وأما قول السائل: هل يجوز؟
فنقول: أنَّ اعتقاد أولئك العلماء لِصحة احتساب الأمير قد أدَّاهم إلى ذلك اجتهادهم وهم أهل النظر والإجتهاد، ولا يكون منهم ذلك إلاَّ وقد صح لهم عدم صحة إمامة الداعي وليسوا مكلفين باجتهاد غيرهم، ففرضهم هو العمل بما صح لهم وليس هذا الإجتهاد في المسئلة القطعية التي هي وجوب نصب الإمام، أو في صحة إمامة المقلد، وإنما هو في هل توفرت الشروط في الداعي أم لا؟ ومع اجتهادهم في عدمها جاز لهم نصب المحتسب، فإن قلت: ظاهر كلامك أنك تحملهم على السلامة؟ قلت: نعم، لأنهم لم يتجرأوا على الله، ولا عارضوا ذلك الإمام عناداً ولا بغياً، وإنما قصدوا رفْعَ منَار الإسلام والفَتْك بأعداء الله الطغام، ولما دعى الإمام المهدي أحمد بن الحسين uوصحت إمامته لِعُلَماء زمانه ومنهم الفقيه حميد تابع وبايع وناصر وعاضد وجاهد حتى استشهد في نصر إمام زمانه، وقام بما أوجبه الله عليه.
وإذ قد تكلمنا بما سبق فلا بُدّ من التحقيق، فالمسئلة تحتاج إلى الإيضاح والبيان وإبراز خفاياها بالتعليل والبرهان، لأنها مِمَّا حارتْ فيها ألباب النَّظار ولم يتعرض للبحث فيها إلاَّ النحارير الكبار، وقد رأيت أن أُلَخِّصَ مَبْحثاً يليق بالموضوع يتحقق به جواب السؤال السابق، ويتقيد به مطلقات الجواب اللاحق ولا يتم ذلك إلاَّ بإيراد بعض كلام السيد الإمام علامة الآل إبراهيم بن محمد الوزير ومن كلام الإمام الهادي إلى الحق عزالدين بن الحسن ومن كلام القاضي العلامة: أحمد بن يحيى حابس رضوان الله عليهم، فكلامهم في هذا يشفي الآوام ويزيل أدواء السقام، والمراد به جواب السؤال عما نقطع به من الأحكام في المتعارضين من الأئمة عليهم السلام فنقول: ذكر العلامة صارم الدين أن المتعارضين إنْ كانوا أو بعضهم من غير أهل البيت عليهم السلام كخلفاء الدولتين فلا شكَ في ضلالهم، لما ارتكبوه من سَفْكِ الدِّماء وأخْذِ الأموال بغير حقها وصرفِها في غير مواضعها، وهؤلاء فُسَّاق، وإنْ لم يعارِضْهم أحدٌ من العترة، ولا يُسْتَثنى من هذه القضية إلاَّ المشائخ الثلاثة، ثم عمر بن عبد العزيز لما علم من تشميرهم لما يرضي الله، ودفعهم المضار عن حوزة الإسلام، وبعدهم من الأثرة وإيصالهم الحقوق إلى أهلها.
قال الإمام عزالدين عليه السّلام: ومَنْ كان مثلهم ليس بإمام، وإنما هو سلطان عادل مخطيء بترشيحه لهذا الأمر، وكلام أهل البيت فيهم معروف، فمنهم المبالغ في التأثيم والتخطية، ومنهم السالك سبيل التولي والترضية، وأما إذا كان المتعارضون من أهل البيت فإن كانوا كما ذكرنا من خلفاء الدولتين فحكمهم حكمهم ولا إشكال في ذلك، وإن كان المتعارضون من العترة من ذوي الفضل والصلاح المعلوم من حالهم قبل التعارض وبعده مع مراعاتهم عند المعارضة ما تقتضيه القواعد الشرعية، والقيام بفريضة الجهاد وقمع ذوي العناد والأخذ على أيدي ذي الفساد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب قدرتهم واستطاعتهم، بحيث يعلم من قصدهم أنه لا حامل لهم على التورط في حبائل الأمر والنهي إلاَّ وجوب ذلك عنده وقيام الحجة بوجود الناصر وكماله عند نفسه، وبحيث يعلم من حاله أنه لو علم أنَّ مُعارضه أكمل منه وأنهض بتحمل أعباء الإمامة لَتَرَكَ معارضته واعتقد إمامته، وكان له أطوع من النعل وأتبع من الظل، فهذا مقام رجع فيه طرف النظر حسيراً، وآض جناح الفكر كسيراً، تعارضت فيه أقوال الراسخين.
إلى قوله: والذي نَدِين الله به ونعتقده سواء قلنا مسئلة الإمامة قطعية جملة وتفصيلاً أو جملة من دون تفصيل هو استصحاب حالهم الأول التي كانوا عليها قبل المعارضة، ونقطع بفضلهم وصلاحهم وندعوا لهم بالمغفرة والرحمة والمسامحة مع براءتنا من كل أمر معلوم متأولين فيه مخالفة الشريعة المطهرة، وقد ذكر علمائنا في الأصول في باب (الإستصحاب) أن الأصل البقاء على الحال الأول حتى يعلم مغيره إن كان عِلْمياً أو نظن إن كان ظنياً، فاستصحاب حالهم الأول حتى يعلم مغيره والمسارعة إلى تفسيق من هذه صفته زيغ شديد، وظلال بعيد، والخطأ في الكف عن التكفير والتفسيق خير من الخطأ فيهما كما يعلم ذلك أهل العمل والتحري والأخذ في الدين بالأحوط، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأنصار أن يُحْسن إلى محسنهم، ويُكف ويتجاوز عن مسيئهم، وإجراء هذه القضية في عترته أولى وأحرى، وفقنا الله لطاعته، هذا ما نراه والله أعلم.