أمَّا الدليل الأول: فلا يمكن جَعْله إجماعاً قطعياً، وكيف وهو فعلي، كما صرح به الفقيه  متع الله به، في جوابه حيث قال: أحدهما فعل الصحابة، وهل يؤخذ من الفعل معنى الوجوب؟ لو صح ذلك لقيل: بأن صلاة الوتر واجبة، فإنهم قد أجمعوا على فعلها، ولم ينقل عن أحد منهم تركها، فإن قيل: بأن الوجوب فهم من قرائن اقترنت بذلك الفعل، فالقرائن لا تفيد إلا الظن.

قوله: ومثل هذا الاستدلال  يسميه الأصوليون دلالة نص… إلخ إشكاله ظاهر.

وأما الدليل الثاني: وهو ورود النصوص المتكثرة المتواترة معنى، فليس في شيء منها تصريح في المقصود، وهو وجوب نصب الإمام، إنما تفيد غير ذلك من الأحكام المترتبة على وجود الإمام وبيان منصب الإمامة،  مع عدم تواترها على معنى واحد، وما هذه صفته لا يسمى تواتراً معنوياً، والآية الكريمة ظاهرها وجوب طاعة ذي الأمر إماماً كان أو غيره، وهي من الظواهر التي لا تفيد القطع، ولو قدر إفادتها القطع على استحالته، فمدلولها غير ما أُوردت دليلاً عليه، فإن مقتضاها وجوب طاعة الإمام لا وجوب نصبه.

وما ذكره سيدنا مما يؤدي إليه التشكيك في الاجماع؛ فهو من قبيل الإلزام الذي لا يعد مثله جواباً، والمسائل التي ذكر سراية الشك إليها ليست مشابهة لما نحن فيه، ولا الأمر كما ذكره من أنه تشكيك في التواتر، وأين التواتر عنا؟ ولو كان حاصلاً لحصل عنه العلم الضروري، وإذا رجعنا إلى أنفسنا وجدنا العلم غير حاصل لها.

وأما عجز العرب عن معارضة القرآن، فإنا قد علمناه يقيناً، بحيث لا يدخل التشكيك فيه لدلائل واضحة وبراهين لائحة، وليس كذلك مسألتنا، فإنا لا نعلم إجماع الأمة المعتبرين في الإجماع واحداً واحداً على القول بوجوب الإمامة لا ضرورة ولا استدلالاً.

وأما ما أجاب به في المسألة الثانية: من حمل العوام بعد الاتباع على أنه عن دليل، فكيف يمكن هذا الحمل مع علمنا من حالهم ضرورة خلافه؟ وكيف يلتبس على عاقل تعذر الاستدلال في حقهم والإحاطة بالأدلة المستنبطة الغامضة مع تعذرها في حق كثير من المميزين؟

وما ذكره من لزوم الإنكار عليهم في اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،  وغير ذلك من مسائل الأصول، فالفرق بين المسألتين ظاهر، فإن مسائل الإمامة أدق وأخفى من مسائل النبوة، ولذلك وقع الخلاف في مسائل الإمامة بين علماء الإسلام، دون نبوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ،  على أنا نلتزم ما ألزمنا إياه على قاعدة أهل المذهب، من عدم جواز التقليد في مسائل الأصول، ولهذا فإن العوام عند كثير من علمائنا كفار لإقدامهم على تلك الاعتقادات في المسائل النبويات والإلهيات لا عن دليل، مع كونهم مأخوذين فيها بالعلم اليقين، ويعدون الإقدام عليها من غير تحقيق، وإن كانت في نفس الأمر على ما اعتقدوه من المقبحات والمآثم، وأما من أجاز التقليد للعوام فسقوط الإنكار على قوله ظاهر، ولا محيص عن لزوم الإنكار عليهم في مسائل الإمامة إلا مع الحكم بجواز التقليد فيها، وهو خلاف المذهب.

وأما ما أجاب به في المسألة الثالثة: فغير مخلص، لأنه اعتمد في تفسيق النافي على تفسيق أصحابنا للمحارب وقاسه عليه والقياس مختل، إذ الفرق بين الأصل والفرع ظاهر.

ثم إن الرجوع في ذلك إلى قول أصحابنا ضعيف جداً، وهل قولهم بذلك، حجة يرجع إليها في مسألة قطعية، وهل ينطق بمثل هذا إلا المقلد المعتمد على قول غيره، وكذلك ما نقله عن المنصور بالله عليه السلام  لا تعويل عليه، ولا رجوع إليه، لضعفه وعدم الإطلاع على أصله، وقبح الرجوع في هذه المسألة ونحوها إلى قول فلان وفلان.

نعم؛ سلمنا الإجماع على ثبوت الفسق في حق المحارب، فأين من يعتقد عدم صحة الإمامة في حق الداعي المترشح لها ممن سَوَّم مُهره وانتضى سيفه، وشرع رمحه، محاولاً لأخذ روح الإمام واستئصال شأفته؟ وقد قال المؤيد بالله في (الإفادة)() ما لفظه: وليس الشك في الإمامة كالعداوة للإمام، وليست العداوة مع كف اللسان كالعداوة مع بسط اللسان، وليس بسط اللسان مع كف اليد كبسط اللسان مع بسط اليد بالحرب والقتال، هذه أمور قد فرق الدين بينها، وجعل كلاً منها على درجات.

114 / 331
ع
En
A+
A-