وأما ثانياً: فلأن الغرض بذلك ما لم يكن معتاداً في كلام الناس كآيات التعوذ والإسترجاع عند المصيبة وغير ذلك، ومن جهة أن الجنابة تعرض كثيراً والتعوذ والتسبيح والتهليل عند عروض العجائب في العالم فلا ينبغي تضييق ذكره بمانع الجنابة، وأما أبو حنيفة فقد جوز قراءة ما دون [الآية] محتجاً بأن القرآن إنما كان قرآناً لكونه معجزاً والإعجاز إنما يتعلق بالآية فما فوقها فأما ما دون ذلك فلا يتعلق به الإعجاز كالحرف الواحد والكلمة الواحدة.
قلنا:هذا فاسد لأوجه ثلاثة:
أما أولاً: فلأن ما دون الآية وإن لم يكن معجزاً لكنه من جنس المعجز فساواه في المنع كالسجدة الواحدة ليست بصلاة لكنها لما كانت من جنسها منع منها الجنب.
وأما ثانياً: فلأن ما دون الآية جزء من القرآن فلا يجوز للجنب قراءته كالآية التامة.
وأما ثالثاً: فلأن قراءة القرآن عبادة تمنعها الجنابة فيستوي فيه حكم القليل والكثير كالصلاة.
وأما مالك فإنه قد جوز للجنب قراءة الآية والآيتين على جهة التعوذ، وفي معناه ما حكي عن الأوزاعي، فما ذكراه يقرب مما حكيناه عن المؤيد بالله وهو المختار.
مسألة: ولا يجوز للجنب اللبث في المسجد عند أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا أحل المسجد لجنب ولا حائض ))(1).
وحكي عن داود وطبقته من أهل الظاهر جواز اللبث في المسجد للجنب.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن عائشة بلفظ: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)). اه(بحر1/104) وقد تقدم.
والحجة له على ذلك: قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } ثم قال: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}[النساء:43]. وذا جاز العبور للسبيل للجنب جاز اللبث فيه لأنهما مستويان في الكون في المسجد والحصول فيه، وما ذكره فاسد فإنا نمنع العبور ونمنع اللبث جميعاً فلا يلزمنا ما قاله وإنما يلزم الشافعي حيث جوز العبور دون اللبث كما سنحكيه عنه ونبطله، ومثل ما حكيناه عن داود من جواز اللبث محكي عن المزني من أصحاب الشافعي.
وحكي عن أحمد وإسحاق بن راهويه جواز اللبث في المسجد للجنب أيضاً إذا توضأ.
والحجة لهما على ذلك هو: أن المقصود من منع الجنب من المسجد ليس من أجل تنجيسه فإن الجنب لا نجاسة فيه وليس مثل الحائض فإنها ممنوعة من المسجد من أجل أنها تنجسه، وإذا كان الأمر كما قلناه دل على أنه إنما منع من أجل أنه لا يلابس المسجد وهو محدث ويلاصقه بالأعضاء المحدثة فإذا توضأ زال الحدث من الأعضاء التي تلاصق المسجد وتتصل به. وهذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنه لو كان الأمر كما زعموه للزم أن لا يغسل وجهه لأنه لا يلابس المسجد، ولا يمسح رأسه.
وأما ثانياً:فلأن المعنى في منعه أنه حدث أكبر بخلاف الحدث الأصغر فإنه غير مانع لدخول المسجد، فبطل ما قالا.
وهل يجوز العبور فيه للجنب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز العبور فيه له، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك.
والحجة على ذلك: قوله : ((لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض )) ولم يفصل بين العبور وغيره.
الحجة الثانية: قياسية، وهي: أن العبور كون في المسجد وحصول فيه للجنب من غير ضرورة فلم يكن جائزاً كاللبث.
المذهب الثاني: أن ذلك جائز، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه، ومحكي عن ابن عباس وابن مسعود من الصحابة رضي الله عنهم.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}[النساء:43].
ووجه تقرير الحجة هو: أن المراد مواضع الصلاة، فعبر بالصلاة عن مواضعها فحاصل معنى الآية على هذا: لا تقربوا المساجد التي هي مواضع الصلاة وأنتم سكارى ولا جنباً إلا على جهة العبور ، فأباح العبور للجنب دون اللبث وهذا هو المقصود.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم وهو المنع منه لما قالوه، ونزيد هاهنا وهو أن كل حكم تعلق باللبث فإنه متعلق بالعبور كالتحريم على الحائض وملك الغير وإدراك الحج بعرفة فإنه كما يحرم على الحائض اللبث يحرم عليها العبور وهكذا ملك الغير أيضاً وكما يكون مدركاً للحج باللبث في عرفة فهكذا يكون العبور أيضاً، وإذا كان الأمر كما قلناه فكما حرم اللبث حرم العبور من غير تفرقة بينهما.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالف ما قلناهُ في ذلك، فأما الشافعي وأصحابه فقد قالوا: الآية دالة على جواز العبور بظاهرها فلهذا قضينا بجوازه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد من الآية: {َلاَ تَقْرَبُوا} نفس الصلاة كما هو مفهوم من ظاهرها من غير حاجة إلى التأويل كما قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى }[الإسراء:32] والمراد بقوله: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} أي إلا مسافراً فإنه يقربها وهو جنب بالتيمم من جهة أن انقطاع الماء في الأسفار يعرض كثيراً، فالمعنى: لا تقربوا وأنتم أجناب في أي حالة من الحالات إلا في حال عبور السبول(1)
في الأسفار لانقطاع الماء بالتيمم.
وأما ثانياً: فيحتمل أن يكون المراد: لا تقربوا مواضع الصلاة التي هي المساجد في حال الجنابة إلا أن تحتلموا في المساجد فتعبروا فيها للخروج منها، ففي هاتين الحالتين(2) يحوز العبور في المساجد فأما من غيرهما فلا وجه، فأما ما يحكى عن داود والأوزاعي فقد أفسدنا كلامهما فأغنى عن تكريره.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: قال الإمام المؤيد بالله: من اجتنب في المسجد تيمم إذا وجد التراب ثم يخرج فإذا لم يجد فعليه الخروج، هذا إذا كان زمان التيمم أقصر من زمان الخروج فإن كان أطول فليس عليه إلا الخروج.
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعله خطأ من الناسخ وأن الصحيح هو (السبيل) أو (السُّبُل)، أو أن المراد بـ(السُّبُول) الطريق السالكة على صيغة فعول، والأقرب أن تكون (سُبُول) جمع سبيل لو لا أنه جمع لم يرد في الأمهات من المعاجم وإن كان جاء في بعض المعاجم الحديثة. راجع (القاموس المحيط) و (لسان العرب) و (العين).
(2) يبدو أن المقصود بالحالتين، حالة المسافر وحالة المحتلم في المسجد، مع أن ظاهر كلام المؤلف أن الاستثناء في الآية لعابر السبيل هو جواز الصلاة بالتيمم وليس عبور المسجد أو دخوله، إلا أن دخول المسجد قد يأتي ضمن متعلقات الصلاة.
والمختار: أنه يجب عليه الخروج من المسجد مطلقاً سواء كان زمان الخروج أضيق أو أوسع ولا يحتاج إلى التيمم لخروجه، لقوله تعالى: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}[النساء43]. ولأن التيمم إنما يتوجه لمن أراد اللبث وهذا تارك له فلا يجب عليه التيمم لما هو تارك له.
الفرع الثاني: الذي ذهب إليه أئمة العترة أنه لا يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام، وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ}[التوبة:28].وقوله : ((لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الجزية ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام))(1).
وحكي عن أبي حنيفة أن ذلك جائز.
والحجة له على ذلك: هو أن كل موضع جاز للمسلم دخوله فإنه يجوز للكافر قياساً على سائر المواضع، وهذا فاسد فإن التفرقة بين المسلم والكافر ظاهرة، من جهة أن المسلم معظم الحرمة، والكافر لا حرمة له، فلا يجوز قياس أحدهما على الآخر لما بينهما من التفرقة، والحرم مخالف لسائر البقاع ولهذا فإنه يجب التوجه إليه في الصلاة ويمتنع القصاص ممن التجأ إليه عندهم فافترقا.
الفرع الثالث: هل يجوز للمشرك دخول ما سوى المسجد الحرام أم لا؟ وهذه المسألة من فروع رطوبة الكفار وقد أسلفنا القول فيمن جوز رطوبتهم [أنه] جوز لهم دخول المساجد لكونها طاهرة عنده وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهو محكي عن الفقهاء أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما، ومن قال بتنجيس رطوباتهم فإنه يمنعهم من دخول المساجد، وهذا هو رأي القاسم والناصر والهادي ومحكي عن مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقد قررنا فيما سبق ذكر الاحتجاج للقولين وبيان المختار والانتصار له فأغنى عن تكريره.
ويكره للجنب ضد ما يستحب له، وهو ترك غسل يديه وفمه عند الأكل.
__________
(1) سيأتي في موضعه.
ويكره له معاودة الجماع من غير توضي ويكره له النوم من غير توضي، والمراد بالكراهة هو التنزيه من غير تحريم، وأن خلاف ذلك(1)
هو الأفضل له كالشرب باليسار والإستنجاء باليمين إلى غير ذلك من الكراهات المقصود بها التنزيه.
مسألة: ويستحب للجنب أن يبول قبل الاغتسال، قال الإمام زيد بن علي: أحب للجنب أن يبول قبل الاغتسال لما روي عن النبي أنه قال: ((إذا جامع الرجل فلا يغتسل حتى يبول " وإلا تردد بقية المني فكان منه داء لا دواء له))(2).
وهل يجب عليه ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن البول عليه واجب قبل أن يغتسل(3)
وهذا هو الذي نص عليه الهادي في الجامعين (الأحكام) و (المنتخب) وهو رأي المؤيد بالله وهو مبني على أصل وهو أن بقية المني مقطوع به في الإحليل بعد الإنزال ما لم يبل فمن أجل ذلك أو جبنا عليه البول ليكون دافعاً لما بقي منه.
والحجة على ذلك: هي أن المني خروجه موجب للغسل فلا جرم كان بقاؤه مانعاً من صحة الغسل كدم الحيض.
المذهب الثاني: أنه غير واجب وهو رأي زيد بن علي وأحمد بن يحيى، وهو اختيار السيد أبي طالب وهو مبني على أصل وهو أن بقية المني غير مقطوع به في الإحليل، وهو محكي عن أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما.
__________
(1) خلاف ذلك: يعني مخالفة الفعل المكروه الذي فيه الأكل باليسار..الخ، إلى الأكل باليمين، هو الأفضل.
(2) أخرجه في الشفاء، و(الروض النضير) 1/368، ووجه الاستحباب في البول قبل الغسل يستند إلى الحديث الذي احتج به القائلون بوجوب البول قبل الغسل وهو حديث: ((إذا جامع الرجل فلا يغتسل حتى يبول وإلا تردد بقية المني فكان فيه داء لا دواء له)) وقد ضعفه كثيرون لطعن بعضهم في بعض رواته فيما اعتبره البعض موضوعاً، وآخرون اعتبروه من المراسيل.
(3) بمعنى أن البول شرط في صحة الغسل لا واجباً لذاته.
والحجة على ذلك هي: أن موجب الطهارة إذا كان كامناً في البدن فإنه غير موجب للطهارة إلا أن يخرج كسائر الأحداث فإذا اغتسل من غير بول ولم يتحقق بعده خروج المني فإن الغسل غير لازم له من جهة أن الطهارة لا تزول إلا بحدث متيقن.
والمختار: ما قاله الإمام زيد بن علي والسيد أبو طالب ومن وافقهما من أن البول غير واجب وإنما هو مستحب فإذا تعرض له الجنب استحب له أن يبول فإن لم يبل اغتسل ولا حرج.
والحجة على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا، وهو قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا }[المائدة:6].
وتقرير هذه الحجة من الآية هو أن اللّه تعالى أوجب الاغتسال للجنابة من غير اشتراط أمر من الأمور وعقب الاغتسال بالفاء من غير فاصلة، وقوله لأمير المؤمنين: ((فإذا فخضت الماء فاغتسل )). ولم يشترط بين الفضخ والاغتسال أمراً من الأمور وفي هذا دلالة على أن البول قبل الاغتسال غير واجب.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: بقية المني مقطوع بها في الإحليل فكانت مانعة كبقية الحيض في الرحم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن بقية المني مقطوع بها في الإحليل بل خروجه يكون على وجه الدفق فلا يبقى له أثر.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا أن له بقية لكنه معفو عنه فلا يكون موجباً للغسل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: هو أنا إذا قلنا بوجوب البول قبل الاغتسال كما هو رأي الهادي و المؤيد بالله، فإن بال أجزأه الغسل سواء كان في أول الوقت أو في آخره لأنه بالبول قد زال أثر المني المانع من صحة الغسل فلهذا كان مجزياً له، وإن لم يبل بعد التعرض له فهل يلزمه تأخير الغسل إلى آخر الوقت أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول:أنه يجب عليه تأخير الاغتسال إلى آخر الوقت، وهذا هو رأي الهادي.
والحجة على ذلك هي: أن البول شرط في صحة اغتساله وما من وقت إلا وهو متوقع لحصول البول [فيه] فلهذا وجب عليه التأخير، لتكون صلاته كاملة كالمتيمم فإنه يؤخر [الصلاة إلى آخر] الوقت لأنه مامن وقت إلا وهو يرجو وجود الماء [فيه]، فإن تعذر البول اغتسل وصلى مخافة أن تفوته الصلاة لفوات وقتها، وتجب عليه إعادة الغسل لهذا البول لأن بقية المني مقطوع به في الإحليل على رأيه(1)،
فإذا زال اندفع بقية المني مع البول وبقاؤه يمنع من صحة الاغتسال. وهل تجب عليه إعادة الصلاة على رأيه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا تلزمه إعادة الصلاة وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله، لأنه قد أداها كاملة وقد قال : ((لا ظهران في يوم ))، وهو الذي يأتي على رأي الهادي من جهة أن المسألة اجتهادية بين العلماء، والمسائل الخلافية على مذهبه لا يلزم فيها الإعادة مع فوات وقتها.
وثانيهما: أنه تلزمه الإعادة للصلاة، وهذا هو الذي ذكره الشيخ علي بن الخليل وغيره من أصحابنا على رأي الهادي، ووجهه: أنه وقع غسله على فساد من جهة أن بقية المني مانع من إجزاء الغسل فلم تكن الصلاة مجزية كما لو لم يغتسل.
المذهب الثاني: أنه يستحب له التأخير، وهذا هو الذي رآه المؤيد بالله، ووجهه: محاذرة عن تكرر الغسل عليه إذا بال؛ لأن غسله يقع صحيحاً لا محالة، فلم يكن الاستحباب في التأخير إلا لما ذكرناه.
المذهب الثالث: أنه لا يلزمه التأخير ولا يستحب له، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب مذهباً لأحمد بن يحيى(2)،
__________
(1) يعني:على رأي الهادي.
(2) ابن الإمام الهادي يحيى بن الحسين.
واختاره مذهباً لنفسه لأن الصلاة مؤقتة لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً }[النساء:103]. فلا وجه لتأخيرها عن وقتها المضروب لها، ومن جهة أن المني غير مقطوع بأثره في الإحليل فإذا تعرض للبول ولم يبل فعليه أن يغتسل للجنابة ويصلي ولا تلزمه إعادة الغسل والصلاة جميعاً لأنهما جميعاً قد وقعا على نعت الصحة فلا وجه لإعادتهما.
والمختار: ما قاله الإمامان أبو طالب وأحمد بن يحيى لما ذكرناه من قبل، وهو أن بقية المني غير مقطوع به في الإحليل وقد دللنا عليه بالآية والخبر وإذا كان لا أثر له صح الاغتسال والصلاة.
الفرع الثاني: إذا قلنا بأن بقية المني مقطوع به في قصبة الإحليل فهل يكون مانعاً من صحة الغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه مانع من صحة الاغتسال، وهذا هو الذي يأتي على رأي الهادي، وعلى هذا إذا اغتسل في آخر الوقت من غير بول جازت الصلاة مخافة فواتها ويكون معذوراً في تأديتها، ولا يجوز له دخول المسجد ولا قراءة القرآن لأنه في الحقيقة جنب فلا يجوز له فعل هذه الأمور بحال.
المذهب الثاني: أن بقية المني وإن كان مقطوعاً به في الإحليل لكنه إذا اغتسل صح اغتساله وجاز له دخول المسجد وقراءة القرآن، لأن غسله وقع صحيحاً وزالت عنه الجنابة وذلك مستمر حتى يبول فإذا بال عاد عليه حكمها من جهة اندفاع بقية المني عن الإحليل، وهذا هو رأي المؤيد بالله. ووجهه ما ذكرناه.
الفرع الثالث: إذا اغتسل في أول الوقت ولم يبل فإنه تجب عليه إعادة الغسل والصلاة جميعاً على رأي الهادي.
ووجه ذلك: هو أنه قد أخل بشرط الصلاة وهو الطهارة فلهذا وجبت عليه الإعادة لهما لوقوعهما على فساد، والتفرقة بين أول الوقت وآخره على رأيه حيث قال: بوجوب إعادة الغسل والصلاة إذا وقعا في أول الوقت بخلاف ما إذا وقعا في آخر الوقت فإنه لا يعيد إلا الغسل دون الصلاة، هو أنه إذا كان في آخر الوقت فهو معذور في تأدية الصلاة فلهذا كانت مجزية بخلاف ما إذا وقعت في أول الوقت فإنه غير معذور في تأديتها فلهذا وجبت عليه الإعادة لهما جميعاً فافترقا.
الفرع الرابع: إذا اغتسل في أول الوقت ولم يبل ولم يتعرض للبول فإنه تجب عليه إعادة الغسل والصلاة جميعاً، وهذا هو الذي يأتي على رأي أحمد بن يحيى، وظاهر كلامه أن التعرض للبول شرط في صحة الصلاة والغسل جميعاً فكأنه قد أخل بشرط، فلا جرم لم يكونا مجزئين في حقه، فأما على كلام السيد أبي طالب فلا يجب عليه ذلك بل يلزمه أن يستقصي في إنزال بقية المني، فإذا فعل ذلك واغتسل وصلى في أول الوقت فقد أدى ما وجب عليه.
قال الإمام المؤيد بالله: ولا بأس للرجل أن يدخل المسجد وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة أو معه شيء نجس وهو لا ينجس المسجد، لما روي عن النبي أنه دخل المسجد وعلى ثوبه نجاسة فأمر به إلى عائشة من المسجد فغسلته في بيتها ثم أمرت به إليه(1)،
ولأنه لا يخشى منه نجاسة المسجد فجاز ذلك كما لو كان طاهراً، وإن كان يخشى منه تنجيس المسجد لم يجز ذلك، لما روي عن النبي أنه أراد دخول المسجد فخلع نعليه من رجليه فلما رآه أصحابه من بعده حَلُّوا نعالهم فقال: ((ما بالكم))!؟ فقالوا: رأيناك حللت فحللنا. فقال: ((إن جبريل أخبرني أن فيها قذراً ))(2)،
فدل ذلك على أنه لا يجوز الدخول بها المسجد مخافة تنجيسه.
__________
(1) تقدم.
(2) تقدم.