فإن من أعظم حوادث هذا الزمن، ما ظهر فيه من إحياء البدع وإماتة السنن، حتى عاد الدين غريباً كما بدأ، وذهبت القواعد الكلية لعدم البناء عليه سُدى، وكثر التناحر على الدنيا والتشاجر، وقل التعاون على التقوى والتناصر، واجترأ اللئيم على الكريم، وأقدم الجهول السفيه على تضليل الحليم العليم، وتجاسر الناس على التكفير والتفسيق، خبطاً وجزافاً واعتسافاً عن غير تحقيق.
ومن أعظم ذلك: التزاحم على الزعامة، والاختلاف في أمر الإمامة، حتى أفضت الحال إلى أن صار الموافق فيها معظماً مقبولاً، وإن كان من أخس() الناس، والمخالف في عقيدتها ملوماً مذموماً وإن كان من أبلغ الأكياس().
شاهدنا كثيراً من المتدينين في هذا الزمان، والمتسمين بسمة الفضل وقوة الإيمان، يتلقون كثيراً من قُطّاع الصلوات، والمدمنين على الخمر في أكثر الأوقات، والمجترئين على قتل النفوس المحرمات، بالبشاشة والإستبشار، وخفض الجناح ومجانبة الإنكار، إذا أنسوا منهم الانقياد إلى مذهبهم في هذا الشأن، والاعتماد على ما قد بنوا عليه من ذلك والارتكان، ويعاملون أهل المعرفة الصحيحة، والأديان القويمة الصريحة، المخالفين لهم في العقيدة، وإن صدرت المخالفة عن قاعدة أكيدة، بالمجانبة والمباينة وعدم المحاسنة والملاينة، حتى كأنه لم يشرع من الدين ولا بعث سيد المرسلين إلا لهذه المسألة، وأما بقية الأركان فمغفلة مهملة، وقد يقع منهم الإفراط في التنكير إلى الحكم على المخالف بالتكفير، من ذلك ما وقفت عليه لبعض الكبراء في كتاب له بخط يده يتضمن ما معناه وأكثر ألفاظه: من أحب خصام الإمام فقد انسلخ عن الإسلام، وصارت زوجته معه في حيز الحرام!
فيا لله وللمسلمين من هذه الدعاوي الصادرة عن غير يقين، لم يسبق إلى مثلها أحد من الأئمة السابقين، ولا سلك منهجها سيد الوصيين، وقد جمع الخوارج بين تكفيره وقتاله، ومحاولة هلاكه واستئصاله، فنـزههم مع ذلك عن الكفر، وناهيك بما ارتكبوه في حقه، وهو الذي لا ريب في زيادة فضله وعلو سبقه، بحيث أن غيره لا يبلغ عشر المعشار من مقداره، وما أدركه من الفضل وأحرزه من العلم فقطرة من أقطاره.
ولو أن رجلاً قتل الإمام لم يحكم بكفره، فكيف بمن قاتله؟ فكيف بمن خاصمه؟ فكيف بمن أحب خصامه؟ بل المشهور أن المعادي له بقلبه لا يعد فاسقاً، ولا يجعل عن الدين مارقاً، مع أن ذلك أبلغ في الخطر من محبة الحصام، فاعتبروا يا أولي الأفهام!!
وقد كنت أوردت في تهجين ذلك وما يشبهه رسالة شافية، ومقالة ببيان المقصود وافية، ثم أردت التنبيه على نكتةٍ توضح منهج الحمل على السلامة، وتبين حال المثبت والنافي للإمامة، فإن هذه المسألة من المسائل التي البلوى بها عامة فقلت:هذه نكتة عظيمة الموقع في الدين، واسعة النفع للمسترشدين.
إن قيل: على القول بأن الإمامة قطعية، كما هو مذهب المعتزلة والزيدية، وفرضنا حصول داع يدعي كمال شرائط الإمامة فيه، ويدعو الناس إلى طاعته ويحثهم على إجابة داعيه، فأثبته مثبت ونفاه ناف، والأقسام المتعلقة:
أن يكون المثبت والنافي مصيبين معاً.
وأن يكونا مخطئين معاً.
وأن يكون أحدهما مصيباً والآخر مخطئاً.