الجواب والله الهادي: أن المصنف رحمه الله قد جَوَّد مؤلفه بقدر استطاعته، ولم يُكلِّفِ الله نفساً إلاَّ وسعها، على أن كل مؤلف يؤلف على ما يهواه ليس على ما يهوى غيره غالباً، وكل مَنْ ألف فقد استهدف، ومناهج التأليف تختلف باختلاف العصور والبيئات والقدرة، فمُؤَلَّف السيد/ أحمد الشرفي رحمه الله كغيره من المؤلفات فيه ما يُمَيِّزُه عن غيره، وفيه ما هو مماثل لغيره، وفيه ما ينقد عليه، وكل كلام يؤخذ منه ويترك إلاَّ كلام المعصوم، والْمُؤلِّفُون إنَّما يؤلِّفُون لاختراعٍ معدوم أوجمع مفترق، أو تكميل ناقص أوتفصيل مُجْمل، أوتهذيب مطول أو ترتيب مخلط أو تعيين مُبْهم، أو نص على خطأ ورده إلى صواب، فهو رحمه الله قد جمع بعض المفترقات، وكمَّلَ بعض الناقصات، وفصَّل بعض المجملات، ورتَّبَ بعض المخلطات، وعيَّن كثيراً من الْمُبْهمات إلى غير ذلك من المحسنات، وإن وقع بعض تقصير في تراجم بعض الأئمة أووقع في خطأ فهو من البشر الذين يجوز عليهم الخطأ، والكمال لمن له الكمال، وكلها تغتفر في جنب محاسنه، فجزاه الله خير الجزاء ورحمة الله عليه الأولى بالامامة المسألة الثانية
قال السائل: كما يُعْلَم من كُتُبِ التاريخ أن الإمام المعتضد يحيى بن الْمُحسِّن المتوفي سنة 636هـ تعارض مع الأمير عزالدين محمد بن المنصور بالله، والسؤال هو: لماذا سَانَدَ العلماء الكبار مثل الفقيه حميد المحلي وأبي الفتح الصنعاني وعمران بن الحسن الشتوي، الأمير عزالدين محمد بن المنصور رغم أن المعتضد كان الأولى بالمساندة على مقتضى شروط الإمامة في المذهب، وقد أخذت البيعة للناصر وهو غائب في كنن هل يـجوز ذلك؟ انتهى.
الجواب والله الموفق: أنَّ الأمر كما ذكرتم من أنَّ الجامع للشروط هو الأولى بالمتابعة وبالنصرة، ومُقْتضى المذهب أنَّ الْمُحتسب لا يجوز قيامهُ مع وجود الإمام الجامع لشروط الإمامة، ومن المعلوم أن أولئك العلماء الذين ذكرتموهم من عيون الزيدية في زمنهم، وأنهم من العلم والعمل والدين المرضي في أرفع محل، ولا شكّ في بُلُوغ الإمام الداعي يحيى بن المحسن u درجة الإمامة واستحقاقه للزعامة، كيف وقد شهد له المنصور بالله عبد الله بن حمزة uبذلك، وردد المعتضد تلك الشهادة في أشعاره وأقواله، فلا بُدَّ من محمل وتأويل لأولئك الجهابذة ومن اتَّبعهم من أهل زمانهم الذين شهدوا تلك الأحداث وناصروا وعاضدوا الأمير محمد، وكذلك لا بُدّ من تأويل واحتمال للأمير محمد، فإنَّ سِيرته مرضية لولا الدخول في المعارضة فنقول: إنَّ أولئك العلماء عرفوا من ثبات الأمير ورباطة جأشه وحُسْنِ طَوِيته وعدالته وحُسْن تدبيره وبصيرته ما ظنوا به نصرة الإسلام وكَبْت أعدائه، ولا سيما والقبائل والجيوش والجحافل كانت منقادة لأبيه والدولة ورسومها ومعالمها مستقيمة بعد الإمام المنصور بالله، فإذا خلفه ولده استقام الأمر على الوجه المطلوب الذي هو مراد الشارع، وفي نصب إمام آخر تفلَّت الأمور المنتظمة ويتطلب ذلك إلى بناء الدولة من جديد، فهذا من أحسن المحامل، ألا ترى إلى ما صنعه القاضي العلامة سلطان العلماء عبد الله بن حسن الدَّوَاري بعد موت الإمام صلاح الدين وصل إلى صنعاء ومعه جمهور من العلماء فاجتهدوا أن ينصبوا علي بن صلاح وبقية العلماء أمثال المهدي أحمد بن يحيى وابن أبي الفضائل وغيرهما من العلماء رأوا خلاف ذلك، وكان في رأي الدواري ومن معه من السداد ما قاله الإمام عزالدين uبقوله: قلت والذي يظهر لنا والله يحب الإنصاف أنَّ فراستهم فيه صدقت، وأنَّه بلغ في أحكام السياسة وأحكام الرياسة والإستقلال بالنظر في الأمور وحسن المباشرة لها مبلغاً عظيماً لا مطمح وراءه.
قال: ولقد كان له من العناية الجليلة في المقامات الجميلة في حرب سلاطين اليمن ونكاية الإسماعيلية وإجلائهم من المعاقل العظيمة وغيرهم من الظلمة ما لم يكن لأحدٍ غيره، انتهى.
ولما احتضر القاضي عبد الله الدواري ذكَّره بعض الحاضرين هذه القضية ليتوب منها فقال: والله إنها لأرجى عملي، وما قصدت بها إلا نصر الإسلام هذا لفظه أو معناه، وقد يكون لهم محمل آخر، وهو أنه لم يصح لهم تكامل الشروط في الداعي، أو صح لهم اختلال شرط غير العلم كالتدبير ونحوه أو عدم الأنهضية، وصح لهم أنَّ الأمير أنهض وأقوى، ولا يصح احتمال أنهم لا يرون الإجتهاد من شروط الإمامة، لأن مؤلفات الفقيه حميد كالعمدة والوسيط موجودة لدينا ولدى غيرنا، وهو يشترط ذلك.