الفرع الخامس: ما ذكرناه من وجوب تقديم البول قبل الاغتسال من الجنابة، إنما يكون شرطاً في حق الرجال، فأما في حق النساء فلا يكون شرطاً لأن مخرج الحيض والمني في حقهن غير مخرج البول كما وصفناه من قبل، فلا يحصل لهن في تقديم البول استنزال بقية المني لما كان المخرجان مختلفين.
قال السيد أبو العباس: فإن بال ثم خرج مَنيٌّ بعد الغسل فإنه لا يلزمه [إعادة]الغسل إلا باستحداث شهوة، لأنه ليس بمني. وهذا يلائم ما ذكره الهادي في (الإحكام)، فأما اختياره لنفسه فقد قررناه فيما تقدم أنه موجب للغسل واخترناه وهو رأي الشافعي.
قال أبو حنيفة ومحمد: إذا جامع الرجل واغتسل من ساعته قبل أن يبول ثم خرج بقية المني فعليه الغسل لأنه من آثار المني الأول.
قال أبو يوسف: لا غسل عليه.
وحكي أيضاً: أنه لو احتلم الرجل فأمسك على ذكره فلم يخرج منيه على الفور ثم خرج بعدما سكنت شهوته، ففي قول أبي حنيفة ومحمد: عليه الغسل كما لو خرج على الفور.
قال أبو يوسف: لا غسل عليه.
قال الشافعي وزفر: يجب عليه الغسل متى خرج بال أو لم يبل.
قال أبو يوسف ومالك: ليس عليه غسل بال أو لم يبل. وقد قدمنا الكلام في هذه المسألة وذكرنا المختار من ذلك والانتصار لما ذكرناه فأغنى عن الإعادة. والله الموفق.
الفرع السادس: إذا لَفَّ على ذكره خرقة ثم أولجه في فرج امرأته ولم ينزل الماء فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه محكية عن أصحاب الشافعي:
أحدها: أنه لا يجب عليهما غسل لأن كل ما أوجب الطهارة عندهم من الملامسة من غير حائل فإنه لا يوجبها مع الحائل كالطهارة الصغرى.
وثانيها: أنه يجب عليهما الغسل لأنه يسمى مولجاً كما لو كان من غير حائل.
وثالثها: أنه إذا كانت الخرقة رقيقة وجب عليهما الغسل لأن وجودها كعدمها وإن كانت صفيقة لم يجب عليهما الغسل.
والمختار عندنا على المذهب: وجوب الغسل عليهما جميعاً لقوله : ((إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل))، ولم يفصل بين أن يكون هناك حائل أو لم يكن. وإذا قلنا بوجوب الغسل عليهما فهل يكونان جنبين(1)
محدثين فيتوجه عليهما الوضوء والغسل جميعاً أو يكونان جنباً من غير حدث فلا يجب عليهما إلا الغسل لا غير؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنهما يكونان جنباً من غير حدث، وهو محكي عن الشيخ أبي حامد الإسفرائيني منهم، لأنه يقال له جنب ولا يقال له محدث.
وثانيهما: أنهما يكونان جنبين محدثين وهذا هو المحكي عن الشيخ أبي الطيب الطبري، وهذا هو الذي نختاره للمذهب من جهة أن الحدث يكون بخروج الخارج من السبيلين، وا لجنابة تكون بخروج المني فاجتمع فيه العلتان، ولأنه إذا وجب الغسل استحال بقاء الطهارة الصغرى. وثمرة الخلاف في المسألة: هو أن كل من أوجب الوضوء والغسل لكونه جنباً محدثاً فإنه يوجب الوضوء مرتباً، ومن قال بأنه لا يجب الوضوء، لكونه جنباً غير محدث فإنه لا يجب عليه الوضوء بحال.
__________
(1) هكذا في الأصل هنا، وردت (جنباً) في صيغة المثنى وهي في الجملة التي تليها مفردة. وعلى اعتبار أنها إسم للجنس فإنها لا تثنى ولا تجمع كما جاء في القرءان الكريم: {وإن كنتم جنباً فاطهروا}. وفي القاموس: (.. وهو جنب يستوي للواحد والجمع، أو يقال: جنبان و أجناب). إ.ه. بلفظه.
الفرع السابع: وإذا قلنا بأن الرجل إذا أولج ذكره مع الحائل فإنه يكون جنباً من جهة أن الختانين قد التقيا وذلك موجب للغسل كما مر شرحه، ويكون محدثاً أيضاً من جهة أن الإيلاج مظنة الحدث وإن لم يحدث كما أن النوم مظنة بخروج الناقض وكما أن الخلوة مظنة لشغل الرحم، وإن لم يكن هناك وطء فلما كان الشرع يقيم مظنة الشيء مقامه لا جرم كان الإيلاج قائماً مقام خروج الخارج، فلأجل ذلك كان موجباً للوضوء. وإذا كان الرجل جنباً محدثاً بأن جامع فأنزل أو احتلم فأنزل أو أولج ذكره من غير إنزال فقد وجب عليه الوضوء والغسل جميعاً، فهل يجزيه الغسل فقط عن الوضوء أو لا بد من الوضوء؟ فيه كلام نستوفيه في واجبات الغسل وصفته بمعونة اللّه تعالى.
مسألة: قال الإمام القاسم، في ثلاثة(1)
أنفس في بيت واحد، جنب وحائض وميت، وهناك ماء في كوز ولا يقدر(2)
على غيره. الأحق بالماء من كفاه، ومن لم يكفه فالتيمم بالصعيد الطيب، فإن كان يكفي كل واحد منهم على الإنفراد ولا يكفي جماعتهم فالحائض أحق به.
واعلم أن هذه المسألة قد اشتملت على فروع خمسة نذكرها ونفصلها بمعونة اللّه تعالى:
الفرع الأول: أن يكون الماء مباحاً أو كان لغيرهم وأراد أن يجود به على أحدهم وكان كافياً له فأي هؤلاء الثلاثة يكون أحق به؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن تكون الحائض أحق به وهذا هو رأي القاسم كما حكينا في ظاهر المسألة وهو اختيار السيد أبي طالب.
والحجة على ذلك: هو أن الحائض إنما يراد من غسلها لحق الآدمي وهو الوطء بخلاف الجنب والميت فإن المراد بغسلهما هو لحق اللّه تعالى وهو أداء العبادة عليهما وإذا ازدحم حق اللّه تعالى وحق الآدمي، كان حق الآدمي أحق بالتقديم كالدَّيْنِ والوصية.
المذهب الثاني: أن الميت أحق، وهذا هو المحكي عن الشافعي.
__________
(1) هكذا في الأصل. ولعل تذكير الأنفس باعتبار الأشخاص المعبر عنهم.
(2) بمعنى: ولا يوجد غير الماء الذي في الكوز.
والحجة على ذلك هي: ما قاله الشافعي: وهو أن هذه خاتمة أمر الميت ولا ترجى له طهارة بعد هذا، والجنب و الحائض ترجى لهما الطهارة بعد ذلك.
والمختار: أن الأحق بالماء الميت كما قال الشافعي، ليس لما قاله ولكن من جهة أن غسله لا يراد به رفع الحدث للصلاة وإنما المقصود به التنظيف وذلك لا يحصل بالتراب، والقصد من طهارة الجنب والحائض إنما هو رفع الحدث واستباحة الصلاة ولا شك أن التيمم يقوم مقام الماء في استباحة الصلاة فلهذا كان [الميت] أحق بالماء لما ذكرناه. وأما ما ذكره الشافعي من التعليل فهو فاسد، لأن ظاهره دال على أن وجوب الطهارة متعلق به وليس الأمر كما ظنه ولكن التكليف بتطهيره متعلق بالأحياء إذ لا يعقل في حقه تكليف لانقطاعه بالموت، والحي إذا اجتمع عليه حقان يتعلقان بالعبادة، يتعلق أحدهما بنفسه والآخر يتعلق بغيره، قدم ما يختصه في نفسه كالصلاة في آخر الوقت والصلاة على الجنازة إذا اجتمعا. وكالصحيح إذا تضيق عليه وقت الصلاة وهناك مريض مدنف يحتاج إلى الوصية والوضوء إلى غير ذلك.
ويمكن الانتصار لما قاله القاسم وهو: أن الحائض قد بعد عهدها بالتنظيف وتكاثفت نجاستها في بدنها وأثوابها فلا جرم كانت أحق بالماء لتطهيرها مما هي [عليه]، وكلامه في ترجيحها بالأحقية إنما هو إذا كان لها زوج فأما إذا لم يكن لها زوج فسيأتي الكلام فيه.
الفرع الثاني: إذا اجتمع هؤلاء الثلاثة وكان الماء ملكاً لأحدهم نظرت، فإذا كان الذي يملكه هو الميت فإنه يكون أحق به ولا يجوز بذله لمن كان حياً إلا أن يخشى الحيان التلف من العطش فلهما أن يشتريا ذلك بقيمته من الورثة لأنه ملك لهم، وييمم الميت بالتراب ويوارى في حفرته لأن حفظ مهجة الحي وتدارك حشاشته أهم في مقصود الشرع من التطهر في حق الميت الذي له بدل يقوم مقامه، وإن كان الماء للحائض فإنها تكون أحق به لكونه ملكاً لها.
وهل يجوز بذله للميت؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك غير جائز، وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة العترة وهو الأصح من قول الشافعي لأنها محتاجة إليه لأداء العبادة فلا يحل لها بذله.
وثانيهما: أن الميت يكون أحق به، وهذا شيء يحكى عن الشيخ أبي إسحاق من أصحاب الشافعي وقد أنكره ابن الصباغ في (الشامل) وقال: هذا لا يعرف للشافعي، لأنه محتاج إليه(1)
كما أشرنا إليه فلا يحل له بذله(2)،
وإن كان الماء للجنب فهو أحق به ولا يجوز له بذله مع حاجته إليه فإن خالف الجنب والحائض وبذلا الماء للميت مع حاجتهما إليه وأخذا ثمنه لهما من مال الميت كانا مخطئين لما لهما فيه من الحاجة ولم يزل ملكهما عنه، فإن تيمما وصليا نظرت فإن كان مع وجود الماء لم يصح تيممهما لكونه تيمماً مع وجود الماء وإن كان مع عدمه جاز ذلك، وهل تلزمهما الإعادة أم لا؟ والأقرب على المذهب: أنه لا تلزمهما الإعادة لما صليا بالتيمم لقوله : ((لا ظهران في يوم )) وحكي عن الشافعي قولان.
__________
(1) محل هذه الجملة بعد قوله: وثانيهما أن الميت يكون أحق به.
(2) بمعنى: فلا يجوز أخذه.
الفرع الثالث: إذا اجتمع هؤلاء الثلاثة وكانت الحائض لا زوج لها، فالأقرب على ما اخترناه من قبل، وعلى رأي القاسم: أن الميت يكون أحق بالماء لما ذكرناه من أن المقصود بطهارة الميت هو التنظيف، ولا بَدَلَ لَهُ، بخلاف الحائض فإن المقصود بطهارتها رفع الحدث وله بدل وهو التراب، وعلى رأي القاسم أيضاً لأنه إنما رجح الحائض لأجل حق الآدمي وهو الوطء وهذه لا بعل لها فلا وجه للترجيح به، فلا جرم سلم المعنى المقصود في حق الميت فلهذا قضينا بكونه أحق بالماء من غيره، وإن اجتمع حي على بدنه نجاسة وميت، والماء يكفي أحدهما، فالذي يأتي على رأي الشافعي: أن الميت أحق، والأقرب: أن الحي أولى من جهة أن طهارة الميت لها بدل بخلاف طهارة النجاسة فإنه لا بدل لها، وإن كان الماء لا يكفي واحداً من هؤلاء الثلاثة فقد قال القاسم: ومن لم يكفه الماء فالتيمم بالصعيد الطيب. وهذا ظاهر لأن كلامنا في الأحق بالماء إنما هو مع كمال التطهير بالماء فأما مع أن الطهارة لا تكمل به فالواجب العدول إلى بدله.
الفرع الرابع: وإن اجتمع جنب وحائض قد طهرت وهناك من الماء ما يكفي أحدهما، فأيهما يكون أحق به؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الحائض أحق، لأنها تستبيح بالغسل أكثر مما يستبيح به الجنب وهو إباحة الوطء، وهذا هو الذي يأتي على رأي القاسم فيما إذا اجتمع الثلاثة.
وثانيها: أن الجنب أحق من جهة أن غسل الجنابة معلوم بنص القرآن وغسل الحيض مأخوذ من أخبار الآحاد وطرق الاجتهاد(1).
وثالثها: أنهما سواء من جهة أن كل واحد منهما مفتقر إلى الطهارة بالماء، والتراب بدل عنهما(2)
__________
(1) لم يسند المؤلف هذا الوجه إلى مذهب أو قائل معين، والمعروف أن الغسل من الحيض ثابت بالإجماع، وليست فقط بأخبار الآحاد وطرق الاجتهاد، والله أعلم.
(2) هكذا في الأصل، والمراد معلوم وهو أن التراب بدل عن الماء في الغسل للجنب والحائض عند انعدام الماء أو تعذر استعماله.
جميعاً فلهذا كانا مستويين.
والمختار: أنهما سواء من جهة أنه لا يشار إلى أحدهما بخصوصية إلاَّ ويمكن حصولها للآخر، ولهذا حكمنا عليهما بالإستواء.
وإن كان رجل على بدنه نجاسة وهو محدث ومعه من الماء ما يكفي أحدهما دون جميعهما فإنه يغسل النجاسة بالماء ثم يتيمم للحدث، من جهة أن التيمم لا يصلح لإزالة النجاسة ولا بدل لها(1)
والتيمم ينوب عن الحدث فلهذا وجب استعمال الماء فيما لا يقوم غيره مقامه.
الفرع الخامس: وإذا اجتمع جنب ومحدث وهناك ما يكفي أحدهما دون الآخر نظرت فإن كان يكفي المحدث ولا يكفي الجنب فالمحدث أحق به لأنه يرفع حدثه ويسقط فرضه، والجنب لا يرفع حدثه ولا يسقط فرضه على رأي بعض أهل الاجتهاد كما سنوضحه بعد هذا بمعونة اللّه تعالى.
وإن كان الماء يكفي الجنب ويفضل عنه ما يغسل به المحدث بعض أعضائه، ويكفي المحدث ويفضل عنه ما لا يكفي الجنب فالجنب أحق به، من جهة أن حدث الجنابة أغلظ من حيث أنه لا يقدر على الحصول في المسجد ولا على قراءة القرآن، وإن كان الماء يكفي الجنب ولا يفضل منه شيء ويكفي المحدث ويفضل عنه ما يغسل به الجنب بعض أعضائه ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الجنب أولى من جهة أن حدثه أغلظ.
وثانيها: أن المحدث أحق به لما فيه من التشريك بينهما(2).
وثالثها: أنهما سواء لأنه يُرْفَعُ به حَدَثٌ عن كل واحد منهما.
والمختار على المذهب: أن المحدث أحق به لما فيه من مزيد الفائدة وهو أن كل واحد منهما يصلي وقد ارتفع عنه الحدث بالطهارة المائية، فهذا ما أردنا ذكره في هذه المسألة وبتمامه يتم الكلام على الفصل الثاني وهو ما يجوز للجنب فعله وما لا يجوز وبالله التوفيق.
__________
(1) أي: لغسلها أو لتطهيرها.
(2) بين النجاسة والحدث.
---
الفصل الثالث في بيان واجبات الغسل وذكر كيفيته
وقد أوضحنا أن الواجب من الغسل أنواع أربعة: الجنابة، والحيض، والنفاس، والموت، وما يتعلق [بها]. والذي نذكره هاهنا هو الأمور الواجبة في الغسل الذي لا يكون غسلاً شرعياً مجزياً في العبادة إلاَّ به(1)
فالنية في غسل الجنابة وغيره واجبة عند أئمة العترة لا يختلفون في ذلك، وهو قول الشافعي ومالك وعند أبي حنيفة وأصحابه، ومحكي عن سفيان الثوري أنها غير واجبة، والخلاف فيه وفي الوضوء واحد إذ لا قائل بالتفرقة بينهما، فمن أوجب النية أوجبها فيهما جميعاً، ومن منع النية منعها فيهما جميعاً، والأدلة التي أشرنا إليها في الوضوء في إيجاب النية جارية هاهنا، وذكر الإختيار والانتصار له قد أسلفناهُ فأغنى عن تكريره.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: النية في الجنابة، يجب أن تكون لرفع الجنابة أو رفع الحيض أو رفع النفاس أو غير ذلك من الأسباب الموجبة للغسل لأن ذلك السبب هو المؤثر في وجوب الغسل فلأجل ذلك أثر تعيينه في كون الغسل مجزياً، وهكذا لو نوى في غسله أنه للصلاة مطلقاً أو لصلاة معينة أو لرفع الحدث الأكبر أجزأه ذلك.
__________
(1) هنا فراغ في الأصل يتسع لكلمة واحدة لعلها: فنقول.
قال السيد الإمام أبو طالب: لأن نية الغسل لا تعلق لها بالصلاة بخلاف نية الوضوء فإن لها تعلقاً بالصلاة فلأجل ذلك أنه إذا نوى في الغسل ما ذكرناه من تلك الأمور أجزأه بخلاف الوضوء كما مر بيانه، وإنما لم يكن للغسل تعلق بالصلاة من جهة أنه لا تؤدى به الصلاة حتى ينضم إليه الوضوء، فمن أجل ذلك افترقا. وهكذا لو نوى بغسله قراءة القرآن أو دخول المسجد اجزأه ذلك، أو غير ذلك من الأفعال التي تمنع من فعله الجنابة، ولو نوى رفع الحدث الأصغر لم يكن غسله مجزياً من جهة أن الجنابة لا ترتفع بارتفاع الحدث الأصغر، ولهذا فإنه لو توضأ وهو جنب لم يكن حدث الجنابة مرتفعاً بالوضوء وهذا على رأي السيد أبي طالب وأبي العباس في التفرقة بين الوضوء وغسل الجنابة بالوجه الذي ذكرناه.
فأما على رأي المؤيد بالله وهو المختار عندنا، فإنه لا تفرقة بينهما في أنه لو نوى رفع الحدث أو نوى صلاة معينة أنه يكون مجزياً له في الوضوء والغسل جميعاً كما قررناه في الوضوء.
الفرع الثاني: نية الغسل يجب أن تكون مقارنة لأول جزء من أجزائه كما ذكرناه في الوضوء من جهة أن المقارنة في النية هي الأصل في كل فعل، وإنما جوزنا التقديم والتأخير في بعض النيات لدليل دل عليه وأمر اقتضاه، فإن لم تدل دلالة ظاهرة على جواز التقديم والتأخير وجب القضاء بالمقارنة لأنه هو الأصل كما أشرنا إليه.
قال الإمام المؤيد بالله: ومن كان جنباً فاغتسل من غير أن ينوي رفع الحدث أو أداء الصلاة لم يكن اغتساله صحيحاً وإنما كان الأمر كما قلناه من جهة أن النية شرط في صحة الاغتسال كما قررناه من قبل فإذا لم يأت بها فإنه يكون مخلاً بشرط من شروط الاغتسال فلهذا لم يكن غسله مجزياً له.
الفرع الثالث: قال الإمام المؤيد بالله: فإن صلى فعليه الإعادة إذا أعاد الغسل.
واعلم أن كل ما كان من المسائل الاجتهادية التي وقع فيها الخلاف بين العلماء [في هذه المسألة] ففيه وجهان:
أحدهما: أنه تلزمه الإعادة على رأيه ولا يراعى في ذلك بقاء الوقت وخروجه.
وثانيهما: أن يُراعى في وجوب الإعادة بقاء الوقت فإن كان قد مضى الوقت لم تجب عليه الإعادة، وهذا هو رأي الهادي، وقد قررنا هذه المسألة في باب الوضوء وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن تكريره.
الفرع الرابع: قال المؤيد بالله: ومن اغتسل للعيد أو للجمعة ثم ذكر أنه كان جنباً وجب عليه إعادة الاغتسال للجنابة من جهة أن النية واجبة كوجوبها في الوضوء ولأنه اغتسل لغير الجنابة فلا يجزيه عن غسلها كما لو نواه للتبرد. وقال أيضاً: فإن اغتسل وهو شاك في جنابته ثم إنه تيقن بعد ذلك جنابة أجزأه غسله لأنه قد نوى الجنابة عند الاغتسال فوجب أن يكون مجزياً له كما إذا كان متيقناً لها عند الغسل.
مسألة: المضمضة والإستنشاق مشروعان في غسل الجنابة عند أئمة العترة وهو قول فقهاء الأمة لما روت عائشة عن النبي أنه كان إذا اغتسل من الجنابة تمضمض واستنشق(1).
وروى ابن عباس عن خالته ميمونة أنها قالت: وضعت لرسول اللّه غسلاً فتمضمض واستنشق(2).
__________
(1) هذا الحديث جاء ضمن رواية عائشة في وضف غسل النبي من الجنابة، أخرجه النسائي، والتأكيد واضح على المضمضة والإستنشاق عند الغسل من الجنابة إذ ورد ذكرهما في فعل رسول الله ضمن الأحاديث المروية في صفة غسله، ومنها ما روته عائشة وميمونة وعلي في حديث تعليم النبي لمن سأله عن غسل الجنابة. وفي (الانتصار) حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: ((المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثاً فريضة) كما سيأتي.
(2) ولفظ الحديث: عن ميمونة قالت: وضعت للنبي ماء يغتسل به فأفرغ على يديه فغسلها مرتين أو ثلاثاً ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكره ثم دلك يده بالأرض، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه ثم غسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مكانه فغسل قدميه. هذه إحدى روايات البخاري ومسلم. اه(جواهر- هامش البحر 1/106).