظن أصلاً.

122 / 331
ع
En
A+
A-