هذا ولا شك أن حمل المسلمين على السلامة ما أمكن في الدين حتم، وفي الرأي حزم، وأن المسارعة إلى التخطئة والتضليل، والتفسيق والتجهيل، ليس من شأن المحققين، ولا من صفات المثبتين المحقين، خاصة في حق من جمع بين المعرفة والديانة، والصيانة والأمانة.

وعلى هذا ننـزل ما كان من معاملة بعض السلف بعضاً المعاملة الحسنة بالموادة والتصافي، مع اختلافهم في أئمة زمانهم، ومع بنائهم على أن المسألة قطعية.

فإن قلت: إن حمل المثبت للنافي على السلامة بتجويز أن يكون قد اطلع من الإمام على ما يبطل إمامته، يتضمن حمل الإمام على خلاف السلامة، وهو بالحمل عليها أولى من النافي، لفخامة شأنه عند المثبت وارتفاع مكانه، وإذا لم يكن بد من حمله على عدم السلامة، فالنافي به أولى من الإمام الذي لم يظهر منه للمثبت إلا ما هو حسن جميل.

قلت: لا نُسَلِّمُ ما ذكرته من تردد الأمر بين حمل الإمام وحمل النافي على عدم السلامة، فيكون النافي به أولى، بل حملهما جميعاً عليها ممكن، واستصحاب الأصل في حقهما غير متعذر، لكون المخطيء منهما غير متعين، أما الإمام فيجوز المثبت أن النافي نفى إمامته لا عن تحقق لموجب النفي، بل لخيال فاسد، أو لعدم تثبت في استعمال القواعد، فكم من ناف يقدح في الإمامة بما هو غير قادح، ويبطلها بما ليس بمبطل ولا جارح، وأما النافي فيجوز في حقه أيضاً ما ذكرناه أولاً من كون نفيه عن تحقيق، ووضوح مسلك له وطريق، فإن اجتماع هذين التجويزين من الأمور الممكنة، والقواعد المستحسنة، وحينئذ يرجع المثبت في كل من الإمام والنافي إلى ما هو الأصل من صحة الإسلام، وصدق العدالة، ويستصحب الحال، فيما يلزم لكل واحد منهما من حق التعظيم والجلالة، وإن كان أحدهما في نفس الأمر مخطئاً لا محالة، إلا أن بعدم تعينه يبقى حكم كل منهما في حقنا على ما كان من قبل.

ولهذا نظائر كثيرة في الأحكام، لا يجهلها أرباب المعارف والأفهام، نص عليه الأحبار، وقرروها هكذا في بطون الأسفار، من ذلك ما ذكروه في تكذيب الأصل للفرع من رواة الأخبار في خبر رواه عنه، قالوا: فإنه لا يعمل بذلك الخبر لكذب أحدهما قطعاً، والكاذب لا يحل العمل بخبره، ثم قالوا: مع أن عدالتهما لا تبطل، وتقبل رواية كل منهما في غير ذلك لعدم تعين الكاذب منهما، وغير هذا المثال مما يطول شرحه، ولا يخفى على ذي بصيرة أمره، وأما القطع بخطأ النافي وضلاله، مع الاحتمال ففيه انتقال عما كان معلوماً من حاله إلى ما ليس بمعلوم، وذلك لا يحسن ولا يجوز، والله سبحانه أعلم.

فافهم وتطعم تطعم، فهذه نكتة شريفة غفل عنها أهل الزمان، فسارعوا إلى ما يتوجه الإحجام عنه، والله المستعان، وهو حسبنا وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

تمت الرسالة بحمد الله تعالى.

 

 

[وهذا جواب للرسالة المذكورة أجاب به الفقيه العلامة فخر الدين عبد الله بن محمد النجري، وهو أول من وقف عليها وأجاب عنها]

قال ما لفظه:

111 / 331
ع
En
A+
A-