وكذلك فنفاة الإمامة لا يكادون يحملون المثبتين لها على السلامة، وإن كان تحاملهم أهون، وعريكتهم ألين، وإذا بينا إمكان إصابة المثبت والنافي معاً انهدمت هذه القاعدة، واتضح لك عظم نفع هذه الفائدة، وتبين لك أن أكثر الناس عار عن التحقيق، سالك بُنيَّات الطريق قد استعبدته العصبية، واستهوته الحمية، وعند أن يتلقى ما ألقيته بالقبول، ويعرض على ما تسترجحه العقول ويؤكده المنقول، تزول بعون الله الشحناء بين الفريقين، وتكون هذه النكتة لمتوخي الإصابة في هذه المسألة قرة عين، ويرجعون إن شاء الله تعالى إخواناً، ويكونون على الحق أعواناً.
وبيان إمكانه إصابة النافي والمثبت معاً بأن نقول: لا مانع من أن يكون مدعي الإمامة كامل الشرائط في الظاهر، جامعاً لها، محيطاً بأنواعها وأقسامها، ويكون مع ذلك منطوياً في باطن الأمر على أمر تختل به الإمامة، وتبطل معه أحكام الزعامة، من قلة ورع، أو كثرة طمع، أو كذب في الأخبار، أو نقض للعهود الكبار، أو ارتشاء في الأحكام، أو هدم لشيء من قواعد شرع الإسلام، أو ارتكاب لمحظور، أو تهور في نوع من المحذور، أو عدم إصابة في كثير من الآراء، أو اعتماد في تصرفاته للأهواء، أو غير ذلك من أنواع الاختلال التي فرضها ليس من قبيل المحال، ولكنه مع ذلك كثير التصنع والتستر، مبالغ في عدم التضمخ بذلك رأي العين والتظهر.
فلما اختبره المثبت لم يبن له إلا محاسنه الطاهرة، وأوصافه الحسنة المتكاثرة، فحينئذ امتثل ما يلزمه من مبايعته ومتابعته، وطاعته ومناصرته، ولو عدل عن ذلك لكان آثماً ولقاعدة دينيه هادماً، فلا شك أن الصواب في حقه الإثبات والإتباع، والطاعة والاستماع، ولكن ليس له أن يقطع بمغيب ذلك الإمام، ومطابقة باطنه لظاهره، لأن العصمة مرتفعة، وطرق التجويز كثيرة متسعة، إلا أن فرضه الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
وأما النافي لإمامته فإنه لما اختبره حق الخبرة، وأمعن النظر في تبطن أحواله، وتفهم وظائفه وخلاله، اطَّلع منه على بعض هفواته، ونوع من عثراته القاضية بعدم صحة دعواه، وقلة نفعه فيما ترشح له وجدواه.
|
ومـهما تكن عند امـريءٍ من خليقة |
وإن خـالها تـخفى عـلىالناس تـعلم
مع أن هذا النافي قد عرف كماله الظاهر، وبصر باشتماله بادي الرأي على المحامد والمفاخر، لكن اطلع في خلال ذلك على العيوب، وانكشف له سرها المحجوب، فحينئذ صار فرضه رفضه ومجانبته، واطراحه ومباينته، ويكون لربه بذلك مرضياً، ولما أوجبه عليه مؤدياً، ولو عدل عن ذلك لكان مقتحماً للمهالك، وسالكاً في أمر دينه أوعر المسالك.
فإذا توضحت لك هذه القاعدة، وقدرت قدر هذه الفائدة، علمت إمكان حمل المثبت للنافي على السلامة، مالم يعلم من حاله أنه لم ينف الإمامة لأمر اطلع عليه، وإنما دعاه الهوى المحض إليه، أو يكون المثبت قد اطلع على الأمر الذي لأجله نفى النافي الإمامة، فعلم أنه ممالا يبطل أحكامها العامة، ولن يمكن اطلاع المثبت على ذلك إلا باعتراف النافي أو تعيينه لما نفى الإمامة لأجله، وأيضاً يعلم مما تقدم إمكان حمل النافي للمثبت على السلامة، ما لم يعلم اطلاع المثبت على موجب النفي، أو يشتهر ذلك الموجب بحيث يعلم أنه لا يخفى على مثل ذلك المثبت.