وتعقبه القاضي العلامة أحمد بن بحيى حابس رحمه الله بقوله قلت: وقد قدمنا من كلام السيد صارم الدين رحمه الله والتفريع عليه ما يشعر في المتعاديين المتحاربين بأنَّهُ إذا حصل مُرجِّحٌ للدخول مع أحدهما، والآخر معروفٌ بحسن الصفات قديماً وحديثاً لم تَجُزْ مُعاداته بالقلب بل يتولاه استصحاباً للحالة الأولى كما قررنا، وإنْ حاربناه مع المعارض له بذلك المرجح فهو أمر خارجي تعبدنا به كما يتعبد العوام بحرب الباطنية مع عدم الطريق لهم إلى اعتقاد كفرهم، كما نتعبد بإقامة الحد على فاسق الزنا ونحوه عند إلزام الحاكم مع عدم صحة اعتقاد فسقه، لعدم تيقن ذلك، وغاية ما يعتقد الداخل مع أحد الإمامين لمرجح والحال كما ذكرنا اعتقاد وخطأ الآخر خطأً قطعياً معذوراً فيه، وإن حارب وقاتل وقتل، إلى أن قال: وأما إذا التبس الحال من كل وجه بعد إبلاغ الجهد في البحث والنظر فيمن هو أرجح فلم يوجد مرجح توليناهما، ووجب علينا الكف عن المحاربة مع كل واحد منهما، ونعتقد أنَّ واحداً منهما مخطىءٌ خَطأً قطعياً معذرواً فيه ولا يفسق لكن لا يبعد وجوب معاودة البحث والنظر في الأرجح عند حصول التجويز لوجود المرجح لأحدهما، وظاهر كلام الإمام عزالدين uأنَّا في هذه الحالة نكف عن الموالاة كما نكف عن المحاربة، وأنَّهُ إذا حصل الْمُرجِّح للدخول مع أحد الإمامينِ وجبَ اعتقاد إمامته، وأن المعارض باغٍ عليه فاسق غير معذور ولا يستصحب فيه الحالة الأولى، ويجب علينا مُعاداته والتبريء منه وإن كان حسن الصفات قديماً وحديثاً والله أعلم.
انتهى تعارض الأئمة المسألة الثالثة
قال السائل أرشده الله وسدَّدهُ: اقتصرتِ المصادر الزيدية عند التعرض لمسألة تعارض الأئمة على ذكر الأئمة المتعارضين في كل عصر ومصر بأسمائهم وألقابهم دون أي ذكر أو تفصيل لأسباب ودواعي التعارض أو ترجيح إمامة أحدهما على الآخر أو أي حكم بالخطأ أو التفسيق أو التكفير، وجل ما فعله العلماء الذين ناقشوا هذا الموضوع أن فريقاً منهم رجَّح حمل الطرفين على السلامة، والقسم الثاني رجَّح بأنَّ أحد الطرفين هالك لا محالة، ولكن مع هذا لم يحدد مَنْ مِن المتعارضين هو الهالك ما تعليقكم على ذلك ألا تعتقدون أن في ذلك نوع من الإرجاء الذي انتقده أصحاب المذهب على غيرهم وإلاَّ تعتقدون أن ذلك يعطي الآخرين ثغرات لمهاجمة وانتقاد نظرية الإمامة عند الزيدية حيث التناقض بين الواقع والنظرية اهـ؟
الجواب والله الهادي: أنَّ قول السائل اقتصرت المصادر... إلـخ ما كان يحسن الإطلاق لأن كثيراً من السير العامة والخاصة قد صرَّحت ببعض الأسباب، وليس الإشكال في بيان السبب ونقله وإنما الإشكال كما أشار السائل في الحكم بتصحيح إمامة أحد المتعارضين على التعيين وإبطال إمامة الآخر، والمسئلة قطعية، فينتج أن الآخر باغٍ ومخطٍ وللإلتباس كان الحكم ما تقدم من الحمل على السلامة، وأنَّ الإمام في علم الله أحد المتعارضين، إنْ كانا قد جمعا شروط الإمامة فأحدهما هو الإمام، والآخر ليس بإمام، والذي يظهر أن هذا إنَّما هو قول من لم يعاصر تلك الأحداث، أما العلماء المعاصرون فإنهم يُناصرون ويتابعون أحد المتعارضين، ويجزم فريق بإمامة أحدهم والآخرون بإمامة الآخر، وكل فريق يجزم بإمامة مَنْ تابَعَهُ، ويحكم على المعارض بالبغي، وهذا هو الإشكال الذي حارت فيه الألباب، وقد قدَّمْنا ما فيه مَقْنع، فمن كان من أولئك الأئمة وهو موصوف بالخير مشهودٌ له بالصلاح، جامعٌ للشروط، داعٍ إلى إحياء الشريعة الإسلامية، رافعٌ لمنار الإسلام، آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر غير مائل إلى الدنيا، ولا ناظر إلى حطامها، ولم يخرج بطراً، ولم يقصد الترفع بالأمر والنهي إرضاء لنفسه، بل مخرجه إرضاء لربه، وغضباً لخالقه، ولم يتجرأ على الله بالمعارضة، وبحيث لو عَلَم أن معارضه أولى لنـزل عند حكم الله وسلم الأمر طلباً لوجه الله، فأَخلِق بِمَنْ كانت هذه صفته أن يكون معذوراً عند الله، وهذه الأوصاف موجودة في أكثر المتعارضين فهم بحمد الله كما وصفنا وفوق ذلك، ألا ترى إلى ما حُكِيَ أنَّ الإمام شرف الدين بن شمس الدين u لما بلغته وصية الإمام مجدالدين بن الحسن u قال ما معناه: لو علمت أن مجدالدين بهذه الصفة لما عارضته، ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ]ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيْمَا اخْطَأْتُمْ بِهِ[ الآية [الأحزاب/5]، لأنَّهُم لم يتجرأوا على الله، وشروط البغي معروفة، ولم يتحقق في المتعارضين من الأئمة، فكيف يحكم ببغي من لم تنطبق عليه شروط البغي.
أمَّا ما أشار إليه السائل من أنَّ الحمل على السلامة نوع من الإرجاء، إلخ فنقول: ليس ذلك بإرجاء، لأن الإرجاء الحقيقي هو التأخير قال الله تعالى: ]أَرْجِهِ وأخَاهُ[ [الأعراف/111]، والمرجئة الحقيقيون هم من قال: إن العاصي موقوف تحت مشيئة الله إنْ شاء عذَّبَه وإنْ شاء غفر له، وليس كذلك حكم المتعارضين، بل قد قطعنا بسلامة المحق وخطأ المخطي خطا معذوراً فيه، إلاَّ أنَّ المخطي غير متعين لالتباس الأمر علينا، فحكمنا لهم بالحمل على السلامة لِعَدم التجري والإقدام على المعصية عمداً، وليس قولنا كقول الحشوية أنَّ معاوية اجتهد فأخطأ، لأن معاوية علم الحق وخالفه عمداً وعصى ربه جهراً، وخالف الدليل القاطع فلا يصح الإجتهاد مع مخالفة الدليل تعمداً وجرأة فافترقتِ الحال.