ومنهم عليهم السلام من أمره خاف عن بعض المميزين، بل كثير من دعاة أهل البيت يخفي أمره على بعض المبرزين، فقد كان منهم في جهة الأندلس وغيرها من لم يبلغ دعوته، ولا تسير سسيرته.
قال: وما يكلف به في حق المتعارضين السابقين مع تواليهم وتعاديهم؟
أقول: أول ما نشأت المعارضة فيما نعلم زمن الهادي والناصر عليهما السلام ، وكانا متباعدي الأقطار، ومتبايني الديار والمزار، وحالهما في الفضل والكمال لا ينكر بحال، وحبذا ما كان بصفة تعارضهما، فلا شك أنهما معاً مرضيان، وإمامتهما معاً في القوة والصحة ظاهرة الثبات، وما جرى من المتعارضين على هذه الكيفية فلا إشكال فيه، ولا يفتقر فيه إلى تنبيه.
وأما حيث تقارب المتعارضان وتنازعا وتحاربا، فلا يتصور أن يكونا محقين معاً، بل أكثر ما يتهيأ أن يكون أحدهما فقط محقاً، ويكون الآخر باغياً عليه، وخارجاً عن ولاية الله تعالى إلى عداوته، فلا إمامة مع البغي.
وأما حيث تقاربت دارهما ولم يتشاجرا ولا تحاربا، وكان كل واحد منهما حسن المجاملة والمعاملة للآخر، وهما متواليان غير متعاديين، فالذي تقتضيه القواعد أن الإمامة ليس إلا لأحدهما، والآخر ليس بإمام، وإنما نتولاه كما تولاه الإمام المعارض له، ومن الحق في عدم المعارضة ثابت له، هذا على سبيل الإجمال.
وأمَّا التَّفْصيل فهو أنَّهُ إن ثبت لنا طريق إلى كون أحد المتعاديين بعينه هو الإمام، وكون الآخر بصفة الباغي عليه، وثبتت لنا طريق إلى أن أحد المتواليين بعينه هو كامل الشرائط صحيح الدعوة، ثابت الإمامة، وأنه الفائز بذلك والحائز له دون صاحبه دنّا بذلك واعتقدناه في الصورتين معاً، فإن لم تستقم تلك القاعدة ففرضنا في المتوالين المعروفين بحسن الصفات والأحوال توليهم معاً والترحم عليهم، وحسن الظن بهم، وأن نقول في المتعاديين: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ ولَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُوْنَ عَمَّا كَانُوْا يعْمَلُوْنَ} [البقرة: 134].
قال: ومَنْ ليس بإمام عند أهل البيت كعمر بن عبد العزيز ما حكمه؟
أقول: حكم عمر بن عبد العزيز() ومن على صفته ممن حسنت سيرته وسريرته، ولم يختل فيه إلا شرط المنصب الفاطمي عند أصحابنا أنه ليس بإمام، وإنما هو سلطان عادل، وأنه مخطيء بترشحه لهذا الأمر، ويؤل أمره إلى ما عليه الخلفاء المتقدمون لأمير المؤمنين، وكلام أهل البيت عليهم السلام فيهم معروف متناقل، فمنهم المبالغ في التأثم والتخطية، ومنهم السالك سبيل التولي والترضية، فما عومل به عمر الأكبر ينبغي أن يعامل به عمر الأصغر، فليس بناقص عنهم في حسن السيرة والسريرة في العدل وإن تأخر، بل قد قضي له لمزية جلية غير خفية، وهو أنه سلك لهذا السبيل في العدل بعد انطماسه واندراسه وخراب أساسه، وتقادم العهد بمثله، وأهل زمانه لا يعترضونه في شأنه.
وأما عمر بن الخطاب فإنه سلك سبيل العدل، وهو واضح غير منطمس، وشهير غير مندرس، ومع قرب العهد بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخليفته المرتضاة، وكونه بين ظهراني الصحابة الأخيار، وفضلاء المهاجرين والأنصار، الذي لو رام الميل بينهم عن السيرة المرضية لقوموه بالسيوف الهندية والرماح الخطية، ولم يقروه على خلاف السيرة النبوية، فانظر في عظم شأن تلك المزية.
ويلحق ويحلق بعمر بن عبد العزيز في العدل، وإن لم يكن مساوياً ولا مدانياً في الفضل يزيد بن الوليد، قال الحاكم: أجمع المعتزلة على صحة إمامتهما، وعندي أنه يمكن أن يتمحل لعمر بن عبد الغزيز من الأعذار في توليه لما تولاه مالا يمكن أن يتمحل لعمر بن الخطاب في مثل ذلك، وهو أن من المعلوم قطعاً أنه لم يفعل أو فعل، ثم رام التنحي لبعض أعلام [البيت] البيت، وإيثاره بهذا الأمر لما تم له ذلك، ولا وجد إليه سبيلاً وإن ترك تولى الأمر يزيد بن عبد الملك وأخوه هشام بن عبد الملك، أو من يضاهيهما من الساعين لدين الله تعالى في الإنهدام، وقد جعل سليمان بن عبد الملك الأمر إليه ثم إلى يزيد ثم إلى هشام، فلما لم يسعد إلى تولي الأمر، أو رام التنحي بعد التولي لما تولاه إلا من ذكر أمراً محتوماً، لا محيص عنه ولا مناص، كما يتيقن ذلك من عرف أحوالهم وسيرتهم وأساليبهم.