قد عرفت أن خطأ المثبت أو النافي حيث يكون مخطئاً يرجع إلى أحد ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يكون ما أقدم عليه من ذلك خبطاً وجزافاً.
الثاني: أن يكون مكابرة وعناداً.
الثالث: أن يكون لشبهة عرضت له بعد أن اجتهد في النظر وأمعن في معرفة الحق، ولكنه ضل عن النظر على الوجه الصحيح، فسلك مع طلبه لمسلك الحسن في منهج القبيح.
فأما النوعان الأولان، فلا شك في خطأ من كان على أيهما، سواء فرضنا المسألة قطعية كما قدمناه أم لا، لا سيما من كابر وعاند، وأظهر ما يعلم خلافه في نفس الأمر، فلا يبعد أن يكون من المتخذين دين الله هزواً، ويكاد صاحب النوع الثاني يلتحق به، وهو الْمُقْدِمُ على ذلك مجازفةً من غير روَيَّة ولا فكرة سوية، لما يدل عليه حاله من عدم الاهتمام بالدين والتعويل على ملازمة الحق اليقين.
وأما صاحب النوع الثالث فلا يتصور تخطئته إلا على قاعدة أهل المذهب من كون المسألة قطعية لا مجال للاجتهاد فيها، ونحن قد فرضنا هذه المذاكرة واردة على تلك القاعدة، ولكنه على هذا التقدير خطؤه دون خطأ الأولين بمراحل، ولعل له من الله عاذراً، لأنه لم يأل جهداً في معرفة الحق، ولكن قل حظه وقعد به جده.
وقد نص المؤيد بالله قدس الله روحه على أن من كانت هذه صفته من نفاة إمامة الإمام، فلا ترد شهادته، ولا تبطل عدالته.
فإن قلت: ما ذكرته من أن من خطأ المثبت أن يكون إثباته مع علمه بعدم الكمال، ومن خطأ النافي أن يكون نفيه للإمامة مع علمه بثبوتها، كلام في حكم المتدافع، لأن مرجع الإثبات إلى اعتقاد كمال الداعي، ومرجع النفي إلى اعتقاد عدمه، فكيف يكون مثبتاً عالماً بعدم الكمال ونافياً عالماً بالكمال؟ وفي ذلك اجتماع اعتقاد الشي ونفيه وهو محال؟!
قلت: المراد بإثبات إظهاره صحة الإمامة، وموالاة الإمام ومبايعته، ومتابعته ومناصرته، وذلك لا ينافي اعتقاد عدم الكمال، ولا يستلزم اعتقاد صحة الإمامة، وكذلك فالمراد بالنافي من يظهر عدم صحة الإمامة، ويفتي به، ويتسم بسمته من المباينة للداعي والمجانبة، وعدم الملائمة والمصاحبة، وذلك لا يستلزم اعتقاد نقصان الداعي، وعدم كمال الشرائط فيه، ولا ينافي به معرفة كماله وجمعه لوظائف الصلاح وخلاله، فارتفع الإشكال.
وأما القسم الأول: وهو أن يكون المثبت والنافي مصيبين معاً، بعد فرض المسألة قطعية، والبناء على أن أدلتها معلومة يقينية، فهو مما تتبادر الأوهام إلى تعذره وامتناعه، وعدم صحته وإمكانه، ولذلك بني مثبتو الإمامة في زماننا هذا على تخطئة النافي، بل تفسيقه ولعنه واعتزال الصلاة خلفه، لا يخطر ببال أحد منهم حمل النافي على السلامة فيما أقدم عليه، بناء منهم على أن سلامته من الخطأ مما لا سبيل إليه، وإن علموا من حال النافي تحفظه في الديانة، وتمسكه فيما كلفه بالأمانة.