الثالث: أن يكونَ لِشُبْهةٍ عرضت له بعد أنِ اجتهد في النظر، وأمعن في معرفة الحق، ولكنه ذهل عن النظر على الوجه الصحيح، فسلك مع طلبه لمسلك الحسن في منهج القبيح، فأما النوعان الأولان فلا شكّ في خطأ مَنْ كان على أيهما، سواءً فرضنا المسألة قطعية كما قدمناه أم لا، لا سيما مَنْ كابر وعاند وأظهر ما يعلم خلافه في نفس الأمر، فلا يبعد أن يكون من المتخذين لدين الله هزواً، ويكاد صاحب هذا النوع الثاني يلحق به وهو المقدم على ذلك مجازفة من غير روِّية ولا فكرة سويه بما يدل عليه حاله من عدم الإهتمام بالدين والتعويل على ملازمة الحق اليقين، وأما صاحب النوع الثالث فلا يتصور تخطئته إلاَّ على قاعدة أهل المذهب من كَوْنِ المسألة قطعية لا مجال للإجتهاد فيها، ونحن فرضنا هذه المذاكرة واردة على تلك القاعدة ولكنه على هذا التقرير خطاءه دون خطأ الأولين بمراحل ولعل له من الله عاذراً لأنه لم يألُ جهداً في معرفة الحق، ولكن قلَّ حظه وقعد به جده، وقد نص م بالله u على أن من كانت هذه صفته من نفي إمامة الإمام فلا ترد شهادته ولا تبطل عدالته.
فإن قلت: ما ذكرته من أن خطأ المثبت أن يكون إثباته مع علمه بعدم الكمال ومن خطأ النافي أن يكون نفيه للإمامة مع علمه بثبوتها كلام في حكم المتدافع، لأن مرجع الإثبات إلى اعتقاد كمال الداعي ومرجع النفي اعتقاد عدمه، فيكون مثبتاً عالماً بعدم الكمال ونافياً عالماً بالكمال، وفي ذلك اجتماع اعتقاد الشيء ونفيه وهو محال.
قلت: المراد بإثبات المثبت إظهار صحة الإمامة وموالاة الإمام ومتابعته ومناصرته، وذلك لا ينافي عدم الكمال، ولا يلزم اعتقاد صحة الإمامة وكذلك فالمراد بالنافي هو الذي يظهر عدم صحة الإمامة ويفتى به ويتسم بسمته من المباينة للداعي والمجانبة وعدم الملائمة والمصاحبة، وذلك لا يستلزم اعتقاد نقصان الداعي وعدم كمال الشرائط فيه، ولا ينافي معرفة كماله وجمعه لوظائف الصلاح وحاله، فارتفع الإشكال.
وأما القسم الأول: وهو أنْ يَكونَ المثبت والنافي مصيبين معاً بعد فرض المسألة قطعية والبناء على أن أدلتها معلومة يقينية، فهو ما يتبادر الأوهام إلى تعذره وامتناعه وعدم صحته وإمكانه، ولذلك بنا مثبتوا الإمامة في زماننا هذا على تخطئة النافي بل فسقه ولعنه واعتزال الصلاة خلفه، ولا يخطر ببال أحد منهم حمل النافي على السلامة فيما أقدم عليه بناء منهم على أنَّ سلامته من الخطأ مالا سبيل إليه، وإنْ عَلِموا من حال النافي تحفظه في الديانة وتمسكه فيما كُلّفه بأمانة، وكذلك فنفاة الإمامة لا يكادون يحملون المثبتين لها على السلامة، وإنْ كان تحاملهم أهون وعريكتهم ألين، وإذا أثبتنا إمكان إصابة المثبت والنافي معاً انهدمت القاعدة واتضح لك عظيم هذه الفائدة وتبين لك أن أكثر الناس عار عن التحقيق غير سالك ثنيات الطريق قد استعبدته العصبية واستهوته الحمية، وعند أن يتلقى ما ألقيته بالقبول ويعرض على ما تسترجحه العقول، ويُؤكده المنقول تزول بحمد الله الشحناء بين الفريقين وتكون هذه النكتة لمتوخي الإصابة في هذه المسألة فرض عين، ويرجعون إنْ شاء الله إخواناً، ويكونون على الحق أعواناً وبيان إصابة النافي والمثبت معاً بأن نقول: لا مانع من أن يكون مدعي الإمامة كامل الشرائط في الظاهر، جامعاً لها محيطاً بأنواعها وأقسامها، ويكون مع ذلك منطوياً في باطن الأمر على أمر تختل به الإمامة وتبطل معه أحكام الزعامة من قلة ورع أو كثرة طمع أو كذب في الأخبار أو نقض للعهود الكبار أو ارتشاء في الأحكام أو هدم شيء من قواعد شرع الإسلام أو ارتكاب لمحظور أو تهور في نوع من المحذور أو عدم إصابة في كثير من الآراء، أو اعتماد في تصرفاته للأهواء أو غير ذلك من أنواع الإختلال التي فرضها ليس من قبيل المحال، ولكنه مع ذلك كثير التصنع والتستر مبالغ في عدم التضمخ بذلك رأي العين والتظهر، فلما اختبره المثبت لم يبن له إلا محاسنه الظاهرة وأوصافه الحسنة المتكاثرة، فحينئذ امتثل ما يلزمه من مبايعته ومتابعته وطاعته ومناصرته، ولو عدل عن ذلك لكان آثماً ولقاعدة الدين هادماً، فلا شك أن الصواب في حقه الإثبات والإتباع والطاعة والإستماع، ولكن ليس بعصمة ذلك الإمام ومطابقة ظاهره لباطنه لأن العصمة مرتفعة وطرق التجويز كثيرة متسعة، إلا أن فرضه الحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر، وأما النافي لإمامته فإنه لما اختبره حق الخبرة، وأمعن النظر في تبطن أحواله وتبطن وظائفه وخلاله اطلع منه على بعض هفواته ونوع من عثراته القاضية بعدم صحة دعواه وقلة نفعه فيما ترشح له وجدواه:
ومهما تكن عند امريء من خليقة