والحجة على ذلك هو: أنه يقع عليه اسم الفرج فوجب بتغييب الحشفة فيه الغسل كفرج المرأة الحية، وهل يجب غسل المرأة الميتة أم لا؟ والأقرب أنه غير لازم وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر أنه يلزم.
والحجة على ذلك هو: أن الإيلاج في الميتة ليس يخلو حاله إما أن يكون قبل غسلها للموت أو بعده فإن كان قبل غسلها من الموت كان غسل الموت كافياً كما لو ماتت وهي حائض أو جنباً، وإن كان الإيلاج بعد غسلها للموت فلا وجه لإعادة غسلها لأن وجوبه إنما يكون للصلاة ولا صلاة في حقها لبطلان التكليف بالموت.
وثانيهما: أن الإيلاج في الميتة غير موجب للغسل في قُبُلٍ كان أو دبر، وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة.
والحجة على ذلك هو: أن هذا الإيلاج غير مقصود به التلذذ فلا يكون موجباً للغسل كما لو أدخل أصبعه.
وهل يجب الحد على من أولج في فرج الميتة أم لا؟ فيه أوجه ثلاثة:
أحدها: أنه يجب الحد لأنه فرج محرم فوجب بالإيلاج فيه الحد كالمرأة الأجنبية الحية.
وثانيها: لا يجب لأنه فرج غير مقصود كما لو أدخل الأصبع.
وثالثها: أنه ينظر فيه فإن كانت زوجته أو جاريته فلا حد عليه لأجل الشبهة وإن كانت أجنبية وجب عليه الحد لأنه لا شبهة هناك.
والمختار: سقوط الحد عنه لأنه غير مقصود فأشبه ما لو أولج في فيها أو أدخل يده في قبلها أو دبرها والله أعلم.
الفرع الثالث: قال الإمام المؤيد بالله: والصبية إذا جومعت وهي صغيرة لم تحض فلا يجب عليها الغسل من جهة أن وجوب الغسل إنما يكون من أجل وجوب الصلاة والصلاة غير واجبة عليها لفقد البلوغ في حقها، وهكذا حال الصبي إذا جامع فإنه لا يجب عليه الاغتسال لما ذكرناه في حق الصبية، ويستحب أن يؤمرا بذلك أعني بالاغتسال لقوله : ((مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع " واضربوهم وهم أبناء عشر))، والصلاة من شرطها الطهارة وهما جنبان لا محالة، فلهذا أمرا بتقديم الغسل لما ذكرناه.

وإن أرادا قراءة القرآن منعا عن قراءته وعن دخول المساجد لأن كونهما جنباً متحقق في حقهما لقوله : ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)). ولم يفصل هناك بين كبير وصغير وذكر وأنثى، فإن اغتسلا جاز لهما قراءة القرآن ودخول المسجد لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6].
فإن جومعت الصغيرة أو جامع الصغير في حال صغرهما ثم بلغا فهل يجب عليهما الاغتسال لما كانا من الجنابة في حال صغرهما أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك غير واجب لقوله : ((رفع القلم عن ثلاثة "))(1).
ومن جملتهم الصبي حتى يبلغ ولم يفصل بين حكم وحكم، وفي هذا دلالة على رفع وجوب الاغتسال عنهما لأجل صغرهما، فإذا رفع في حال الصغر لم يرجع بعد البلوغ إلا بجنابة طارئة بعده، وهذا محكي عن القاضي أبي يوسف " (2) من أصحابنا.
__________
(1) هذا من الأحاديث المشهورة، وهو مروي في معظم الصحاح والمسانيد، ومنها: صحيح ابن خزيمة، وابن حبان، والمستدرك، وفي سنن البيهقي ج3ص83، والدارقطني وأبي داؤد ج4 ص139، وابن ماجة ج1 ص658، ومسند أحمد وأبي يعلى وغيرها.
(2) هو القاضي أبو يوسف الخطيب من أصحاب الهادي. كما جاء في هامش شرح الأزهار للإمام المهدي 1/111، وليس الفقيه يوسف صاحب الثمرات؛ لأنه متأخر عن زمن المؤلف. ورأي القاضي أبي يوسف هنا هو أيضاً رأي المنصور بالله عبد الله بن حمزة.

وثانيهما: أنه يجب عليهما الاغتسال بعد البلوغ لأن الجنابة في حقهما محققة في التقاء الختانين وإن لم يكن هناك إنزال لكن عرضت حالة الصغر عن الأداء فسقط فلما بلغا توجه الغسل عليهما بزوال العارض وهو الصغر كما لو اجتنب العاقل ثم جن ثم ثاب إليه عقله فإنه يجب عليه الاغتسال فهكذا ههنا، وهذا هو الذي ذكره القاضي أبو مضر من أصحابنا. وهذا هو المختار من جهة أن الموجب للغسل حاصل في حقهما وهو الإيلاج، وعروض الصغر لا يبطل حكم الجنابة فلما بلغا توجه الأمر عليهما بالغسل كسائر التكاليف الشرعية. والله اعلم.
الفرع الرابع: وإن أولج رجل ذكره في فرج خنثى مشكل لم يجب الغسل والوضوء على واحد منهما لجواز أن يكون الخنثى رجلاً والذي أدخل فيه ذكره خلقة زائدة، فإذا كان هذا محتملاً فلا وجه لإيجاب الوضوء والغسل بحال لا بالإيلاج ولا بالإخراج للإحتمال الذي ذكرناه، فإن أولج الخنثى ذكره في دبر رجل لم يجب الغسل على واحد منهما لجواز أن يكون الخنثى امرأة والذي أولجه خلقة زائدة فلا يجب بإيلاجها غسل.
فأما الوضوء فإنه واجب على الرجل المولج فيه بالإخراج لا بالإيلاج، وقد قال : ((الوضوء مما خرج)). وأما الخنثى فلا وضوء عليه لما ذكرناه من احتمال كونه امرأة والذكر عضو زائد فلا يجب بإيلاجه وضوء عليه.
وإن أولج خنثى ذكره في قبل خنثى مثله لم يجب على كل واحدٍ منهما وضوء ولا غسل لاحتمال أن يكونا رجلين والفرجان زائدان.
وإن أولج الخنثى ذكره في دبر خنثى مثله لم يجب على المولج غسل ولا وضوء لجواز أن يكونا امرأتين، وأما المولج فيه فإنه يجب عليه الوضوء بالإخراج لا بالإيلاج.

وإن كان هاهنا خنثيان فأولج كل واحد منهما ذكره في فرج صاحبه لم يجب على واحد منهما وضوء ولا غسل لجواز أن يكونا رجلين والفرجان عضوان زائدان فلا يجب بإيلاجهما شيء، وإن أولج كل واحد منهما ذكره في دبر صاحبه وجب على كل واحدٍ منهما الوضوء لأنهما إن كانا رجلين أو كان أحدهما رجلاً وجب الغسل عليهما وإن كانا جميعاً امرأتين صار الذكران كالميلين فيجب الوضوء بإخراجهما لا بإيلاجهما، الوضوء على المولج فيه وكل واحد منهما مولج فيه، فلهذا وجب عليهما الوضوء لأنه هو المستيقن.
مسألة: والحيض موجب للغسل عند أئمة العترة وهو قول فقهاء الأمة، ولا يعرف فيه خلاف لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى " فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}[البقرة:222].
وتقرير وجه الحجة يكون من وجهين:
أحدهما: على قراءة التشديد في قوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ " }[البقرة:222]. وليس المراد بالتطهير إلا استعمال الماء للإغتسال.
وثانيهما: على قراءة من قرأها بالتخفيف(1)،
ومعناه انقطاع الحيض. وقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}. أراد فإذا استعملن الماء للطهارة. فقد حصل مقصودنا من الدلالة وهو وجوب الغسل من الحيض من الآية، وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام فيما يحل من الحائض وما لا يحل، فهذا تقرير الحجة الأولى من الآية.
الحجة الثانية: قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة " ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي))(2).
وهل يجب الغسل برؤية الدم أو بانقطاعه؟ فيه وجهان:
__________
(1) قراءة التشديد والتخفيف في فعل {حتى يطهرن} أما فعل {فإذا تطهرن} فلا كلام هنا حوله كونه مشدداً أي مُضَعَّفاً.
(2) تقدم.

أحدهما: أنه واجب بانقطاع الدم لأنه لا فائدة للغسل قبل انقطاع الدم فلو كان واجباً لجاز أداؤه وهو محال.
وثانيهما : أنه إنما يجب برؤية الدم لأن كل ما أوجب الطهارة فإنه يوجب بالخروج لا بالإنقطاع كالمني (1).
والمختار: هو الأول. لقوله : ((فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي " )). فأمر بالاغتسال والصلاة عند الإدبار فدل على أنه واجب بذلك، ويمكن نصره [بما جاء في] الوجه الثاني: بأن الوجوب قد تقرر بخروج الدم وإنما أمر بالغسل في الوقت الذي يصح فيه، فالوجوب سابق والفعل متأخر مقدر بانقطاع الدم. والله أعلم.
التفريع على هذه القاعدة: وجملة ما نورده فروع ثلاثة:
أولها: إذا استدخلت المرأة دم الحيض ثم خرج من رحمها فإنه غير موجب للغسل لأن دم الحيض عبارة عن الدم الذي ترخيه الرحم وهذا منفصل غير مرخي وهو بمنزلة الجرح في الرحم.
وثانيها: إذا أصابتها جنابة ثم حاضت لم [يجب عليها] أن تغتسل، من جهة أن غسلها غير صحيح فإذا انقطع دمها اغتسلت لهما غسلاً واحداً.
وثالثها: إذا كان في باطن فرج المرأة جرح ثم خرج منها دم في وقت إمكان الحيض فالتبس بدم الجرح فإنها ترجع في ذلك إلى الفصل بين الدمين، لأن دم الجرح رقيق صافٍ ودم الحيض أسود خبيث الرائحة فإن حصل بما ذكرناه التمييز بينهما عملت عليه، وإن لم يحصل ذلك لم يلزمها غسل لأن الطهارة متحققة في حقها فلا يمكن إيجاب الغسل إلا بيقين، والواجب عليها الوضوء بخروج دم الجرح لا غير.
مسألة: ودم النفاس موجب للغسل لما روي عن الرسول أنه قال : ((تقعد النفساء أربعين يوماً " ))(2)،
__________
(1) في الأصل: لا بالإنقطاع والمني.
(2) روي الحديث عن أنس قال: قال رسول الله : ((تقعد النفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك)).

ولأنه دم حيض اجتمع واحتبس من أجل الولد، والحيض يسمى نفاساً، لما روي عن النبي أنه قال للمرأة التي أردفها خلفه فحاضت فقال: ((مالك نفست " ))(1).
فسمى الحيض نفاساً فلا جرم وجب الغسل على النفساء كما يجب على الحائض.
التفريع على هذه القاعدة: وجملة ما يختص هذا الموضع فروع ثلاثة:
أولها: الغسل على النفاس، هل يجب بخروج الدم أو بانقطاعه؟ فيه الوجهان اللذان ذكرناهما في الحيض فقد قررناه فلا نعيده.
فإن ولدت المرأة ولم تر دماً فهل يلزمها الغسل أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجب عليها الغسل، وهذا هو الذي ذكره الشيخ علي بن الخليل من أصحابنا، وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن الولد مخلوق من مائها وماء الزوج فخروجه كخروجهما فلهذا وجب عليها الغسل.
وثانيهما: أنه لا يجب عليها غسل وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك هي: أنه جامد فأشبه خروج الحصا والنواة من فرجها وهذا هو المختار، لأن الولد لا يقع عليه اسم المني، وعلى هذا لا يجب عليها إلا الوضوء لا غير كما لو خرج من فرجها ميل أو مسمار، ومن جهة أن النفاس حيض فكما أنه لا يجب الغسل على الحائض إلا إذا رأت الدم فهكذا في النفساء.
وثانيها: أن الذمية إذا نفست أو حاضت ثم اغتسلت فهل يلزمها الغسل بعد إسلامها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يلزمها إعادة الغسل بعد الإسلام لأن غسلها قد تعلق به حقان: حق الآدمي، وحق اللّه تعالى.
__________
(1) ورد هذا الحديث في رواية عن أم سلمة أنها حاضت فأخذت ثياب حيضتها فلبستها فقال لها رسول الله وكانت مضطجعة معه في الخميلة: ((أنفست...إلخ)) أخرجه مسلم، وفي رواية عن عائشة. وفي كلتا الروايتين عن أم سلمة وعن عائشة أنها كانت مضطجعة مع رسول الله لا رديفة خلفه، والمؤلف يقصد صفية بنت ملحان، كما سيأتي في النفاس، اه‍(جواهر-البحر)ج1 ص 145.

فحق الآدمي: من أجل استباحة الوطء وهو صحيح من جهة أنه لا يفتقر إلى النية فلا جرم حكمنا بصحته في حق الآدمي.
وحق اللّه تعالى: قربةٌ تفتقر إلى النية، فلهذا لم يصح في حق اللّه تعالى لافتقاره إلى النية، والنية لا تصح منها فإذا أسلمت لزمها إعادة الغسل من أجل حق اللّه تعالى.
وثانيهما: أنه لا يلزمها إعادة الغسل بعد إسلامها بحق اللّه لأنه لا حق للآدمي في غسلها، وإنما حقه متعلق بالوطء وشرط استباحة الوطء صحة الغسل بحق اللّه تعالى فلو لم يصح غسلها بحق اللّه لما جاز استباحة الوطء لأنه لو كان حقاً للآدمي لجاز سقوطه بإسقاط الزوج، وإنما صح غسلها في حال كفرها لأجل الحاجة وهو الوطء، فلأجل هذا لم يلزمها إعادة الغسل بعد الإسلام. وهذان الوجهان محكيان عن الشافعي.
والمختار: هو الأول على المذهب(1) ويصير هذا كمن وجبت عليه الزكاة فامتنع من إظهارها فإن الإمام يكرهه على أخذها ويأخذها قهراً منه، فإذا أخذها على هذا الوجه فقد سقط حق الآدمي وهو وجوب دفعها ثانياً فلا يتوجه ذلك عليه. ولا يسقط حق القربة لما كان حقاً لله تعالى، فقد تعلق بها حقان:
حق الآدمي: وهو مطلق الدفع وقد حصل بالإكراه.
وحق اللّه تعالى: وهو القربة لم يسقط بالدفع بالإكراه.
وثالثها: قال الهادي في الأحكام: إذا اجتنبت المرأة ثم حاضت قبل الاغتسال فإن كان الدم مُقَصِّراً اغتسلت(2).
وهذا الكلام إذا اجتنبت ثم نفست. قال السيد أبو طالب: وهذا محمول على الاستحباب من جهة أن رفع الحدث عنها محال مع بقاء الدم فيها.
__________
(1) يظهر من مصطلح المؤلف أن كلمة (المذهب) إذا أطلقها فإن المقصود بها مذهب الزيدية أو أكثر أئمتهم وعلمائهم أو أرجح أقوالهم وأقوى ترجيحاتهم.
(2) بقية كلام الهادي: (.. لجنابتها وإن غلب دم طمثها أجزأها أن تغتسل عند وقت طهرها غسلاً واحداً لطهرها وجنابتها..). ا.ه‍. بلفظه من الأحكام ج1ص61.

ووجه الاستحباب فيه: هو أن النظافة مستحبة في حقها من جهة أن تجديد الطهارة مستحب وإن لم يكن هناك رفع للحدث، ومن أجل ذلك أمر رسول اللّه عائشة بالاغتسال للإحرام وهي حائض، وهذا إذا كان الدم مقصراً، فأما إذا كان [الدم] غالباً فلا وجه له كما قال أبو طالب؛ لأنه لا يؤثر في النظافة، والأقرب استحباب الغسل من أجل التنظيف في حقها لأن الرسول أمرها بالغسل للإحرام ولم يسأل عن كونه مقصراً أو غير مقصر فدل ذلك على أنه غير معتبر في استحباب الغسل في حقها خاصة إذا كان لها زوج فالاستحباب يكون آكد.
مسألة: إذا أسلم الكافر ولم يكن قد وجب عليه الغسل في حال كفره إما للجنابة إن كان رجلاً أو امرأة، وإما بالحيض والنفاس إن كانت امرأة، فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب عليه في هذه الحالة، وإنما يستحب له الاغتسال وهو رأي الأكثر من أئمة العترة وهو قول أكثر الفقهاء أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما.
والحجة على ذلك هو: أنه قد أسلم في زمانه خلق كثير ولم يأمرهم بالغسل فلو أمرهم بذلك لكان منقولاً نقلاً ظاهراً لأنه قد نقل ما هو دونه من أحكام الشريعة.
المذهب الثاني: أنه واجب، وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل وأبي ثور وابن المنذر.
وأقول: إنه ظاهر نص القاسم لأنه قال: المشرك نجس من وجهين:ـ
أحدهما: شركه.
والآخر: ما هو منغمس فيه من رجسه في مأكله ومشربه. فإذا أسلم زالت نجاسة شركه وبقي ما هو عليه من التضمخ(1)
بالنجاسات في كل أحواله فلهذا وجب عليه الغسل من أجل ذلك، وقد قال السيد أبو طالب: إن هذا وجه في إيجاب الغسل على مذهبه يشير إلى ما قلناه من مذهبه في الوجوب.
__________
(1) التضمخ: التلطخ، ولكنه خاص بالطيب كما هو مستعمل وكما جاء في القاموس. واستخدامها هنا للتلطخ بالنجاسة دال على أن المؤلف يرى أنها بمعنى التلطخ مطلقاً، نظراً لشدة التصاق المشركين بالنجاسات؛ لأن علمه في اللغة لا يقل عن علمه في الفقه.

والحجة على ذلك: ما روي أن الرسول أمر قيس بن عاصم المنقري " (1) بالاغتسال لما أسلم، وثمامة بن أثال، وقال لقيس بن عاصم: ((اغتسل بماء وسدر " ))(2). وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من عدم الإيجاب في الغسل لمن هذه حاله.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم، وهو أن الأصل هو عدم الإيجاب فلا يقدم على الإيجاب إلا لدلالة ولا دلالة هاهنا تدل على وجوبه، وهذا دليل ظاهر نستعمله في كثير من المسائل وحاصله: أن الأصل براءة الذمة عن الوجوب حتى تدل دلالة شرعية على شغل الذمة بالواجب.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم في الوجوب.
قالوا: روي عن الرسول أنه أمر قيساً بالاغتسال بماء وسدر وأمر ثمامة، والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر التميمي السعدي، ويقال: أبو علي وأبو قبيصة وأبو طلحة المنقري. وفد على النبي في وفد تميم سنة 9ه‍فأسلم، وقال النبي : ((هذا سيد أهل الوبر)) وكان عاقلاً حليماً، روى عن النبي ، وعنه: ابناه حكيم وحصين وابن ابنه خليفة والأحنف بن قيس والحسن البصري وغيرهم.. نزل البصرة وبنى بها داراً، وبها مات عن اثنين وثلاثين ذكراً من أولاده. اه‍. راجع تهذيب التهذيب 8/357.
(2) جاء في (جواهر الأخبار) عن قيس بن عاصم قال: أتيت رسول الله أريد الإسلام فأمرني أن اغتسل بماء وسدر، هذه رواية أبي داؤد، وفي رواية الترمذي والنسائي: أنه أسلم فأمره النبي بذلك.
قلت: أما ثمامة فهو بالثاء المثلثة المضمومة، بن أثال الحنفي، وحديثه معروف وليس فيه: أن النبي أمره أن يغتسل، لكنه لما أطلقه من الأسر انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فأسلم، أخرج حديثه الستة إلا الموطأ والترمذي من رواية أبي هريرة، اه‍(البحر ج1/101).

أما أولاً: فلأن ما ذكرناه من إسلام كثير من الخلق ولم يؤمروا بالغسل يعارض ما ذكروه، وزوال التعارض بينهما يكون بحمل ما كان من الأمر في حق قيس وثمامة [أنه] إنما كان على جهة الاستحباب دون الوجوب، وعلى هذا تتفق الدلالتان على عدم الوجوب وهو مطلوبنا.
وأما ثانياً: فإنه محمول على أنه قد علم من حالهما أشياء موجبة للغسل وليس كلامنا في هذا وإنما كلامنا فيمن لم يعلم من حاله سبب يوجب الغسل فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ وسيأتي تقرير الكلام فيمن هذه حاله هل يجب عليه أم لا.
قالوا: الكافر نجس لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ " }[التوبة:28]. ولأنهم متلوثون بالنجاسات في كل أفعالهم من أكل وشرب، فلهذا قلنا بوجوب الاغتسال عليهم بعد الإسلام.
قلنا:هذا لا ننكره ولكنا نقول: أما نجاسة الشرك فقد زالت بالإسلام لا محالة وهو أقوى الأسباب، وأما تلوثهم بالنجاسات فهو زائل أيضاً بالإسلام لأن الإسلام إذا كان مزيلاً لنجاسة الشرك فكيف لا يكون مزيلاً لنجاسة الرطوبات وهي أخف حكماً منه. وقد قال : ((الإسلام يَجُبُّ ما قبله " ))(1). ولم يفصل بين حكم وحكم، وأيضاً فإنا قد قررنا فيما سبق أن رطوبة المشركين وسائر أصناف الكفار طاهرة فلا وجه لتكريره.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: أن الكافر والكافرة قد وجب عليهما الغسل في حال كفرهما ثم إنهما أسلما قبل الاغتسال فهل يجب عليهما الغسل أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الغسل عليهما واجب، وهذا هو الظاهر من مذهب العترة وهو المشهور عن الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ " وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}[النساء:43].
__________
(1) أورده في (مجمع الزوائد) ج1 ص 31.

96 / 279
ع
En
A+
A-