وقد ذكرنا في الابتداء نص المؤيد بالله الصريح في عدم تفسيق النافي، بل في إثبات عدالته، وذكرنا أحوال الأئمة وغيرهم في معاملتهم لنفاة الإمامة قديماً وحديثاً، ومن ذلك ما كان بين حي والدنا الإمام الهادي وبين الفقيه الأفضل محمد بن صالح من التواد والتناصر الذي لا يعلم ما يدانيه بين غيرهما، مع ما كان الفقيه عليه من نفي إمامة الإمام الناصر محمد بن علي بن محمد، وهو عند والدنا الإمام الهادي ثابت الإمامة، فلم يظهر من أيهما تخطئة للآخر أو تفسيق أو إغلاظ عليه، وكان لهما من الفضل والكرامات ما يشهد بأن خطأ المخطي منهما في ذلك لا يسقط منزلته عند الله، ولا يبطل عمله ولا يصيره هباء منثوراً.

وما ذكره سيدنا من كون علي عليه السلام  لم يسر في الصحابة سيرة الإمام بل سيرة المأموم، فذلك مما أدى إليه نفيهم لإمامته، وتوليهم الأمر دونه، والمعلوم من حاله قطعاً أنه لو لم يدفعوه من ذلك لشهر نفسه ودعا إلى ربه، فكيف يكون تأدية نفيهم لإمامته إلى بطلان أمره عذراً لهم في ذلك النفي؟

وأما كون النصوص التي على إمامته خفية، فمذهب الأصحاب أنها أدلة قطعية، ولئن كانت إمامته خفية لأمامةُ غيره أخفى وأخفى.

وأما قول سيدنا: أما الأمر الذي جرى بين الإمامين ليس مما نحن فيه، فواعجباً أليس المعلوم من حال كل منهما أنه يعتقد إمامة نفسه وعدم إمامة صاحبه؟!! ويعرف ترشحه لما أمره إليه عنده، وتصوره بصورة الباغي عليه؟! فكيف يقال: ليس مما نحن فيه. وما معنى كون المسألة ظنية؟ هل المراد صحة إمامة إمامين في وقت واحد أو عدمها؟ فذلك إنما يتصور لو كان كل منهما معتقداً لكمال الآخر، ولم يبق الكلام إلا من جهة الاجتماع في الدعوى، ودعوى التقدم والمنازعة في الأياس المعتبر، لكّنا علمنا بالتواتر عن حي والدنا الهادي اعتقاد عدم الكمال في المهدي، والتصريح باختلال شيء من الشروط فيه، من ذلك ما أخبرني به الثقة الذي لا شك عندي في صدقه عن ثقة آخر عنه عليه السلام ، وقد سئل عن المهدي فقال: أما النصاب فلا كلام، وأما العلم فلا كلام، وأما الورع ففي نفسي منه شيء، وأما التدبير فلا شيء فلا شيء فلا شيء، وغير ذلك من الحكايات التي يطول ذكرها، وكذلك قرائن حال المهدي وشيء من النقل عنه تقضي باعتقاده عدم كمال الهادي، والله أعلم.

وأما الذين لم يفسقوا علياً ولا معاوية، فلم يكن كفهم عن التفسيق لاعتقاد إمامة معاوية، وكون اجتماع إمامين صحيحاً ثابتاً، إذ لم ينقل عن أحد القول بإمامته في زمن علي عليه السلام ، بل لكون المسألة من أصلها عندهم ظنية اجتهادية، يلزم كل فيها ما أداه إليه اجتهاده حتى أن عضد الدين() في رده على المعتزلة حيث قالوا: بأن الصحابة عدول إلا من حارب علياً، ذكر ما يقضي بأن حربه واجب على من حاربه، لكون اجتهادهم أداهم إلى ذلك، على شناعة هذا القول، وهم يعترفون مع ذلك بخطأ معاوية()، لكن خطأ معفو عنه، لأن المصيب عندهم في الاجتهاديات واحد، ولهذا ذكر التفتازاني() الإجماع على أن أول من بغى في الإسلام معاوية، ولو كان عندهم إماماً في زمن علي عليه السلام  لم يعدوه باغيا.

والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

 

 

 

 

115 / 331
ع
En
A+
A-