هذا ما سنح من الجواب عن هذا السؤال

وصلى الله على محمد وآله. دور النظام القبلي في اليمن في تعارض الأئمة المسألة السادسة

قال السائل أرشده الله وسدده: ما هو الدور الذي لعبه النظام القبلي في اليمن في مسألة تعارض الأئمة؟

الجواب والله الموفق:  أنَّ العوَّام الذين تابعوا الأئمة المتعارضين أمرهم مشكل من جهة أنَّ مسألة الإمامة عند الزيدية قطعية غير ظنية، والعامي لا طريق له إلى معرفة القطعي إذ هو مقلد بحت، فمن أين للعامي معرفة توفر شروط الإمامة في أحد المتعارضين، وغاية ما يتوصل إليه هو الظن فقط، ولا شكّ أنَّهُ يقدم على أمر قطعي من القتل ونحوه، ومن المعلوم أن العوَّام يقومون بنصر الأئمة والمقاتلة بين أيديهم، وتسليم الحقوق وامتثال أوامرهم، وعلى هذا جرتِ المعاملة منذ العصور الأُوَل لم يعترضهم معترض، ولا أنكر عليهم منكر، بل صوَّبَهم العلماء والأئمة مع علم العلماء أن المسألة قطعية، ولا طريق للعامة سوى التقليد، وقد أجاد الإمام المهدي محمد بن القاسم الحوثي uفي جواب السؤالات الضحيانية فقال عليه السلام: وفرض الجاهل سؤال المحققين والإقتداء بهم وإن كان لا يفيد إلا الظن، لأنهم قد نزلوا العالم في حق الجاهل بمنـزلة الدليل في حق العالم، فيجب على الجاهل في هذه المسألة الترجيح بين أدلته التي هي العلماء إذا تعارضت كما يرجح العالم بين الأدلة الشرعية، فيتحرى اتِّباع أهل العلم الراسخ والورع الكامل والخبرة التامَّة البعيدين عن الأغراض والأهواء والميل إلى الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة، فمهما فعل ذلك فذمته بريئة، وقد فعل ما وجب عليه ولو تابع  أوجاهد أو قتل أو قتل، وهذا الذي قضت به الأدلة القطعية، بل يمكن دعوى الإجماع عليه، لأنه لم يرو عن أحد من الأئمة أنه أنكر على من تابعه وجاهد معه من العوام مع أنهم لم يبلغوا درجة النظر والإجتهاد، بل لا زال دعاؤهم إياه متواتراً وقد يلزمون البيعة والجهاد كرهاً، ولأنَّهُ لو كلف الجاهل العلم مع كون الأمور فورية لكان من تكليف مالا يطاق، ولما جاز للإمام أن يجبر على الواجبات التي أمرها إليه بل لا يقبلها، لجواز كون فاعلها غير عاثر على اليقين في حقه، فكيف وقد قال أبو بكر بمحضر من الصحابة: والله لو منعوني عقالاً أوقال عناقاً مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلهم عليه، وجرى مجرى الإجماع في الحكم لا في إمامته بل العبرة بمذهب الإمام عند نفسه، فإذا علم صحة ولايته جاز الإجبار كالرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) فلو كان لا يجوز قتالهم حتى يعلموا نبوته لما قال هذا ولقال حتى يعلموا أني مرسل إليهم، ولما ورد في الكتاب والسنة من الأدلة المفيدة للعلم على وجوب اتباع أهل البيت عليهم السلام والكون معهم عموماً وخصوصاً مع الأئمة المحقين منهم مثل خبري السفينة ((وإني تارك فيكم))، وتمسكوا بطاعة أئمتكم، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، والرجوع إلى العلماء من قوله: ]فَاسْأَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُوْنَ[ [النحل/43]، وقوله تعالى: ]فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ[ [التوبة/122]، وقوله تعالى: ]وَلَوْ رَدُّوْهُ إِلَى الرَّسُوْلِ وإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِيْنَ يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمْ[ [النساء/83]، وغير ذلك كثير، فتقرر بذلك أن ليس للجاهل طريق إلى هذه المسألة إلا العلماء وهذا كله فيما يرجع إلى مبايعة الجاهل ومتابعته وجهاده وتسليم حقوقه ونصيحته لإمامه وغير ذلك من العمليات.

وأما مسائل الإعتقاد كالتفسيق وما ترتَّبَ عليه فلا يبعد وجوب التوقُّف عليه عند التعارض بين صالحين، لأن العالم يعلم بعلم قطعي، والجاهل يعلم بعلم ظني، والمسألة قطعية بخلاف القتل والجهاد ونحوه فيجوز، لأنَّه وإن كان تحريم الدماء قطعياً فقد أبُيِح بالدليل الظني مثل حكم الحاكم بالقود بقيام الشهادة، ولا يفيده إلا الظن، حتى نَصُّوا على إقامة حد الشرب بالشم، ونصُّوا على جواز قتل مالا يؤمن ضرره على المسلمين وتلك الخشية لا تفيد إلا ظنَّا، لتعذر العلم في الأمور المستقبلة، لما ثبت من أنها كانت تترتب الحروب في عهده صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده من الأئمة عليهم السلام برجوع جواباتهم أو رسلهم بالمخالفة، وذلك لا يفيد إلا ظناً، فصارت أدلة جواز القتل بالطريق الشرعية الظنية في تلك الجزئيات كالمخصصة لأدلة عموم تحريم الدماء والأموال، وقد ثبت في الأصول أنه يصح تخصيص القطعي العملي بالظني، ومنه تخصيص الكتاب بالسنة، لأنه نوع من الجمع بين الأدلة المقدم على الترجيح، وطرح أحد الدليلين، ومن هنا نصوا أنه يجوز امتثال أمر الحاكم بالحدود والقصاص، ويجب بأمر الإمام من غير أن يبحث الممتثل عن المستند ما لم يكن المأمور به ظاهراً يخالف ما يعلم الممتثل في الباطن اهـ كلام الإمام. وقد استوفيناه لما فيه من الفوائد العظيمة التي من أعظمها إقامة الدلالة على جواز متابعة العوام ومبايعتهم وجهادهم مع الأئمة، هذا وإن كان وافياً بالمراد، ولكنا سنـزيد المسألة أيضاحاً بإيراد كلام الإمام عزالدين uوإيراد كلام العلامة البكري قال الإمام عزالدين  uبعد إيراده لكلام قبل هذا: إذا تقرر هذا فمعلوم أن أكثر المعتزين إلى الأئمة القائلين بإمامتهم الممتثلين لأوامرهم ونواهيهم المترتبة على صحة الإمامة وثبوتها لم يقدموا على ذلك بنظر اقتضاه ولا بدليل أوصلهم إليه، بل ربما أن الجم الغفير منهم لا يعرفون معنى الإمامة وحقيقتها، فكيف بدقائق مسائلها وغوامضها الحائرة أفهام أرباب العقول، فكيف يحسن إقرار هؤلاء الجهلة على ذلك وعدم تنبيههم على ما هو اللائق من النظر الصحيح المطابق، ونظير ذلك ما عليه الأئمة عليهم السلام المتقدم منهم والمتأخر من أمر العامة بتسليم الحقوق إليهم دون أن يأمروهم بتقديم النظر في صحة إمامتهم، وأنْ ينهوهم على أنَّهم مأخوذون فيها بتحرير الأدلة وفهم السبب في ذلك والعلة، وليس لقائل أن يقول كثير من المسائل القطعية يصح فيها التقليد، لأنَّا نقول ذلك لا يصح إلاَّ فيما كان منها عملياً لا يترتب على علمي ومسائل الإمامة ولواحقها من اعتقاد إمامة إمام معين ووجوب طاعته وتسليم الحقوق إليه ما بين علمية وعملية تتوقف على العلم.

181 / 203
ع
En
A+
A-