وثانيهما: أنه غير واجب عليهما الغسل وهذا شيء حكاه الشاشي " (1) من أصحاب الشافعي، وهو مروي عن المنصور بالله.
والحجة على ذلك: قوله : ((الإسلام يجب ما قبله " )). ولم يفصل بين حكم وحكم.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6] إلى غير ذلك من الأدلة.
الفرع الثاني: أن الكافر والكافرة إذا كانا قد اغتسلا من الأسباب الموجبة للغسل كالجنابة والحيض والنفاس ثم أسلما فهل يجب عليهما إعادة الغسل أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجب عليهما إعادة الغسل وهذا هو رأي أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك هو: أن الغسل عبادة بدنية تفتقر إلى النية فلم يصح من جهة الكافر كالصلاة والصوم.
وثانيهما: أنه لا يجب عليهما إعادة الغسل وهذا هو قول أبي حنيفة ومحكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك هو: أن غسل الكافر صحيح بدليل أن المسلم إذا تزوج ذمية ثم اغتسلت من الحيض فإنه يحل وطئها، فلولا أن الغسل صحيح لم يحل وطئها.
والمختار: هو الأول لما قدمنا من أن وضوء الكافر غير صحيح فهكذا غسله، وإذا كان غير صحيح وجب عليه إعادة الغسل كما قررناه.
__________
(1) أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي، من أصحاب الشافعي الذين رووا أقواله ونشروا مذهبه، قال الشيرازي في طبقاته: وكان إماماً وله مصنفات كثيرة ليس لأحدٍ مثله، وهو أول من صنف (الجدل الحسن) من الفقهاء، وله كتاب في أصول الفقه وله شرح الرسالة، وعنه انتشر فقه الشافعي فيما وراء النهر. ا.ه. طبقات الشيرازي ص120، وفي طبقات أبي بكر المصنف: أنه ولد بمدينة شاش فيما وراء النهر سنة 291ه، وتوفي بها في ذي الحجة سنة 365ه. ا هص209.
الفرع الثالث: الكفر المانع من صحة الغسل لأجل عدم القربة إنما هو الكفر الصريح المعلوم من الدين كونه كفراً بالضرورة كالشرك بالله وعبادة غيره ونحو اليهودية والنصرانية والمجوسية وغير ذلك من الأديان الكفرية، فأما كفر التأويل نحو الجبر والتشبيه عند من قال بكونهما كفراً، فإنه ليس مانعاً من صحة الغسل فلو اغتسل من الجنابة وهو مجبر أو مشبه ثم تاب عن ذلك فإنه لا يجب عليه إعادة الغسل إجماعاً لأن من هذه حاله مصدق بالله وبرسله ومؤمن بالشرع وناكح على القرآن و مصل إلى القبلة ولكنه اعتقد اعتقاداً يوجب كفره فلهذا لم يكن ما اعتقده مانعاً من الغسل لما ذكرناه.
مسألة: ومن الأسباب الموجبة للغسل، الموت إذا لم يكن الميت شهيداً، عند أئمة العترة، وهو(1)
قول فقهاء الأمة لا يعرف فيه خلاف لما روي عن النبي أنه قال في الرجل الذي سقط من بعيره: ((اغسلوه بماء وسدر " ))(2).
وهو من فروض الكفايات التي إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين. وهل يغسل الشهيد أم لا؟ فيه تردد وخلاف للفقهاء.
وإن غسل الميت ثم خرج من فيه أو أنفه أو دبره أو قبله شيء فهل يعاد غسله أم لا؟ فيه كلام نستقصيه في كتاب الجنائز بمعونة اللّه تعالى. فهذا ما أردنا ذكره في الأسباب الموجبة للغسل والله الموفق للصواب.
__________
(1) يقصد غسل الميت لا الشهيد كما يوحي به السياق.
(2) سيأتي في الجنائز.
---
الفصل الثاني في بيان ما يجوز فعله للجنب وما لا يجوز وما يستحب فعله وما يكره
مسألة: يجوز للجنب أن ينام قبل أن يغتسل عند أئمة العترة وفقهاء الأمة لما روت عائشة قالت: كان النبي ينام وهو جنب لا يمس ماءً(1)،
ويجوز له أن يصافح غيره لما روي عن النبي أنه قال: ((تصافحوا ))(2).
ولم يفصل بين حالة وحالة، وروى أبو هريرة عن الرسول أنه لقيه ذات يوم وأبو هريرة جنب، [قال] فانتجشت منه، يعني: تنحيت، فاغتسلت ثم جئت فقال: ((أين كنت))؟ فقال: كنت جنباً. فقال: ((المؤمن لا ينجس ))(3).
ويجوز للجنب أن يدهن وأن يخضب رأسه ولحيته بالحناء والكتم وغير ذلك مما يكون فيه تغيير الشيب، وإن احتاج إلى خضاب يديه ورجليه بالحناء جاز له ذلك لما روي عن الرسول أنه ما جاء أحد إليه يشكو وجع رأسه إلا أمره بالحجامة، ولا أحد يشكو وجع رجليه إلا أمره بخضاب رجليه(4).
والوجه في جواز هذه الأمور للجنب هو: أنها باقية على أصل الإباحة ولم يرد فيها نهي شرعي فيغير حكمها فبقيت على ما كانت عليه من الإباحة، ويجوز له أن يعاود أهله وعدة منهن من غير أن يغتسل أو يتوضأ، وحكي عن ابن عمر وجوب الوضوء على من أراد المعاودة.
__________
(1) تقدم.
(2) وروى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أن النبي صافح حذيفة بن اليمان وهو جنب، فقال: يا رسول الله إني جنب، فقال له: ((إن المسلم ليس بنجس)) وهو مروي من طرق وبألفاظ عدة. اه(الروض النضير)ج1ص372.
(3) قال في (الروض): ذكره البخاري تعليقاً عن ابن عباس ((المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً))، وجاء في إحدى الروايات لحديث حذيفة السابق: أن رسول الله قال له: ((يا حذيفة أبرز ذراعك فإن المؤمن ليس بنجس)) اه(روض) ج1 ص372.
(4) في نسخة(و): ما جاء أحد يشكو وجع رأسه إلا أمره بخضاب رجليه اه، وما أثبتناه هنا زيادة وردت في حاشية النسخة (ق).
والحجة على ما عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة: ما روي عن النبي أنه طاف على نسائه في غسل واحد(1)،
ولأن الوطء من جملة المباحات فلا يجب له الوضوء كالوطء الأول أو لأنه مباح فجاز من غير وضوء كالأكل والشرب.
وحجة ابن عمر على وجوب الوضوء للوطء: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا أتى أحدكم امرأته ثم بدا له أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءاً ))(2).
فإن ما هذا حاله محمول على الاستحباب ليكون جمعاً بين الأدلة فلا تناقض.
ويجوز للجنب أن يحمل المصحف بعلاقته وغلافه عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن العلاقة والغلاف ليسا من جملة المصحف لأنهما غير داخلين في المصحف على جهة التبع في البيع، فلهذا جاز حمله بهما، وحكي عن الشافعي المنع من ذلك وقد قررناه فيما سبق في مس المصحف للمحدث فأغنى عن الإعادة.
ويجوز للجنب أن يذبح ما يجوز ذبحه وينحر ما يجوز نحره وأن يغسل الأثواب لأن هذه الأمور كلها من جملة المباحات فجاز فعله لها كالأكل والشرب.
__________
(1) عن أبي رافع أن رسول الله طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت: يا رسول الله ألا تجعله غسلاً واحداً آخراً، قال: ((هذا أزكى وأطيب وأطهر)) أخرجه أبو داؤد.
(2) جاء الحديث بلفظه هنا عن أبي سعيد الخدري. أخرجه مسلم وأبو داؤد والترمذي، قال في (الجواهر حاشية البحر) 1/102، ولفظ رواية النسائي: ((إذا أراد أحدكم أن يعود فليتوضأ)).
مسألة: يستحب للجنب إذا أراد الأكل والشرب أن يتوضأ، لما روي عن النبي أنه كان إذا أراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة إذا كان جنباً(1)،
قال الإمامان القاسم والهادي: والجنب إذا أراد الأكل غسل فرجه ويديه وتمضمض استحباباً لما روته عائشة رضي اللّه عنها عن النبي أنه كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يده وتمضمض(2)،
__________
(1) قال أبو سلمة: سألت عائشة هل كان رسول الله يرقد وهو جنب؟ قالت: نعم ويتوضأ، وفي رواية عروة عنها قالت: كان إذا أراد...الحديث، أخرجه البخاري، ولمسلم نحوه، وفي رواية الترمذي أنه كان ينام وهو جنب ولا يمس ماءً، ثم قال: وقد روي عنها: أنه كان يتوضأ قبل أن ينام، وهو أصح، والحديث أخرجه الستة بروايات متقاربة، اه(جواهر) ج1ص102.
(2) أخرجه النسائي وفيه روايات عن أم سلمة، وعن مجاهد وابن خزيمة وغيرهما عن عروة عن عائشة. راجع (الروض النضير 1/384).
والمضمضة في معنى غسل اليدين لأن الغرض في غسلهما أن يكون العضو الذي استعمله في الأكل مغسولاً، ويستحب إذا أراد المعاودة لأهله أن يتوضأ لما روى أبو سعيد الخدري عن النبي أنه قال: ((إذا أتى أحدكم أهله ثم بدا له أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءاً )). فالحاصل أن عائشة روت عن النبي فيما يستحب للجنب المضمضة وغسل اليدين والفرجين، وروت أيضاً استحباب الوضوء كوضوء الصلاة، فيجب القضاء بالاستحباب في الأمرين جميعاً، وأن أحدهما فاضل والآخر أفضل، فالفاضل غسل اليدين والفرجين والمضمضة، والأفضل هو وضوء الصلاة، وإنما كان أفضل لما روي عن الرسول أنه قال: ((من بات على طهر بات ومعه ملك ومن بات على غير طهارة بات ومعه شيطان)). وإنما استحب غسل الفرجين للجنب لما روى ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ذكر للرسول أنه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول اللّه :((إغسل ذكرك ثم نم ))(1)،
ويستحب الغسل فيما بين الوطئين لما روى أبو رافع أن النبي طاف على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت: يا رسول اللّه ألا جعلته غسلا واحداً؟ فقال: ((هذا أزكى وأطيب وأطهر ))(2).
وروى أنس بن مالك عن الرسول أنه طاف على نسائه في غسل واحد. قال أبو داود في سننه حديث أنس أصح من هذا.
والمختار: أن كل واحد من الحديثين صحيح لاستكماله لشرائط الصحة، لكن ما رواه أنس بن مالك بناء على تسهيل الأمر على الأمة وما قاله أبو رافع بناء على الأفضل في الأمة من جهة أن تجديد الطهارة على الطهارة قد ورد الشرع باستحبابه وهذا منه، ويستحب للجنب أن يتطيب ويكتحل لأن ما [هذا] حاله قد ورد الشرع باستحبابه في حق الطاهر، والجنابة غير مانعة منه فيجب بقاء الاستحباب في حق الجنب.
__________
(1) في رواية للترمذي عن عائشة أنه كان ينام وهو جنب ولا يمس ماءً، وعنها كان يتوضأ قبل أن ينام. اهجواهر 1/102.
(2) تقدم.
مسألة: ولا يجوز للجنب أن يصلي لقوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } ثم قال: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}[النساء:43]، ولا يجوز له أن يطوف بالبيت لما روي عن النبي أنه قال: ((الطواف بالبيت صلاة ))(1).
وقد بينا تحريم الصلاة على الجنب فيجب أن يحرم الطواف.
وهل يحرم عليه قراءة القرآن أم لا؟ فيه مذاهب أربعة:
أولها: أنه لا يجوز له قراءة شيء من القرآن قل أو كثر، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة نص عليه الإمامان القاسم والهادي وهذا هو قول الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روى أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه عن الرسول أنه كان يخرج من الخلا فيقرئنا القرآن وكان لا يحجزه عن القرآن شيء سوى الجنابة(2).
الحجة الثانية: ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول : ((لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن ))(3).
وهذا عام في القليل والكثير.
وثانيها: أنه يجوز له قراءة ما دون الآية وهذا هو قول أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أن القرآن إنما كان قرآناً لكونه معجزاً والإعجاز إنما يكون بالآية فما فوقها، فأما ما دون الآية فليس معجزاً ولا يعد من القرآن.
__________
(1) سيأتي في الحج.
(2) تقدم.
(3) أخرجه الترمذي موقوفاً على ابن عمر في (الجامع) و(المجتبى) وأخرج أبو داؤد بسنده عن عائشة قوله في حديث طويل: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب)) وفي شرح التجريد عن نافع عن ابن عمر.. وذكر الحديث السابق. اه(اعتصام) ج1ص256.
وثالثها: أنه يجوز له قراءة القرآن إذ لم يقصد به القرآن وهذا هو المحكي عن المؤيد بالله وهو مروي عن بعض أصحاب أبي حنيفة وعلى هذا يجوز له أن يقرأ: {يَانُوحُ اهْبِطْ }[هود:48]. و{يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ }[مريم:12]. و {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ }[آل عمران:43]. إذا قصد به خطاب هؤلاء الأشخاص ولم يكن قاصداً به القرآن. وهكذا يجوز له أن يقرأ ما جرى في ألسنة الناس من التحميد نحو قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }[الفاتحة:2]. وقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ }[الروم:14]. وقوله تعالى: {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}[الزخرف:13]. فهذه قد صارت معتادة في كلام الناس بغير تلاوة القرآن وهكذا ما شاكلها من العوذ والتحميدات والتسبيحات.
والحجة على ذلك: قوله ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)) فإذا نوى بهذه الآيات ما ذكرناه لم يكن قارئاً للقرآن.
ورابعها: ما حكي عن داود وطبقته من أهل الظاهر، وهو أنه يجوز للجنب قراءة القرآن كله وما شاء منه، والجنابة غير مانعة من التلاوة.
والحجة على ذلك: ما حكي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه كان يقرأ ورده من القرآن وهو جنب. قال ابن المسيب: قلت لابن عباس: أيقرأ الجنب القرآن؟ قال: نعم أليس هو في صدره.
وقال مالك: يقرأ الجنب الآية والآيتين على جهة التعوذ. وقال الأوزاعي: يقرأ الجنب آية الركوب، قوله تعالى: {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ }[الزخرف:13]. وآية النزول، قوله تعالى: {رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ }[المؤمنون:29].
والحجة لهما على ذلك: ما حكيناه عن المؤيد بالله من أن هذه الآيات جارية على ألسنة الناس على جهة التعوذ والتسبيح والتهليل، وحاصل ما قالاه: أن القرآن يخرج عندهما عن كونه قرآناً بالقصد والنية،فهذه مذاهب العلماء في قراءة القرآن للجنب كما ترى.
والمختار: ما عول عليه الإمام المؤيد بالله من أن ماكان جارياً على جهة العادة في ألسنة الناس فإنه يجوز للجنب قراءته، وحاصل ذلك أنه يكون بالقصد، فما قصد به غير القرآن من الخطابات التي تصلح أن تكون خطاباً لغير من هي له كقوله: يا نوح، ويا يحيى إلى غير ذلك، وماكان جارياً على ألسنة الخلق في الإستعاذة والتهليل والتسبيح فإنه يجوز للجنب ذكره، ويدل عليه ما ذكرناه عنه ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: هو أن ما ذكرناه إذا كان جارياً على الألسنة على جهة الاضطراد فإما اغتفر الشرع حكمه ورفعه وإما أنه يكون في الحكم كأنه خارج عن القرآن جارياً مجرى العوذ والتسبيحات والتهليلات من غيره، فلهذا جاز فعله من جهة الجنب لما ذكرناه.
الحجة الثانية: هو أن ما ذكره المؤيد بالله فيه جمع بين الأدلة الشرعية فما ورد من الأخبار دالاً على المنع من القرائة فإنه محمول على ما كان خارجاً مما يعتاده الناس في تصرفاتهم، وما ورد دالاً على الإباحة فإنه يكون محمولاً على ما جرى في ألسنة الناس من ذلك. وما كان جامعاً بين الأدلة فلا شك في كونه طريقاً مستقيمة راجحة على غيرها من الطرق كما ذكرناه في أثناء الكتاب.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمده كل فريق، فأما من منع من ذلك على الإطلاق فقد قالوا: روى أمير المؤمنين أنه كان لا يمنع الرسول من قراءة القرآن إلا الجنابة وهذا عام في كل شيء منه.
قلنا: عن هذا جوا بان:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه مخصوص بالآيات الصريحة التي هي غير جارية على ألسنة [الناس] وليس في هذا إلا تخصيص عموم وأكثر العمومات كلها مخصوصة، فلا جرم كان مخصوصاً بما ذكرناه.
وأما ثانياً: فلأنه معارضٌ بما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين أنه قال: يقرأ الجنب الآية والآيتين، والحائض ويمسان الدرهم [الذي] فيه اسم اللّه ويتناولان الشيء من المسجد(1).
قالوا: روى ابن عمر عن النبي أنه قال: ((لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن ))(2).
وهذا عام في القليل والكثير.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم اندراج ما ذكرناه في القرآن بل هو خارج عنه بالطريقة التي ذكرناها من طريق الحكم.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا اندراجه تحت حقيقة القرآن لكنه عموم مخصوص بالأدلة التي أشرنا إليها.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين أنه قال: ((يقرأ أحدكم القرآن مالم يكن جنباً فإن كان جنباً فلا ولا حرفاً واحداً))(3).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه معارض بما روى زيد بن علي وقد قدمناه.
__________
(1) جاء في (الروض) بأن هذه الرواية أخرجها بلفظها في (الأمالي) من طريق أبي خالد موقوفة على علي وقال: بأنه قد روي عن علي ما يشعر بالتعارض مثل ما روي أنه سئل عن الجنب يقرأ؟ قال: لا ولا حرفاً، راجع(الروض) 1/494، وقال في (الجواهر) بعد أن أورد الحديث: حكاه في مجموع زيد بن علي، وذكر القاضي زيد أن هذه الرواية غير صحيحة، وفي (الشفاء) نحو ذلك، اه/103 ولم يذكر تعليلاً لعدم صحة الرواية.
(2) تقدم آنفاً.
(3) رواه الدار قطني وأخرجه البيهقي وأورده السيوطي وغيره بألفاظ مختلفة، وهو في (الشفاء) و(المهذب).