قال القاضي العلامة أحمد بن يحيى حابس رحمه الله قلت: ولقد أحسن السيد رحمه الله في الجواب وأتى فيه بالغاية القصوى من الصواب، وتحقيقه أنَّ الإمامة وإن كانت قطعية مقتضية لكون المخالف مخطأً خطأً محكوماً عليه في كونه فسقاً وبغياً، فإن الواجب علينا أن نعمل النظر في شأن المتخالفين، فإنْ عرفنا أصالة دين كل واحد منهما قبل المعارضة، ووجدنا كل واحد منهما بعد المعارضة لا يقصد بعمله إلاَّ رضاء الله دون الأثرة ومحبة الإنفراد بالأمر وشهود ذلك لا تخفى مع كمال كل منهما في شروط الإمامة عند نفسه والتبس علينا الحال بعد ذلك من كل وجه، كان الملائم لمقاصد الشرع حسن الظن بالجميع بعد المعارضة استصحاباً لحالتهم الأولى قبلها لعدم المخصص والمخرج لهما من دائرة التولي، إذ لا نجد أمراً نقطع بكونه معصية في حق كل واحد منهما يخرجهما معاً إلى دائرة المعاداة، إذ أحدهما مصيب في نفس الأمر قطعاً، ولا نخرج أحدهما معيناً إلى المعاداة لجهل ذلك، ونحن من إيمانه على يقين، فلم يبقَ إلاَّ أن الواجب البقاء على توليهما معاً، وإن كان أحدهما في نفس الأمر مخطياً خطاءً قطعياً، فعِلْمه عند الله، ولا يبعد أن يكون معذوراً، لأنه خارج عن التعمد والجرأة، ولو أفضت المخالفة إلى الحرب وحصل لشخص مرجح الدخول مع أحدهما وحارب الداخل معه الإمام الآخر وقاتل وقتل لم يتغير ذلك الحكم بالعقيدة حتى في عقيدة هذا الداخل مع أحد الإمامين للمرجح الذي ذكرنا.

قلت: وقريبٌ من هذا قرَّرَ الإمام المهدي محمد بن القاسم الحوثي u كما يأتي نقل كلامه عدنا إلى بقية كلام القاضي رحمه الله.

قال: وهذا كله لا مرية فيه مع موافقة الجميع في العقائد في الإمامة وأركانها وشروطها وما يتعلق بها، وأما مع مخالفة المذهب والعقيدة كأنْ يقوم إمام غير فاطمي اعتقاداً منه بصحة الإمامة في غير الفاطميين مع إمام فاطمي، فحيث كان شأنهما كما ذكرنا والتبس الحال من كل وجه، ثم التبس علينا هل أقدم غير الفاطمي عمداً وقد أقيمت عليه الحجة وعرف البرهان، فهو مجتر فاسق منتظم في سلك أهل العصيان، أو أقدم قبل إقامة الحجة عليه، فإنه يكون مخطئاً خطأً قطعياً لا يفسق به، فإن عرفنا من أحدهما شواهد البغي حسب ما قرر الشرع كالدعاء مع كمال الشروط أو مع كمالها في نفسه مع سبق الكامل وإجابته وعدم خموله وانزوائه سيما مع تقارب الأقطار خاصة في بلد الإمام الأول فلا مرية أن ذلك بغي وفساد وظلمٌ وعنادٌ وخروجٌ عن الدين ودخولٌ في زمرة المعتدين وانخراطٌ في أسلوب الفسقة المفسدين، وقد ذكر الإمام عزالدين  uفي جواب ذلك السؤال كلاماً جيداً ولله دره.

قال عليه السلام: لا يجوز اعتقاد إمامة المتعارضين وحملهم على السلامة من دون معرفة جمعهم للشروط بل عن نظر واستدلال وتحقيق، فإن الإعتقاد الذي هو على هذه الصفة يجوز كونه اعتقاد جهل والجهل قبيح، والإقدام على مالا يؤمن قبحه كالإقدام على القبيح، ولا يتوجه ذلك الإعتقاد إلا مع تواتر الكمال وحصول شرائط الإمامة والسيرة المرضية، ومهما لم يحصل ذلك فلا ينبغي أن يعتقد فيهما الخطأ ولا النقصان ولا عدم الكمال، إذ لا طريق إليه، ولأنَّ الْحَمْل على السلامة وهو أن لا يظن أنهم ترشَّحوا لهذا الأمر مع عدم كمالهم، بل يتوجه أن يظن فيهم الخير وللعوام في ذلك تقليد العلماء، ومعلوم أنَّ من الأئمة عليهم السلام مَنْ هو مذكور وحاله في الفضل والكمال ومحاسن الخلال مشهور، فلا يخفى على أحدٍ صِحَّة إمامته وكماله وفضله وإحرازه للشرائط وإحاطته بالأوصاف الحسنة، وكون سريرته مرضية، ومنهم عليهم السلام مَنْ أمره خافٍ عن بعض المميزين بل كثير من دعاة أهل البيت يخفى أمره على بعض المبرزين، فقد كان منهم في جهات الأندلس وغيرها من لم تبلغ أحداً دعوته.

وأمَّا ما يكلف به في حق الأئمة المتعارضين السابقين مع تواليهم أو تعاديهم فنقول: أول ما نشأت المعارضة في زمن الهادي والناصر عليهما السلام وكانا متباعدي الأقطار متناءي الديار والمزار وحالتهما في الفضل والكمال لا تنكر بحال، وحبذا ما كان بصفة تعارضهما، فلا شك أنهما مصيبان، وإمامتهما معاً في الصحة على هذه الكيفية مما لا إشكال فيه ولا تفتقر إلى بيِّنَةٍ، وأما إذا  تقَارَبَ المتعارضان وتنازعا وتحاربا فلا يتصور أن يكونا مُحِقَّين معاً، بل أكثر ما يتهيأ أن يكون أحدهما فقط محقاً، ويكون الآخر باغياً عليه وخارجاً عن ولاية الله تعالى إلى عداوته، فلا إمامة مع البغي، وأما حيث تقاربتْ دارهما ولم يتشاجرا ولا تحاربا، وكان كل واحد منهما حسن المجاملة والمعاملة للآخر وهما متواليين غير متعاديين، فالذي تقتضيه القواعد أن الإمام ليس إلا أحدهما والآخر ليس بإمام إلى أن قال: وهذا على سبيل الإجمال، وأما التفصيل فهو أنْ يثبت لنا طريق إلى كون أحد المتعارضين بعينه هو الإمام، ويكون الآخر بصفة الباغي عليه، وثبت لنا طريق إلى أنَّ أحد المتواليين بعينه كامل الشروط صحيح الدعوة ثابت الإمامة، وأنه الفائز بذلك والحائز له دون صاحبه، دِنَّا بذلك واعتقدناه في الصورتين معاً، وإن لم تستقم تلك القاعدة ففرضنا في المتواليين المعروفين بِحُسْن الصفات والأحوال توليهم معاً والترحم عليهم وحسن الظن بهم، وأن نقول في المتعاديين: ]تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْألونَ عمَّا كانُوا يَعْمَلُوْنَ[ [البقرة/134].

167 / 203
ع
En
A+
A-