وإن خالها تخفى على الناس تعلم

مع أن هذا النافي قد علم كماله الظاهر وبصر باشتماله بادي الرأي على المحامد والمفاخر لكن اطلع في خلال ذلك على العيوب، وانكشف له سرها المحجوب، فحينئذٍ صار فرضه رفضه ومجانبته واطراحه ومباينته ويكون لربه بذلك مرضياً ولما أوجبه عليه مؤدياً ولو عدل عن ذلك لكان مقتحماً للمهالك وسالكاً في أمر دينه أوعر المسالك، فإذا توضحت لك هذه القاعدة وقدرَّت قدر هذه الفائدة علمت إمكان حمل المثبت والنافي على السلامة ما لم يعلم من حاله أنه لم ينفِ الإمامة لأمر اطَّلع عليه، وإنَّما دعاه الهوى وتمحض إليه، أو يكون المثبت قد اطلع على الأمر الذي لأجله نفى النافي للإمامة فعلم أنه مما لا يبطل أحكامها العامة، ولم يكن اطلاع المثبت على ذلك إلا باعتراف النافي أو تعيينه لما نفى الإمامة لأجله، وأيضاً فعُلِمَ مما تقدم إمكان حمل النافي للمثبت على السلامة ما لم يعلم اطلاع المثبت على موجب النفي أو يشتهر ذلك الموجب بحيث يعلم أنه لا يخفى على مثل ذلك المثبت، هذا ولا شكّ أنَّ حَمْل المسلمين على السلامة ما أمكن في الدين حتم وفي الرأي حزم، وأنَّ المسارعة إلى التخطئة والتضليل والتفسيق والتجهيل ليس من شأن المحققين خاصة فيمن جمع بين المعرفة والديانة والصيانة والأمانة وعلى هذا ينزل ما كان من معاملة بعض السلف بعضاً المعاملة الحسنة بالمودة والتصافي مع اختلافهم في أئمة زمانهم، ومع بناءهم على أن المسألة قطعية.

فإن قلت: إنَّ حَمْل المثبت للنافي على السلامة يتجويز أن يكون قد اطلع من الإمام على ما يبطل إمامته يتضمن حمل الإمام على خلاف السلامة وهو بالحمل عليها أولى من النافي لفخامة شأنه عند المثبت وارتفاع مكانه وإذا لم يكن به من حمل على عدم السلامة، فالنافي له أولى من الإمام الذي لم يظهر منه للمثبت إلاَّ ما هو حسنٌ جميل.

قلت: لا نُسلِّم ما ذكرته من تردُّدِ الأمر بين حمل الإمام وحمل النافي على عدم السلامة، فيكون النافي له أولى، بل حملهما جميعاً عليها ممكن، واستصحاب الأصل في حقهما غير متعذر، لكون المخطيء منهما غير متعين، أما الإمام يجوِّز المثبت أن النافي نفى إمامته لا عن تحقيق لموجب النفي، بل لخيال فاسد أو لعدم تثبت في استعمال القواعد، فكم من نافٍ يقدح في الإمامة بما هو غير قادح، ويُبْطلها بما ليس بمبطل ولا جارح، وأمَّا النافي فيجوز في حقه أيضاً ما ذكرناه أولاً من كون نفيه عن تحقيق ووضوح مسلك له وطريق، فإنَّ اجتماع هذين التجويزين من الأمور الممكنة والقواعد المستحسنة، وحينئذ يرجع المثبت في كل من الإمام والنافي إلى ما هو الأصل من صحة الإسلام وصدق العدالة، ويستصحب الحال فيما يلزم لكل واحدٍ منهما من حق التعظيم والجلالة، وإن كان أحدهما مخطئاً في نفس الأمر لا محالة، إلاَّ أن بعدم تعيينه يبقى حكم كل منهما في حقهما على ما كان من قبل انتهى.

المراد من كلامه ولله دره فقد وفَّى بالمراد، وحقَّق المسألة وأوضحها غاية الإيضاح فصارت بهذا التحقيق أجلى من براح، وبهذا يقف شوط القلم في جواب هذا السؤال وصلى الله على سيدنا محمد وآله خير آل. النص على أن الإمامة في أهل البيت المسألة الرابعة

173 / 203
ع
En
A+
A-