|
وما جيـت حتى أيس الناس أن تـجي |
وسُـميت
مـنظوراً وجئت على قدر
وأما المهدي فكذلك كان يدعي أن إمامته صحيحة، وأن العبرة بأياسه وهو لم ييأس عند خروجه من الحبس، وإن كان هذا خلاف ما صرح به في بعض مصنفاته فقد نفى كل واحد منهما إمامة صاحبه وزاد على النفي بأَنْ أهَّل نفسه لها، بل يلزم أن يكون كل واحد منهما عند صاحبه في حكم الباغي لإظهاره أنه المحق مع قيامه بما أمره إلى الإمام متمنعاً، ومع ذلك فلم يعتقد أحد منهما في الآخر أنه فاسق، بل كانا يتعاملان معاملة الأخوين المتحابين في الله، وذلك مشهور من حالهما، أخبرني بعض الثقات المعاصرين لهما أن المهدي كتب إلى الهادي يخبره بأنه لزمه دَين ويلتمس الإعانة منه، فأمر الهادي الأهنوم بتسليم واجباتهم إليه ، وكذلك ما كان معهم له من النذور، ولما خرج من صعدة أمر الهادي مع المهدي الفقيه العالم العابد محمد بن ناجي إلى بلاد الأهنوم ليأمرهم أيضاً بتسليم واجبهم ذلك العام إليه، وكان كثير الثناء عليه والمدح لصفاته، والاعتراف بغزارة علمه، وأوصى في بعض أمراضه إلى عدة من أتباعه وأنصاره وإخوانه بدأ منهم بالمهدي معظماً له داعياً له بالخير، وأظهر الفرح، وأوقد النيران حين بشر بأخذ المهدي لبعض الحصون، وكذلك فقد وقفت على كتب عديدة للمهدي عليه السلام بخط يده المباركة فيها ذكر الهادي بالتعظيم البليغ والدعاء له في حياته وبعد مماته، وكان يكثر الترحم عليه والترضية عنه، وكثيراً ما يقول في كتبه في حياة الهادي إذا ذكره: الهادي عليه السلام ، وبعد وفاة الهادي: قدس الله روحه ونوَّر ضريحه، أمر خولان بعد موته بتسليم واجباتهم لقضاء ديونه، وأخبر عنه الثقة أنه لما وصله أحمد [بن] قاسم الشامي() باعتراضات قد لفَّقها على الهادي، وكان في أول أمره قائلا بالهادي وملازماً له ينتهي إلى سبعين اعتراضاً؛ حلها المهدي واحداً واحداً حتى أتى على آخرها، وكان من كلام الشامي له: لولا أنت لدخلت بها خلفه صنعاء، ولَمَّا عرض عليه بعض من يعتاد تسليم الواجب إلى الهادي من الإجبار أن يعطوه زكاتهم امتنع من ذلك، وأمرهم بالاستمرار على عادتهم، وكان أشياعهما عليهما السلام أولي مخالطة حسنة ومعاملة مستحسنة، وكثيراً ما وصل أشياع المهدي إلى الهادي يستعطونه فيعطيهم العطايا السنية، ولو أردت استقصاء ما علمته مما كان بينهما من شواهد حسن الإخاء لطال الكلام، ولم آت له على إتمام، وفي هذا زيادة على الكفاية، ولكني بفرط محبتي لهما واستحساني لسيرتهما تلذذت ببسط الكلام في شأنهما وذكرهما، وقد ذكر في (اللمع)() عن شرح أبي مضر() ما لفظه: وقول يحيى() عليه السلام : أن مَنْ أنكر إمامة إمام طرحت شهادته، فلعله قال ذلك اجتهاداً، قال المؤيد() بالله قدس الله روحه: ولكنه يضعف عندي إذا كان مستقيم الطريقة في سائر أحواله، فإن عرف منه الفسوق بما يقوله فإني لا أقبلها، وقال قدس الله روحه: والمراد به إذا كان لا يقول بإمامته لأجل الفسوق والتهتك، لا لأجل النظر في أمره والتفكر في أحواله، فإن كان كذلك فإنه لا تسقط عدالته، وتقبل شهادته، فانظر إلى هذا الكلام الصريح في عدم التفسيق، بل في إثبات عدالة النافي مع أن العدالة تسقط بما هو دون الفسق، بل بشيء من المباح، وهذا كلام من شهدت له بالسبق أكابر الأخيار، وقضيت له بالفضل أعيان الأئمة الأطهار، حتى أن الإمام يحيى() بن حمزة عليه السلام جعله أولى الأئمة وأحقهم بالتقليد والاتباع.
نعم؛ وأما منع الصلاة خلف من خالف المؤتم في العقيدة في الإمام من نفي، أو إثبات، أو توقف، بحيث أن المثبت لا تجزيه صلاته خلف النافي والعكس، وكذلك المتوقف، على ما ظهر واشتهر في هذا الزمان، وانتشرت به الفتوى في جميع البلدان، فقد خفي عليَّ وجهه، فإن الذي تمتنع الصلاة خلفه على المذهب هو الفاسق ومن في حكمه، وهو المصر على معصية لا يفعلها في الأغلب إلا الفسقة، وإن لم يعلم كونها فسقاً نحو كشف العورة بين الناس، والتطفيف، والشتم الفاحش غير القذف.
واحترزوا بقولهم: في الأغلب، عما يرتكبه الفسقة وبعض المؤمنين في العادة، كالغيبة والكذب ونحوهما، وإن ورد فيهما من الزجر والتهديد والوعيد الشديد لما ورد لما كانا مما لا يختص الفسقه بارتكابه وتعاطيه، ولا يقطع بكبرها، وما نحن بصدده ليس في شيء من القبيلين والنوعين هذين، وقد تقدم كلام المؤيد بالله وما قضى به من صحة شهادة النافي مع كون الشهادة أعلى رتبة من الإمامة في الصلاة، ولهذا لا يكفي فيها ظاهر العدالة ولا ظهور التوبة إلا بعد تقدم الخبر، مدة مديدة، بخلاف إمامة الصلاة.
هب أنا سلمنا فسق النافي ونحوه، فمنع الصلاة خلفه مما لا يصح فيه التقليد والتلقين، إذ هذا من العملي المترتب على علمي، فكيف يحسن تقرير من لا يعرف القواعد على هذه القضية؟ بل الأمر بها والحث عليها، حتى أن كثيراً من المتدينين رفضوا لذلك صلاة الجماعة وأهملوها بالكلية، وعدوها من الأمور الخطيرة الردية مع عظم موقعها في الدين، وكثرة ما ورد فيها من لدن النبي الأمين صلى الله عليه وآله وسلم ، ولذلك عدها بعض العلماء من فروض الأعيان، وبعضهم من فروض الكفايات، وكفى في الحث عليها والزجر عن تركها بما أخرجه أهل الكتب الستة عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) ().
وصرَّح أبو داود والنسائي أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يرخص فيها لابن أم مكتوم()، وقد شكى عليه أن قائده لا يلازمه وكثرة سباع المدينة وهوامها.
وخرَّج مسلم والنسائي أيضاً عدم ترخيصه فيها لأعمى() شكى عليه أنه لا يجد قائداً، وغير ذلك ممالا يمكن استقصاؤه وهو لا يعزب عن الخواطر الكريمة.