أمَّا ما أشار إليه السائل أنَّ هذا الموقف من العلماء يفتح ثغرات لمهاجمة وانتقاد نظرية الإمامة عند الزيدية حيث التناقض بين الواقع والنظرية، اهـ.
أقول: أنَّ الْمُعْتبر هو الدليل، وقد قام على وجوب نصب الإمام وعلى اعتبار الشروط التي اشترطها الزيدية، وهي معتبرة عند أكثر الفقهاء إلا المنصب فاشترطت الزيدية فقط أن يكون الإمام من أولاد السبطين كما لا يخفى، وليس التعارض بين الأئمة واقعاً من جهة اختلال النظرية ولا لضعف قاعدتها، فهي ثابتة الأركان لِقُوة دليلها الذي هو الأصل لرسوخ القاعدة واختلاف الأنظار في التطبيق لا يضر القاعدة، لأن كل طرف من العلماء والقائمين مع أحد المتعارضين إنَّما غَرَضه مطابقة الأوامر الإلهية، فنظر في أحوال الداعي ونظر في أحوال معارضه، فإذا أدَّاه اجتهاده إلى كمال أحد الداعيين لِمُرجِّحات نظرية واعتبارات شرعية، فهذا فرضه، ولم يمس ذلك بأصل القاعدة، وكذلك كل واحد من المتعارضين يعتقد كمال نفسه وقصور معارضه فهو مجتهد في تطبيق القاعدة.
والخلاصة أنَّ التعارُّض إنما هو في أن أحد المتعارضين جامع للشروط حائز لها بكمالها، وأنَّ مُعارضه قاصر عن إدراكها، والمعنى هل انطبقت الشروط وكملت أو أن هناك نقصاً، ألا ترى أنَّ الإمام القاسم بن محمد u لما وصل في الواديين بعد دعوة المتوكل على الله عبد الله بن علي أبو علامة uأنَّه اعترف له بالسبق والكمال لولا هفوة عدَّها عليه وطلبه الخروج منها، فاعتقد الإمام القاسم uأن تلك الهناة مبطلة لإمامة المتوكل على الله، وهو لم يقر له بها، ولم يُقِرْ بِبُطلان إمامته فبقي على دعوته وعارضه الإمام القاسم عليه السلام.
فالقاعدة التي هي شروط الإمامة مستقيمة، والتطبيق مستقيم وليس التطبيق معارضاً للنظرية ولا تخالف بينهما، بل الواقع يصحح النظرية.
وأما قولكم: يفتح ثغرات للآخرين... إلـخ، فلا عِبْرة باعتراض معترض ولا تشنيع مباهت، بل العبرة موافقة الحق وربط المسائل بالدليل، وإن شنَّع من شنَّع، ]ومَا أكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِيْنَ[ [يوسف/103]، فتلك شكاة ظاهر عنك عارها، ولن يضر الباهت إلاَّ نفسه، ومع التحقيق والتأمل فالمعارضة بين الأئمة إنما هي في طلب الحق والإجتهاد في رضاء الله ومطابقة مُرَاده وفي تحصيل الأصلح للأمة فهي منقبةٌ لهم، وإنَّما المذموم والممقوت هو المعارضة والمكالبة على الْمُلك والترأس على الأمة بغير حق كتناحر خلفاء بني العباس بين مقتول ومسموم، وبين مخلوع ومعزول لطلب الملك الزائل الحقير، ولجمع حطام الدنيا اليسير نسأل الله السلامة والإستقامة.