[إثبات ما يترتب على القول بقطعية الإمامة]

ثم نقول: إذا صح المذهب، وهو أن الإمامة قطعية لا يجوز الأخذ فيها إلا بالدليل القاطع، وأن الحق فيها مع واحد؛ لزم على هذه القاعدة كل واحد من المكلفين -مع وجدان من يدعي الإمامة- أن ينظر في المسألة أصولها وفروعها، ولا يجوز له الإقدام والإحجام، ولا الإثبات، ولا النفي، إلا بعد أن يطلع على أدلتها، ويعلم حصول العلم اليقين له عنها، حتى ينتهي إلى العلم بوجوب متابعة هذا الداعي وصحة دعواه، أو لا خلاف في ذلك وإلا كان مخطئاً آثماً، سواء وافق الحق في نفس الأمر أم لا، لأنه لا فرق بين الإقدام على الخطأ، وبين الإقدام على مالا يؤمن كونه خطأ في القبح، ويلزم ألا يصح التقليد في شيء من مسائل الإمامة،  ولا الرجوع فيها إلى أقوال العلماء كغيرها من المسائل القطعية التي لا يصح التقليد فيها.

 وقد ذكر بعض مذاكري المذهب وهو الفقيه [محمد بن سليمان] () ما يقضي بهذا في حق من بلغته دعوة الإمام ولم يتمكن من النهوض إليه، قال رحمه الله: فإن الظاهر أنه لا يعتقد إمامته حتى يحصل إجماع من العلماء عليه، أو يتواتر الخبر بجمعه الشروط، لأن المسألة قطعية، ولا يجوز الدخول بالتقليد إلا عند من جوزه في مسائل الأصول، ونظَّره الفقيه [يوسف بن أحمد بن عثمان] () بأنه ما يكاد يتفق ذلك ولا وجه للتنظير، لأنه لا عبرة بالاتفاق وعدمه، والذي يقتضيه أصول أهل المذهب ما ذكره الفقيه[محمد بن سليمان]، ومن توابع القول بكونها قطعية أنه يلزم الأئمة وغيرهم الإنكار على من اعتقد صحة إمامتهم من غير فهم القواعد والوصول في ذلك إلى العلم اليقين، لأن من كانت هذه صفته مُقدم على قبيح ومرتكب له، والإنكار على مرتكب القبيح واجب، وقد ذكر هذا بعض علمائنا، فإنه قال في رسالة إلى بعض الأئمة: فإن أقدم العامي على مبايعتك بغير حجة وجب عليك نهيه، فكيف ترغبه؟ انتهى.

إذا تقرر هذا فمعلوم أن أكثر المعتزين إلى الأئمة القائلين بإمامتهم، الممتثلين لأوامرهم ونواهيهم، المترتبة على صحة الإمامة وثبوتها؛ لم يقدموا على ذلك لنظر اقتضاه، ولا لدليل أوصلهم إليه، بل ربما أن الجم الغفير منهم لا يعرفون معنى الإمامة وحقيقتها، فكيف بدقائق مسائلها وغوامضها الحائرة فيها أفهام وأرباب العقول، والمتعارضة فيها أقوال الأيقاظ منهم والفحول؟ فكيف يحسن إقرار هؤلاء الجهلة على ذلك، وعدم تنبيههم على ما هو اللائق من النظر الصحيح المطابق، ونظير هذا ما عليه جميع الأئمة عليهم السلام  المتقدم منهم والمتأخر من أمر العامة بتسليم الحقوق إليهم دون أن يأمروهم بتقديم النظر في صحة إمامتهم، وأن ينبهوهم على أنهم مأخوذون فيها بتحرير الأدلة، وفهم السبب في ذلك والعلة، وليس لقائل أن يقول: كثير من المسائل القطعية يصح التقليد فيها. فإنا نقول: ذلك لا يصح إلا فيما كان منها عملياً لا يترتب على علمي، ومسائل الإمامة ولواحقها -من اعتقاد إمامة إمام معين، ووجوب طاعته، وتسليم الحقوق إليه- ما بين علمية وعملية تتوقف على العلم.

 

 

[بحث حكم النافي لإمامة الإمام والمتوقف فيها وتخطئة المفسقين لنا في إمامته]

والعجب مما ظهر في زماننا من تجاسر غير العارفين من المثبتين للإمامة على تفسيق النافي لها، أو المتوقف، ولعنه واعتزال الصلاة خلفه، مع أن التفسيق لا يصح الأخذ فيه والاثبات له إلا بالبرهان القاطع الذي لا مانع له ولا مدافع من كتاب صريح، أو خبر متواتر صحيح، أو إجماع قطعي، واستبعدوا أن يكون القياس من طرقه لتعّسر القطع بعلة الحكم، وانحصارها، وعدم تعددها، والمعلوم أنك لو سألت كل واحد من هؤلاء المذكورين عن معنى الفسق وأسبابه، وطرقه وأحكامه، لما درى كيف يجيبك. دع عنك العلم بكون نفي الإمامة والتوقف فيها يقتضيه، وفي الحقيقة أن التعجب من علماء زماننا الراسخين في العلم -كثرهم الله ونفع بعلومهم- كيف سكتوا عمن هذه صفته، مع وجوب التنبيه والتعريف بما يتحتم في الدين الحنيف؟! فإنه إن سلم ثبوت الفسق في هذه المسألة لم يحسن تقرير أرباب التفسيق من غير استدلال وتحقيق، بل يجب الإنكار عليهم والإعذار في ذلك إليهم، فما ظنك بمن يلقّن الجهلة ذلك، ويفتيهم به، ويأمرهم باعتقاده؟!

ثم إنَّا نقول: أيُّ الأدلة المعتبرة دل على فسق من ينفي إمامة الإمام أو يتوقف فيها؟ وأي طرق الشرع أو العقل اقتضى ذلك؟! أما العقل فلا مجال له هنا، فما حجة القائلين بذلك، والذاهبين إليه من أدلة الشرع؟ أما أكثر أئمتنا وعلمائنا فالظاهر عنهم القول بعدم التفسيق، ولهذا نقل عنهم حسن الثناء على المشائخ المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام ،  والترضية عنهم، والتعظيم العظيم لهم، مع أن أولئك المشائخ المذكورين نفوا إمامة علي عليه السلام ،  وزادوا على النفي بما ظاهره البغي، فإنهم تصدروا وأهَّلُوا نفوسهم للإمامة، ورأوا أنهم أولى بها منه، هذا وإمامته عليه السلام  أظهر من إمامة غيره، لقيام النصوص عليه، ووضوح الأدلة على عصمته، وكثرة فضائله، وعلو شأنه، وارتفاع مكانه!!

ونقـول: سلَّمْنا أنَّ الإمامة قطعية. فليس من لازم كل مسألة قطعية أن المخطي فيها فاسق، إذ ليس كل خطأ كبيرة، فإنه لا يثبت كون المعصية كبيرة إلا بدليلٍ -كما ذكروه- من ثبوت الحد عليها، أو التصريح بعظمها، أو فحشها، أو كبرها، أو نحو ذلك، أو الوعيد عليها بعينها على خلاف في ذلك، ولا أعلم حصول شيء من هذه الطرق في مسألتنا، ولا قضت بذلك معاملة السلف وأحوالهم، بل قضت بخلاف ذلك.

 

[احتجاج الإمام بتسامح الأئمة فيما بينهم]

لقد بلغني أن القاسم بن علي العياني() ويوسف الداعي قد تعارضا وادعى كل منهم أنه الإمام دون صاحبه، وكانا مع ذلك أهل تواد وتصافٍ، حتى كانا كثيراً ما يقول كل واحد منهما في كتابه إلى الآخر جعلني الله فداك، ومثل هذا لا يعامل به ذو التمييز من يعتقد فسقه، بل يتوجه عليه مباينته، والإغلاظ له، وعدم الموادة، وكذلك اطلعت أنا على مكاتبة من بعض عيون أتباع حي الإمام الناصر عليه السلام  محمد بن علي بن محمد() إلى محمد بن علي بن وهاس() العالم الشهير، وقد دعا إلى نفسه وعارض الناصر عليه السلام  وادعى قصوره ونفى إمامته، يطلبون منه الإقلاع عن المعارضة، وشق العصا بتعظيم وتبجيل وتكرمة وتجليل وإلطاف في التعبير، وأقرب من هذا وأظهر ما كان بين الإمامين الهادي علي بن المؤيد والمهدي() أحمد بن يحيى سلام الله عليهما من الموالاة والمصافاة وحسن المؤاخاة في الله مع اعتقاد كل واحد منهما أنه الإمام دون صاحبه، وأن الآخر غير كامل الشرائط، أما حي والدنا الإمام الهادي لدين الله فذلك متواتر عنه، كان يصف المهدي بعدم التدبير ويقطع بذلك في حقه ويصرح بأنه قد أيس منه في حبسه الأخير حتى أنه حين وصل إليه المهدي أوان أخذه لصعدة ودخوله لها، وذلك بعد خروج المهدي عن الحبس تلقاه الهادي بالإكرام وأنشد أبياتاً ضمنها:ـ

104 / 331
ع
En
A+
A-