والحجة على ذلك: ما روته عائشة رضي اللّه عنها أن الرسول سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام فقال: ((يغتسل)) فإذا أوجب الغسل عند البلل مع تجويز كونه غير مني فلأن يجب الغسل لمن تحقق كونه منياً أولى.
وحكي عن بعض أصحاب الشافعي: أنه لا يوجب الغسل لأنه لم يتحقق كونه منياً ولأن الظاهر أنه خارج منه، فعلى هذا يجب عليه إعادة كل صلاة صلاها قبل الاغتسال بعد أقرب نومة نامها لأنه هو المتحقق بيقين والمستحب أنه يعيد كل صلاة صلاها من الوقت الذي تحقق أنه لم يكن معه المني إلى أن يراه.
وإن احتلم ولم يجد البلل أو شك هل خرج منه المني أم لا. فإنه لا يجب عليه الاغتسال كما ذكرناه من حديث عائشة، وإن رأى المني على فراش أو ثوب يتبذله هو وغيره لم يجب عليه الغسل لجواز أن يكون من غيره. والمستحب أن يغتسل لجواز أن يكون من جهته.
وإن تحقق[أن] المني خرج منه في النوم ولا يعلم متى خرج منه وجب عليه أن يغتسل لتحققه لما يوجب الاغتسال، ويجب عليه أن يعيد كل صلاة صلاَّها بعد أقرب نومة نامها لأن ذلك هو المتيقن، ويستحب له أن يعيد ما صلى من الوقت الذي تيقن أنه حدث بعضه(1).
ولا يجب الاغتسال من خروج المذي لحديث المقداد بن عمرو وقد مر فلا نعيده.
ولا يجب الاغتسال من الودي أيضاً وهو الذي يخرج بعد البول لأنه إذا لم يجب الغسل من خروج المذي لكونه أقرب إلى صفة المني فلأن لايجب بخروج الودي وهو أقرب إلى البول أولى وأحق.
الفرع السادس: وإن خرج من رجل شيء يشبه المني والمذي والودي ولم يتميز له واحد منها ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجب عليه الوضوء لا غير لأن غسل أعضاء الوضوء متيقن على الأحوال كلها، فلهذا كان واجباً، وما زاد على ذلك من وجوب الغسل فهو مشكوك فلم يكن واجباً.
__________
(1) لعل الصواب (بعده) لأن المعنى غير واضح.
وثانيها: أنه مخير بين أن يجعل حكمه حكم المني فيجب الغسل منه ولا يجب غسل الثوب وبين أن يجعل حكمه حكم المذي فيجب الوضوء مرتباً ولا يجب غسل الثوب منه لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
وثالثها: أن يجعل حكمه حكم المني وحكم المذي جميعاً فيجب عليه غسل جميع بدنه، ويجب عليه الترتيب في الوضوء، ويجب عليه غسل الثوب.
فهذه الأقوال كلها محكية عن الشافعي وأصحابه، وهذا هو المختار عندنا على رأي أئمة العترة، فيجب عليه غسل بدنه وغسل الثوب جميعاً ويجب عليه الوضوء مرتباً لأنا إذا أوجبنا الغسل وجب عليه الوضوء لأن الصلاة ثبت وجوبها بيقين فلا بد مما ذكرناه ليسقط فرضها بيقين. فلهذا وجب غسل بدنه وثوبه جميعاً كما ذكرناه.
وإن خرج من قُبُلَي الخنثى المشكل وجب عليه الغسل لأن المني قد خرج من الفرج الأصلي بيقين، وإن خرج من أحدهما فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه غير واجب لجواز أن يكون ذكراً وقد خرج المني من عضو زائد غير الذكر. أو يكون أنثى ويكون المني قد خرج من عضو زائد غير الفرج، فلما كان الأمر فيه كما قلناه لم يجب الغسل مع الشك.
وثانيهما: أنه واجب بكل حال لحديث النبي مع أمير المؤمنين حيث قال له: ((يا علي إذا فضخت الماء فاغتسل " )).
وإن خرج المني من الدبر فهل يجب الغسل أم لا؟ فيحتمل أن يقال: إنه واجب كما يشير إليه كلام أبي العباس لأنه اعتبر خروج المني من غير شهوة موجباً للغسل.
وأما على كلام الهادي فلا غسل عليه لأنه قد اعتبر الشهوة ولا شهوة في خروجه من غير الذكر. وعن الشافعي فيه وجهان(1).
والمختار: أنا إذا قدرنا وقوع هذه الصور النادرة وجب الغسل عند خروج المني سواء قارن الشهوة أم لم يقارنها تعويلاً على الظواهر الشرعية والإطلاقات النقلية فإنها لم تفصل في ذلك بين محل ومحل في خروجه، ولا بين حالة وحالة. والله أعلم بالصواب.
__________
(1) وجوب الغسل وعدمه.
مسألة: التقاء الختانين: هو إيلاج الحشفة في الفرج من غير إنزال، واعلم أن الحشفة من الرجل هي موضع القطع عند ختانه المنحسر قليلاً عن الحشفة، والكمرة هي طرف الذكر وفيها ثقبة البول، فالحشفة متقدمة على قطع الختان،
والذكر والإحليل عبارتان(1)
عن مجموع العضو،وأما المرأة ففي فرجها ثقبتان، فالثقبة الأولى: في أعلى فرجها وهي مخرج البول وفوقها جلدة تشبه عرف الديك مغطية لمخرج البول تقطع عند ختانها. والثقبة الثانية: في أسفل فرجها هي مدخل ذكر الزوج ومخرج الولد والحيض. والملاقاة هي المحاذاة. يقال: التقى الفارسان إذا تحاذيا. فإذا لاقى ختان الرجل ختان المرأة فقد تقابلا وذلك لا يكون إلا بعد تواري الكمرة وهي طرف الذكر وتواري الحشفة أيضاً لأنها متقدمة على ختان الرجل وهو بعدها، فإذا حصل الإيلاج على هذه الصفة من غير إنزال المني فهل يكون موجباً للغسل أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه موجب له وهو قول أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه والخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من جلَّة الصحابة رضي اللّه عنهم وعائشة، وهو قول أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وغيرهم من جلة الفقهاء.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ " }[النساء:43]. والجنابة إنما تقال لغة على الجماع سواء كان معه إنزال أو لم يكن.
__________
(1) هكذا في الأصل.
الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين عن النبي أنه قال: ((إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل " أنزل أم لم ينزل))(1). وهذا نص فيما ذهبنا إليه.
المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو المحكي عن جماعة من الصحابة كأبي سعيد الخدري وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وسعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم ومعاذ بن جبل ورافع بن خديج " (2)
وأبي أيوب الأنصاري وبه قال عروة. وروي عن داود وطبقته من أهل الظاهر. وقيل: إن أبي بن كعب وزيد بن أرقم رجعا عن ذلك وقالا بإيجاب الغسل عليه وإن لم ينزل.
والحجة على ذلك: ما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: ((من جامع ولم يمن فلا غسل عليه " ))(3).
وفي حديث آخر أنه قال : ((من أقحط فلا غسل عليه " ))(4)
والمعنى في الإقحاط هو الإيلاج من غير إنزال أخذاً له من القحط وهو إنقطاع المطر.
__________
(1) رواه زيد بن علي عن آبائه، عن علي وهو حديث مشهور، ورد من عدة طرق، وهو مروي كما جاء في (الروض) عن أبي هريرة وابن عمر ورافع بن خديج، قال: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وفي أكثر الروايات بلفظ: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)) بدون ((أنزل أم لم ينزل)) وهي جملة مؤكدة لا يؤثر حذفها على الحكم بشيء.
(2) رافع بن خديج (بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة) بن رافع الأوسي الأنصاري، صحابي شهد أحداً والخندق. روى عن النبي وعن جماعة من الصحابة، وروى عنه فقهاء من التابعين منهم: سعيد بن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، توفي سنة 73ه(تهذيب التهذيب) ج3ص198.
(3) حكاه في (الشفاء) وضعفه.
(4) روي الحديث عن أبي سعيد أنه خرج مع رسول الله إلى قبا إلى آخر الحديث، رواه مسلم، وللبخاري رواية أخرى بمعناه.
الحجة الثانية: ما روي أنه جاء إلى بعض الأنصار فاستخرجه من بيته وكان الرجل مخالطاً لامرأته فلما سمع قرع الرسول خرج وزال عن مخالطتها فلما بصر به الرسول قال له: ((عجلت عجلت ولم تنزل فلا تغتسل فإن الماء من الماء " ))(1).
وأراد أن الغسل بالماء لا يجب إلا على من أنزل المني وهو الماء.
المذهب الثالث: هو التوقف. وهذا هو المحكي عن الإمام القاسم بن إبراهيم فإنه قد صحح فيه الفتوى، وفي كلامه احتمال للوجوب وعدمه فإنه قال: قد اختلف فيما هذا حاله عن الرسول وعن أمير المؤمنين، واختلف فيه المهاجرون والأنصار وكثرت فيه الأحاديث والروايات. وهذا فيه دلالة على أنه واقف في حكمه. وقال: إن الإحتياط الغسل. وقال: ومن ترك الغسل منه وتوضأ وأخذ بما ذكر عن رجال من الأنصار لم يكن كمن لم يغتسل بعد الإنزال.
وأقول: إن مثل هذا التوقف غير بدع فإنه لا يمتنع تعارض الأمارات الظنية على المجتهد فيقف(2)،
ولا يكون له في المسألة قطع على أحد الاحتمالين. فأما السيد أبو طالب فقد حمل كلامه(3) على موافقة كلام ولده(4)
الهادي من القول بإيجاب الغسل. وغلط من حمل كلامه على خلاف ذلك وهذا فيه نظر، فإن ظاهر كلامه ونصه على الوقف كما نقلناه عنه ورواه الناقلون لمذهبه من أصحابه، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه لتخطئة من حمل كلامه على ظاهره(5)،
__________
(1) هذا الحديث والسابق له حديث واحد، والاختلاف لا يكاد يتجاوز الرواية وبعض الألفاظ.
(2) أي فيتوقف عن القطع برأي معين.
(3) أي كلام القاسم بن إبراهيم.
(4) يقصد حفيد القاسم وهو الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم.
(5) في نسخة: من حمله على ظاهر كلامه.
ولا حرج عليه في ذلك خاصة مع قيام الاحتمال وتعارض الأدلة. فأما قوله: غير أن الإحتياط هو الغسل(1)،
فهو مما يؤيد وقفه في المسألة لأنه لو صفا له دليل الوجوب قال به، فلما لم يَصْفُ عن المعارض له وقف، وهذه هي أمارة التقوى حذراً من الهجوم على القطع من غير بصيرة، وأمارة قوة الفهم حيث أحاط بالأدلة الشرعية وتحقق أنها متعارضة.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وفقهاء الأمة ويؤيد ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حججاً ثلاثاً:
الحجة الأولى: ما روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ((إذا قعد بين شُعَبِهَا الأربع وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل " أنزل أم لم ينزل))(2)
__________
(1) وكلام القاسم في هذه المسألة من بدايته هو كما رواه الهادي قال: حدثني أبي عن أبيه في الرجل يجامع المرأة فلا يُنزل، هل عليهما الغسل أم لا؟ فقال (يعني القاسم) قد اختلف في ذلك عن النبي وعن علي رحمة اللّه عليه، واختلف المهاجرون والأنصار وكثرت فيه الروايات، غير أن الإحتياط أن يغتسل. وقد قيل إن ما أوجب الحدَّ أوجب الغسل. ا.ه. بلفظه من الأحكام ج1ص58.
(2) هذا الحديث روي عن أبي موسى أنه سأل عائشة عما يوجب الغسل فقالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله: (( إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل)) أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل)) زاد في رواية: ((وإن لم ينزل)) أخرجه البخاري ومسلم، وللنسائي نحوه، وهو بلفظه الذي أورده المؤلف في رواية لأبي داؤد. اه(جواهر)1/100.
.والشعب الأربع : شعبتا رجليها وشعبتا شفريها وهما جانبا فرجها(1) هكذا فسره الأزهري" (2)،
وروي عن أمير المؤمنين أنه قال: كيف يجب الحد ولا يجب الغسل.
الحجة الثانية: ما روي أن الصحابة لما اختلفوا في ذلك سألو أزواج رسول اللّه فأخبرن أن رسول اللّه كان يغتسل منه، وروت عائشة قالت: فعلته أنا ورسول اللّه فاغتسلنا. وعن محمد بن علي الباقر أنه قال: اجتمعت قريش والأنصار فقالت الأنصار: ((الماء من الماء)). وقالت قريش: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل " )) فتدافعوا إلى أمير المؤمنين فقال: يامعشر الأنصار أيوجب الحد؟ قالوا: نعم. فقال لهم: فما بال ما يوجب الحد لا يوجب الغسل؟ فأبوا إلا ما قالوه وأبى إلا ما قاله، وهذا فيه دلالة على أن مذهبه وجوب الغسل.
الحجة الثالثة: قياسية وهو أن كل حكم يتعلق بالإنزال فإنه لا محالة يتعلق بالإيلاج كالحد والعدة والإحصان والإحلال للزوج الأول، ولأن الغسل حكم يتعلق بالإنزال فوجب أن يكون متعلقاً بالإيلاج، دليله: فساد الصوم.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
__________
(1) وبين شعَبها الأربع هي يداها ورجلاها أو رجلاها وشفرا فرجها، كَنَّى بذلك عن تغييب الحشفة في فرجها. ا.هقاموس.
(2) محمد بن أحمد بن الأزهر، أبو منصور: أحد الأئمة في اللغة والأدب، مولده ووفاته في هراة بين282و370هحرية بخراسان، نسبته إلى جده الأزهر، عني بالفقه واشتهر به أولاً، ثم غلب عليه التبحر في العربية، فرحل في طلبها وقصد القبائل وتوسع في أخبارهم، ووقع في أسار القرامطة، فكان مع فريق من هوازن (يتكلمون بطباعهم البدوية ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن) كما قال في مقدمة كتابه (تهذيب اللغة-ط-) ومن كتبه: (غريب الألفاظ التي استعملها الفقهاء-خ-) و(تفسير القرآن) و(فوائد منقولة من تفسير للمزني-خ-). ا.ه(أعلام) 5/311، راجع (الوفيات1/311).
قالوا: الحديثان اللذان رويناهما(1)
دالان على أن وجوب الغسل لا يتعلق إلا بالإنزال فيجب الإعتماد عليه.
قلنا: هذان الحديثان منسوخان فلا يعمل عليهما، وإنما قلنا إنهما منسوخان فلما روى سهل بن سعد أنه أخبره أبي بن كعب أن رسول اللّه جعل: ((الماء من الماء))(2).
رخصة في أول الإسلام من البرد لعدم الأثواب ثم نهاهم عن ذلك وأمرهم بالاغتسال منه(3)،
وإنما قلنا: إن كل ما كان منسوخاً فلا يعمل عليه فلأن الشرط في العمل عليه هو أن لا يرد له ناسخ، ومن وجه آخر وهو أن الغسل منه فيه احتياط، خاصة في أمور العبادات، فيجب التعويل على الأخبار الدالة على وجوب الاغتسال منه لما ذكرناه، وقد قال : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " )) فإذا لم يكن الإحتياط واجباً فلا أقل من كونه راجحاً على غيره وهذا هو الغرض الأقصى في الأحكام الاجتهادية.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: وهل يعتبر تواري الحشفة في إيجاب الغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا بد من تواريها في وجوب الغسل، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة، ومحكي عن الفريقين أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما، وعلى هذا يكون قوله : ((وتوارت الحشفة)) يفيد فائدة جديدة غير قوله: ((إذا التقى الختانان)) وقوله: ((إذا لاصق الختان الختان)). من جهة أن الملاصقة لا توجب الغسل إلا بشرط تواري الحشفة.
والحجة على ذلك: حديث زيد بن علي عن آبائه عن الرسول أنه قال: ((إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل)). فظاهر الحديث دال على اعتبار تواريها في وجوب الغسل فلا يجوز إبطاله بالتأويل.
__________
(1) وهما: ((من جامع ولم يمن فلا غسل عليه)) و((من أقحط فلا غسل عليه)).
(2) أي: لا من الإيلاج.
(3) من الإيلاج الذي نهاهم عنه دون أن يغتسلوا.
المذهب الثاني: أن ذلك غير معتبر وإنما المعتبر هو المماسة والمجاوزة(1)
وهذا هو الذي يشير إليه كلام الهادي حيث قال: ولو دنى يقظان من يقظان حتى مس ختان ختاناً فالواجب الغسل، وذلك سواء في الرجال والنساء، وظاهر كلامه دال على أنه لو مس ختان المرأة مثله أو ختان الرجل مثله أو ختان الرجل [ختان] المرأة فإنه موجب للغسل في حقهما جميعاً،وبه قال مالك، فإنه صرح بأنه إذا تماس الختانان وجب الغسل وحمله ابن القاسم(2)
من أصحابه على تواري الحشفة، وظاهر كلامه الإطلاق.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال: ((إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل " ))(3). وقوله : ((إذا قعد بين شعبها الأربع فقد وجب الغسل " )). وقوله : ((إذا أُلصِق الختان بالختان وجب الغسل " ))(4). وقوله : ((إذا ماسّ الختان الختان فقد وجب الغسل " )).
ووجه تقرير الحجة من هذه الأخبار هو: أنه أوجب الغسل بالمماسة والمجاوزة والملاصقة ولم يعتبر تواري الحشفة وفي هذا دلالة على أنه غير معتبر في وجوب الغسل(5).
__________
(1) يظهر أنه يقصد بالمجاوزة مجاوزة الختان للختان كما سيأتي في الحديث الشريف: ((إذا جاوز الختان الختان...))إلخ. وربما قصد المجاورة بالراء المهملة وهي الرادفة للمماسة.
(2) هناك عدد غير قليل من الأعلام يطلق على كل منهم: ابن القاسم، ومنهم على سبيل المثال: عبدالرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، والحسن بن القاسم بن الحفظ الدمشقي، ومحمد بن القاسم الطائي الشامي، وغيرهم. راجع( سير أعلام النبلاء) ج6 ص 5، ص 404، ج15 ص 309، (والكنى والأسماء)ج1 ص 63، ص 130. و(التاريخ الكبير)ج1 ص 214.
(3) تقدم.
(4) تقدم.
(5) أما المجاوزة ففيها نظر. لأن مجاوزة الختان للختان قد لا تحصل إلا بتواري الحشفة، بخلاف المماسة والملاصقة.
والمختار: ما عليه الأكثر من أئمة العترة وفقهاء الأمة من اعتبار تواري الحشفة وغيبوبتها في الفرج، وعلى هذا يكون ذكر التواري شرطاً كما أشرنا إليه من قبل، وعلى قول من لا يشترطه يكون ذكر التواري على جهة البيان والإيضاح من غير أن يكون شرطاً لأن الغسل واجب من دونه على رأي من لا يعتبره.
والحجة: ما حكيناه عنهم من الاحتجاج بخبر زيد بن علي، ونزيد ههنا وهو أن جميع الأحكام المتعلقة بالوطء من الحد والإحصان وغيرها لا بد فيه من اشتراط التواري دون الإمساس والملاقاة فهكذا الغسل من غير تفرقة بينهما.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: الأحاديث التي رويناها دالة على بطلان التواري فإنه لم يذكر فيها إلا الملاقاة والإلصاق والإلزاق والمماسة ولم يعتبر توارياً، وفي هذا دلالة على بطلان اعتبار التواري.
قلنا: قد روينا من حديث زيد بن علي وأبي هريرة في الخبرين اللذين رويناهما ذكر التواري، وسكوته عن ذكره فيما رووه من الأحاديث لا يدل على بطلان اعتباره بل إنما سكت عنه لأن يكون مردوداً إليه بالقياس كغيره مما يكون حكمه معلوماً بالقياس على غيره.
ومن وجه آخر: وهو أن الأحاديث التي رووها من غير ذكره، نهاية أمرها أنها مطلقة. وما ذكرناه من حديث زيد بن علي وأبي هريرة مقيد بما ذكرناه من اشتراط التواري فيجب حملها عليهما جمعاً بين الأدلة وحذراً عن المناقضة بينها.
الفرع الثاني: إذا أولج ذكره في دبر امرأة أو دبر رجل أو دبر خنثى مشكل وجب عليه الغسل عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما.
والحجة على ذلك هو: أنه أحد السبيلين فوجب الغسل بتغييب الحشفة كالفرج.
فإن أولج ذكره في دبر بهيمة أو فرجها أو في فرج امرأة ميتة أو دبرها فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يجب عليه، وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي، وهو محكي عن الشافعي.