قال الفقيه العلامة علي بن محمد البكري رحمه الله: الواجب على الأئمة حمل أتْبَاعهم على السلامة، وأنَّ ما أقدموا عليه من الإعتقاد وتوابعه من تسليم الحقوق ونحوه كان عن دليل، وليس عليهم أن ينكروا على الأتباع قبل أن يعلموا حقيقة أمرهم، وأما بعد علمهم بأنَّ اعتقادهم صدر لا عن دليل فلا شكَّ في لُزُوم الإنكار، وحينئذٍ فقد ساعدنا مولانا إلى ما رأى من لزوم الإنكار على من تلك صفته.
فإن قال: إنَّا قد علمنا من حال الأئمة أنَّهُم لم يُنْكِروا فإما حكمنا بخطأ الأئمة أو بكون المسألة ظنية؟
قلنا: قد دللنا على أنها قطعية فإن صح عن الأئمة أنهم تركوا اللائمة كان ذلك دليلاً على عدم علمهم بحال الأتباع لا على خطأهم بتركهم للإنكار عليهم ولا على كون المسألة ظنية، ومع عدم علمهم لا يلزمهم الإنكار كما قدمنا، ونظير حال الأئمة في ذلك كحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا حسن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر العربي الجلف باعتقاد نبوته وتسليم الحقوق إليه من غير أن يأمرهم بتقديم النظر في ذلك حملاً لمن اتبعه على السلامة، فبالأولى أن يحسن ممن هو دونه وهو الإمام حيث أمر العوام باعتقاد إمامته وتسليم الحقوق إليه ثم حملهم بعد الإتباع والتسليم على أن ذلك كان عن دليل.
فإن قال: إن بين المسألتين فرقاً، فإن مسائل الإمامة أخفى من مسائل النبوة؟
قلنا: لا نُسَلِّم فإنَّ مسائل النبوة تحتاج إلى دقيق النظر، بل لو ادعى العكس في ذلك لأمكن، ثم لو سلمنا زيادة خفا مسائل الإمامة على مسائل النبوة، فلا شكَّ أنَّ في سائر مسائل الأصول ما هو أدق وأخفى من مسائل الإمامة، وكان يلزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسائر العلماء الإنكار على العوام جميع ما اعتقدوه من ذلك، وخلافهم معلوم ولا يكون ذلك إلا لما ذكرناه من الحمل على السلامة.