وأما عمر بن الخطاب فمن المعلوم أنه لو ترك التولي للخلافة أو تنحى عنها لمن هو أحق بها منه لما قام مقامه إلا من هو أفضل منه وأكمل، وأعلم بالعلوم الدينية وأعمل، وإذا عرفت ذلك فغير بعيد أن يتحتم على عمر بن عبد العزيز ما كان منه من تولي الأمر لما فيه من إزالة المنكرات، وتغيير الظلامات، وإقامة قواعد الدين، وصيانة الإسلام عن أقاربه المعتدين، جزاه الله خيراً عن الإسلام والمسلمين، والحمد لله وصلواته وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 

[رسالة الإمام عزالدين بن الحسن عليه السلام السلام التي وجَّهها إلى العلماء يستمد جواباتهم عن سؤالاته في الإمامة أنشأها قبل دعوته]

بسم الله الرحمن الرحيم

رب يسر وأعن يا كريم أمَّا بعد: حمداً لِله كما ينبغي لجلاله، والصلاة على سيدنا محمد وآله، فإنه لا يعزب() عن الأذهان الشريفة والأديان الحنيفة لزوم التحري في الأمور الدينية للصواب، وقبح الهجوم فيها مع الشك والارتياب، ومن أعظمها في الخطر وأحوجها إلى تحرير النظر مسألة الإمامة التي هي لكثير من الأحكام الشرعية كالدعامة، فإن الإقدام فيها أو الإحجام مالم يصدر عن رويِّة وتحقيق، وتنقير وتدقيق، مهلكة من المهالك، ومسلك من أوعر المسالك، ورأيت الناس في زماننا هذا يخبطون خبط عشواء، ويبنون فيه على ما يلائم الأهواء، فلا تكاد تظفر بأريب بنى العقيدة على قواعدها، ولا تقع على لبيب قد أحاط علماً بنكتها وفوائدها، إلا قليل ممن عامله الله بتوفيقه، وهداهم في الدين إلى أوضح طريقة، ولما كنت ممن قصر فهمه عن بلوغ الغاية، وقعد به حظه عن الوصول في ذلك إلى النهاية، صرفت الهمة إلى مباحثة أهل العلم والحكمة، ممتثلاً لقول الله عز وجل: {فاسْألوُا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون} [النحل: 43]، ناظراً إلى ما ورد في الأثر:(السؤال: نصف العلم)   قاصداً للاستفادة والإزدياد، غير مريد للتعنت والانتقاد غير المعتاد، والله على ما أقول شاهد وبه كفيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وأقول وبالله التوفيق: قد وقع الخلاف بين الأمة هل مسألة الإمامة من المسائل القطعية التي لا يؤخذ فيها إلا بالأدلة القاطعة؟ أم هي من المسائل الاجتهادية التي هي لأنظار المجتهدين تابعة؟ فالظاهر من مذهب أئمتنا ومتابعيهم، والمعتزلة ومتابعيهم، أنها قطعية يتعلق التكليف فيها بالعلم اليقين، وأن الوصول فيها إلى العلم لازم لجميع المكلفين، ولذلك ألحقوها بفن أصول الدين، وليست علماً بالله تعالى، ولا بصفاته، ولا بأفعاله، ولا بأحكام أفعاله، وأشار بعض متكلمي أصحابنا إلى تجويز كون السبب في ذلك من حيث أنه يطلب منا مع العمل فيها الاعتقاد الذي هو العلم دون الظن، ثم نظر ذلك وأشار إلى تعليل آخر رمز إليه الفقيه حميد() رحمه الله في وسيطه لا حاجة إلى ذكره هاهنا، مع أن الأليق بها فن الفقه، -وإن كانت قطعية- إذ هي من المسائل الفرعية، والأحكام الشرعية، ولم أظفر من أدلة الأصحاب مع هذه الدعوى بما مقدماته يقينية، وقواعده التي يبنى عليها قوية، مع كثرة بحثي عن ذلك في كتب الأصول والفروع، وتطلّبه من مصنفات المعقول والمسموع، فإن مسائل الإمامة متفرعة إلى فروع كثيرة، كوجوب نصب الإمام، ووجوب اتباعه، ومعرفة شرائط الإمامة،  ووجه اشتراط كل واحد منها، ووجه الاقتصار عليها، ومعرفة ما يحتاج إلى الإمام، فيه، ووجه قصره عليه، وغير ذلك، والأدلة القاطعة الشرعية ليست إلا الكتاب الصريح، والسنة المتواترة، والإجماع والقياس القطعيين، وأما العقل فلا مجال له هنا على الصحيح، ولم يتضح لي ثبوت شيء من هذه الأدلة القاطعة في هذه المسائل ولا في شيء منها.

وقد أورد أصحابنا في كتبهم أدلة على وجوب نصب الإمام، أشفّها إجماع الصحابة، لأنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم  فزعوا إلى نصب إمام من غير تقاعد ولا تناكر، ولم يسمع عن أحد منهم القول بعدم وجوب ذلك، ولا فهم من قرائن أحواله، مع اختلاف أنظارهم، وتشتت أرآئهم في تعيين الإمام، وغير ذلك من الأحكام.

 وهذا الدليل عن القطع بمراحل، وكيف وهو -لو صح- إجماع فعلي فقط؟ وعدم حصول التواتر في النقل عن كل واحد من الصحابة معلوم، وكل مسألة يكون دليلها الإجماع فالأقرب عدم تأَتي القطع فيها، وهي بأن تكون ظنية أو لا، وهيهات أن تجتمع شرائط الإجماع القطعي في حق أئمة النقل والتنقير، فكيف بأهل الإهمال والغفول الكثير، ولو قدرنا حصول شرائط الإجماع وتواتره عن كل واحدٍ من الأمة؛ فقد ورد على ما نجعله دليلاً على كون الإجماع دليلاً وهو الآية الكريمة ({وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ...} [النساء: 115]، ما ورد وحكم عليها الفحول بأنها من الظواهر وليست من الصرائح في الدلالة.

ومن أدلتهم: أن الله سبحانه وتعالى فرض الحدود وأمر بإقامتها، ثم وقع الإجماع على أنه لا يقوم بها إلا الإمام، فوجب فعل مالا يتقوم الواجب إلا به، وهذا يترتب على ثبوت هذا الإجماع المدعى، ونقله تواتراً، وفي ذلك من البعد مالا يخفى، بل هو في حكم المتعذر المستحيل والله أعلم.

 واعترضه الفقيه يحيى بن حسن القرشي() بما معناه: ما أمنكم أن يكون الأمر بإقامة الحدود مشروطاً بحصول الإمام ووجدانه؟ لكن يمكن أن يجاب عنه بأن الأمر بإقامة الحدود ورد مطلقاً، وما ورد مطلقاً لزم تحصيل شرطه، ولم يتوقف وجوبه على تحصيل شرطه، وأورد اعتراضاً آخر وهو أنه لو كان نصب الإمام واجباً على الأمة لما أجمعوا على ترك هذا الواجب، ولا كلام في خلو بعض الأزمنة عن الإمام، وإن وقع الشك في جواز الخلو عمن يصلح للإمامة، وهذا أقوى كما ترى.

فانظر إلى هذه الأدلة التي وسمت بكونها يقينية، وانظر إلى تركهم إيراد أدلة على سائر أطراف مسائل الإمامة وتفاصيلها.

103 / 331
ع
En
A+
A-