---
الباب السابع في الغسل وبيان خواصه
الغسل بفتح الفاء(1) في اللغة- هو المصدر فنقول: غسل يغسل غَسْلاً كما نقول: ضرب يضرب ضرباً،وبضمها الاسم من الاغتسال الذي يكون في مقابلة المصدر، وبكسرها ما يغسل به من سدر أو أشنان أو صابون أو غير ذلك مما يغسل به ويستعمل في النظافة.
وهو في لسان حملة الشريعة:عبارة عن إفاضة الماء على جميع البدن من قمة الرأس إلى قرار القدم باطناً وظاهراً مع الدلك مقروناً بالنية.
فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر الأمور الموجبة للغسل ثم نذكر صفة الغسل ثم نردفه بما يجوز للجنب فعله وما لا يجوز ثم نبين الغسلات المسنونة فهذه فصول أربعة:
__________
(1) الفاء: أول الكلمة من (فعل) كما هو معروف في مصطلح الصرف.

---
الفصل الأول في بيان الأمور الموجبة للغسل
المني إذا خرج لشهوة وجب الغسل عند أئمة العترة وفقهاء الأمة من الصحابة والتابعين ولا يعرف فيه خلاف.
والحجة على ذلك: قوله : ((الماء من الماء ))(1).
لأن من خرج منه المني عن شهوة فهو جنب، وقد قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6]
والجنابة في اللغة:خروج المني على جهة الشهوة فإن خرج المني من غير شهوة فإنه يكون ناقضاً للوضوء عند أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يعرف فيه خلاف، لقوله : ((الوضوء مما خرج " )). ولم يفصل ولأنه خارج من أحد السبيلين فنقض الوضوء كالبول. وهل يوجب الغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يوجب الغسل سواء كان خروجه لشهوة أو من غير شهوة، وهذا هو الذي ذكره أبو العباس لمذهب الهادي، وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن النبي أنه قال: ((إذا كان ففيه الغسل " )). ولم يفصل بين حالة وحالة في كونه موجباً للغسل.
الحجة الثانية: قياسية: وهو أنه مني فيجب أن يكون خروجه موجباً للغسل كما إذا كان خارجاً مع الشهوة.
المذهب الثاني: أنه لا يوجب الغسل إلا إذا كان خارجاً لشهوة وهذا هو قول أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة ومالك، وأحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: ما روى أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه حيث قال: أمرت المقداد يسأل لي رسول اللّه عن المذي فقال: ((يا مقداد هي أمور ثلاث " إلى أن قال: والمني الماء الدافق إذا كان مع الشهوة وجب الغسل)). وهذا نص يرفع الخلاف.
الحجة الثانية: قياسية: وهو أنه خارج من قصبة الذكر متنوع نوعين: أعلى وأدني.
فأعلاه: ما كان خارجاً بشهوة.
وأدناه: ما كان خارجاً من غير شهوة.
فإذا وجب في أعلاه الغسل لم يجب في أدناه، دليله الحيض والاستحاضة فإن الحيض موجب للغسل وهو أعلى والاستحاضة غير موجبة وهي أدناه.
__________
(1) أخرجه النسائي عن أبي أيوب، وأخرج مسلم نحوه من رواية أبي سعيد كما جاء في البحر 1/97.

والمختار: ما قاله السيد أبو العباس أنه موجب للغسل بكل حال وهو رأي الشافعي.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهما من الاحتجاج، ونزيد ههنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا فضخت الماء فاغتسل ))(1).
ولم يشترط كونه حاصلاً عن شهوة، فالعموم في الخبر لجميع الحالات حاصل حتى تدل دلالة، ولا دلالة هاهنا في ظاهر الخبر على قيد من القيود.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((الماء من الماء)). ولم يفصل في ذلك، فوجب إبقاء هذه الأخبار على ظاهرها من غير تأويل.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: روي في حديث أمير المؤمنين عن النبي أنه قال: ((والمني الدافق إذا كان مع شهوة " )). فاشترط الشهوة في وجوب الغسل.
قلنا: عما ذكروه جوابان:
أما أولاً: فلأن ما قاله من تقييد الشهوة ليس وارداً على جهة الاشتراط فيلزم ما قالوه، وإنما أورده على أنه على جهة الغلبة والكثرة لا أنه شرط في وجوب الغسل وانتفائه مع عدمها.
__________
(1) هذا تتمة الحديث السالف عن علي أنه قال: (( كنت رجلاً مذاءً. إلى أن قال: فذكرت ذلك للنبي أو ذُكِرَ له فقال: ((لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة فإذا فضخت الماء فاغتسل)) أخرجه الستة بروايات عدة، وهذه لأبي داؤد، ذكر في (الجواهر تخريج آحاديث البحر) بعد هذا الحديث حاشية لفظها: فضخت الماء بالفاء ثم ضاد ثم خاء معجمتين، أي: دفقت المني.اه‍. ج1/11.

وأما ثانياً: فلأن حديث المقداد إنما ورد على جهة التفرقة بين الأنواع الثلاثة: الودي والمذي والمني، فذكر الشهوة في المني ليس على جهة الاشتراط ولكنه وارد على جهة التمييز والتفرقة بين هذه الأمور الثلاثة، وإذا كان هناك محمل لذكرها ضعف الاحتجاج به، والأحاديث التي رويناها في إيجاب الغسل من المني على الإطلاق في ورودها فلهذا كانت أرجح(1).
قالوا: متنوع إلى أعلى وأدنى فلا يكون الأدنى مؤثراً في وجوب الغسل كالحيض والاستحاضة.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأن المعنى في الأصل أن دم الحيض مخالف لدم الاستحاضة فلا جرم كان الحيض موجباً للغسل دون الاستحاضة، ولهذا أشار صاحب الشريعة إلى التفرقة بينهما بقوله في دم الاستحاضة ((إنه دم عرق " )) بخلاف المني فإنه شيء واحد لا اختلاف فيه سواء كان عن شهوة أو غير شهوة.
وأما ثانياً: فلأنه في جنسه موجب للغسل فلا يختلف حاله بين أن يكون من شهوة أو غير شهوة، كالبول فإنه موجب لنقض الوضوء لا يختلف حاله في ذلك.
قالوا: ولأنه يخرج من البدن لا على جهة الشهوة والدفق فلا يكون موجباً للغسل كالمذي.
قلنا: المعنى في الأصل كونه غير مني فلا يوجب غسلاً بخلاف المني الخارج من غير شهوة فإنه مني كالخارج مع الشهوة فافترقا.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: إذا أمنت المرأة من فرجها وجب الغسل عليها عند أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه ومالك.
والحجة على ذلك:
ما روت أم سليم الأنصارية(2)
__________
(1) يبدو من لفظ الحديث أن الشهوة شرط في إيجاب الغسل؛ لأنها اقترنت فيه بأداة الشرط، ثم إن بالإمكان القول بأن هذا الحديث مخصص أو مقيد للإطلاق أو العموم في الحديث السابق، والله أعلم.
(2) أم سليم بنت ملحان والدة أنس بن مالك، وزوج أبي طلحة الأنصاري، روت عن النبي وعنها ابنها أنس بن ملك، وعبد الله بن عباس وعمرو بن عاصم الأنصاري وغيرهم.
قال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية فولدت له أنساً، فلما جاء الله بالإسلام أسلمت وعرضت عليه الإسلام فغضب عليها وخرج إلى الشام فتزوجت بعده أبا طلحة. إ ه‍. تهذيب التهذيب ملخصاً ج12/497.

قالت: يارسول اللّه إن اللّه لا يستحي من الحق،
أرأيت المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل، أتغتسل أم لا؟
فقال الرسول : ((فلتغتسل إذا وجدت الماء ))(1)
وللمرأة ماء كماء الرجل لما روت عائشة عن الرسول أنه قال: ((إن للمرأة ماء كماء الرجل " ولكن اللّه أسر ماءها وأظهر ماء الرجل))(2)
والشبه بين الرجل(3) وأبويه أو أحدهما، يكون على حسب غلبة الماء لما روت عائشة عن النبي أنه اجتمع إليها نسوة من قريش ومن الأنصار فقالت عائشة: يا رسول اللّه هؤلآء النسوة جئنك يسألنك عن أشياء يستحين عن ذكرها فقال: ((إن اللّه لا يستحيي من الحق " )) فقالت: ترى المرأة في منامها ما يرى الرجل فهل عليها غسل؟ فقال: ((عليها الغسل إن لها ماء كماء الرجل فإذا ظهر ماؤها على ماء الرجل ذهب الشبه إليها وإذا ظهر ماء الرجل على مائها ذهب الشبه إليه وإذا اختلط كان الشبه منه ومنها، فإذا ظهر منها ما يظهر من الرجل فلتغتسل))(4).
وحكي عن إبراهيم النخعي: أنه لا يجب عليها الغسل.
والحجة له على ذلك: ما روي من حديث عائشة ((وأن اللّه أسر ماءها وأظهر ماء الرجل)).
__________
(1) الماء: المني.
(2) هو والحديث السابق له والتالي من بعده حديث واحد سيأتي.
(3) المقصود: المولود أو الرجل والمرأة.
(4) هذا الحديث روي من عدة طرق وبألفاظ مختلفة منها روايتان لمسلم، ومنها عن عائشة أن نسوة من الأنصار...إلخ، ومنها عن عائشة أن أم سليم سألت رسول الله، وفيه روايات أخر للموطأ وأبي داؤد و النسائي، بما يفيد أن المرأة إذا رأت في منامها ما يرى الرجل فعليها الغسل إذا وجدت الماء أي: المني.

ووجه تقرير الحجة: هو أن الغسل إنما يجب بظهور الماء كالرجل فإذا كان مستتراً فلا وجه لإيجاب الغسل عليها، وما ذكره النخعي فاسد فإنا لا ننكر أن الأغلب في العادة استتار مائها ولكنا نقول: إذا برز وجب الغسل، فإذاً الخلاف مرتفع بيننا وبينه في المسألة فإنا نقول: إذا لم يخرج منها فلا وجه لإيجاب الغسل، وهو لا يخالفنا في ذلك وهو يسلم لنا [أنه] إذا خرج وجب الغسل عليها، اللهم إلا أن يقول: إنه لا يجب عليها سواء خرج أو لم يخرج كان هذا خطأ فإن الرسول قال: ((الماء من الماء)) ولم يفصل بين الرجل والمرأة. ولأنه ماء خرج لشهوة عند الوقاع فكان موجباً للغسل كالمني.
الفرع الثاني: المني الذي يوجب الغسل من الرجل، هو ماء أبيض غليظ له ريح الطلع إذا كان رطباً وله ريح العجين إذا كان يابساً أو البيض، فهو متميز بالريح واللون والغلظ، وقد يتغير عما ذكرناه لعلة تحدث فيخرج رقيقاً أصفر لمرض، وقد يخرج متلوناً بالحمرة إذا أجهد [الرجل] نفسه في الجماع. وأما ماء المرأة فهو أصفر رقيق فإذا خرج وعرفته بانقطاع شهوتها فإنه يجب عليها الغسل كما أوضحناه، وإنما سمي منياً لأنه يراق ويصب في الأرحام ولهذا يسمى الموضع منا(1)
لما يراق فيه من الدماء ويصب،فأما المذي والودي فليس فيهما غسل وإنما يجب الوضوء منهما وقد مر الكلام على صفاتهما وعلى أنهما لا يوجبان الغسل فأغنى عن الإعادة.
وإن استدخلت المرأة مني الرجل في فرجها ثم خرج فإنه يجب عليها الوضوء، لقوله : ((الوضوء مما خرج)) ولم يفصل، ولا يجب عليها الغسل لأنه إنما يجب إذا كان المني حاصلاً عن الجماع ولا جماع هاهنا وإنما هو خارج كما لو أدخلت في فرجها دم حيض، فإنما يجب عليها الوضوء عند خروجه منها ولا يجب عليها الاغتسال.
وإن أمذى الرجل فهل يجب عليه مع غسل موضع المذي، [غسل] ذكره وأنثييه أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) جاء في حاشية الأصل: مِناً مُنَوَّناً أينما وقع ذكره.

أحدهما: أنه لا يجب عليه غسلهما، وهذا هو قول أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال في بعض الأخبار: ((وينضح على فرجه ويتوضأ ))(1)
يعني بالنضح: غسل ما أصابه المذي لاغير.
وثانيهما: أنه يجب عليه غسل ذكره وأنثييه، وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل، أو غسل ذكره وهذا هو رأي مالك.
والحجة على ما قالاه: ما روي عن المقداد بن عمرو(2) في حديث أمير المؤمنين لما سأله عن المذي فقال: ((يغسل ذكره ويتوضأ " )). وفي حديث آخر: ((يغسل ذكره وأنثييه " )).
والمختار: ما قاله أصحابنا والفقهاء من جهة أنه خارج لا يوجب غسل جميع البدن فلا يوجب غسل ما لم يصبه كالبول، وما قالوه محمول على الاستحباب لا غير.
الفرع الثالث: قال الهادي في الأحكام: من رأى في منامه أنه يجامع ثم انتبه ولم ينزل فلا غسل عليه(3) ، لقوله : ((فإذا فضخت الماء فاغتسل " )). وهذا لم يفضخ ماء فلم يجب عليه غسل.
وإن رأى في منامه أنه يجامع فاستيقظ فلمس رطوبة فنظره (4)
فوجده مذياً وأيقن أنه لم ينزل فإنه لا غسل عليه ;لأنه على يقين من الطهارة ولم يتحقق ما يوجب الغسل من إنزال المني
وإن شك في الإمناء لم يجب عليه الغسل لأن الطهارة ثابتة بيقين فلا يزول حكمها بالشك.
__________
(1) سبق في حديث علي.
(2) جاء في ترجمته للعلامة السياغي: هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة، من اليمن، وكان الأسود بن عبد يغوث ادعاه لأنه كان حليفاً له فنسب إليه ورجع إلى نسبه. وكان فارس رسول الله يوم بدر، إلى أن قال: ويكنى: أبا معبد، مات بالجرف فحمل على رقاب الرجال حتى دفن بالمدينة سنة 33ه‍وهو ابن سبعين سنة أو نحوها. اه‍(الروض النضير) ج1 ص367.
(3) لفظ الأحكام: ولو أن رجلاً رأى في المنام أنه يجامع ثم انتبه ولم ينزل لم يكن عليه في ذلك غسل.ا ه‍. ج1ص59.
(4) أي: الخارج.

قال المؤيد بالله: ومن استيقظ من نومه فوجد بللاً فلا غسل عليه ما لم يعلم أنه مني، وهكذا إذا غسل البلل قبل أن يتحقق حاله لم يجب عليه الغسل وإن وجد بللاً مع ذكر الاحتلام.
والوجه في هذه المسائل كلها: أنه على يقين من الطهارة وشاك في الإمناء.
وحكي عن أبي حنيفة ومحمد: أنه إذا رأى بللاً ولم يذكر الاحتلام فعليه الغسل، وهو محكي عن الثوري و مالك؛ لأن الغالب من حال البلة عند النوم أنها مني.
وحكي عن أبي يوسف أنه لا غسل عليه كمقالتنا حتى يتيقن الاحتلام، وعندنا لا بد من اعتبار تحقق الإنزال مع يقين الاحتلام ولا يغني أحدهما عن الآخر.
وحكي عن الحسن بن صالح: أنه إذا وجد البلة حين استيقظ وجب عليه الغسل.
وإن وجدها بعدما يقوم ويمشي فلا غسل عليه لأنه لا يحتمل البلل عقيب النوم إلا أن يكون منياً بخلاف ما إذا وجده بعدما قام فإنه يحتمل أن يكون مذياً.
قال الشافعي: الأحب أن يغتسل، وظاهر كلامه دال على الاستحباب إذ لا وجوب هناك لعدم التحقق للإمناء.
الفرع الرابع: قال الهادي في الأحكام: وإن وجد في ثوبه منياً ولم يذكر جنابة وجب عليه الاغتسال(1).
لما روته عائشة أن الرسول سئل عن الرجل يجد بللاً ولا يذكر احتلاماً قال: ((يغتسل))(2).
__________
(1) لأنه قد رأى في ثوبه ما يجب فيه الغسل. ا.ه‍بلفظه من كلام الهادي في الأحكام. ج1ص59.
(2) هذا الحديث جاء في (جواهر الأخبار) عن عائشة أن رسول الله سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً، قال: ((يغتسل))، وعن الرجل يرى أنه احتلم ولا يجد بللاً، قال: ((لا غسل عليه)). قالت أم سلمة: والمرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال: ((نعم النساء شقائق الرجال)) أخرجه أبو داؤد والترمذي. اه‍. 1/99.
والخلاصة كما جاء في (متن الأزهار) للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى: أن الغسل على من تيقن المني وظن الشهوة لا العكس.

والظاهر من كلام الهادي هو الإطلاق وحمله السيد أبو طالب أنه لا يلبسه سواه. فإن كان يلبسه غيره لم يجب عليه الاغتسال، وهذا جيد لأنه إذا كان يلبسه غيره لم يتحقق كونه من جهته لأجل الاحتمال، وإذا كان مقصوراً عليه فالظاهر أنه منه وإن لم يكن ذاكراً له.
وإن رأى رجلٌ في نومه أنه جامع ولم يجد البلل فإنه لا غسل عليه، لما روته أم سليم: أن المرأة ترى ذلك هل عليها غسل؟ فقال الرسول : ((نعم إنما النساء شقائق الرجال " ))(1).
ومن شك في الإمناء فلا غسل عليه من جهة أن الطهارة إذا كانت ثابتة بيقين فلا يزول حكمها بالشك.
وإن خرج المني من رجل فاغتسل ثم خرج منه المني ثانياً فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
أولها: أنه لا غسل عليه بحال سواء كان خارجاً قبل البول أو بعده، وهذا هو المحكي عن مالك والزهري والليث وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وهذا هو الذي يأتي على كلام الإمامين الهادي والمؤيد بالله وأكثر العترة.
والحجة على ذلك: هو أن المني عندهم ليس موجباً للغسل إلا إذا كان خارجاً عن شهوة على جهة الدفق فإذا خرج دفعة ثانية لم تكن الشهوة مقارنة له، ولهذا لم يكن موجباً للغسل.
وثانيها: أن الغسل واجب عليه بكل حال سواء كان قبل البول أو بعده، وهذا هو الذي يشير إليه كلام أبي العباس الحسني وهو رأي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المني موجب للغسل على أي وجه خرج فالدفعة الثانية كالدفعة الأولى في إيجاب الغسل.
وثالثها: أنه ينظر فيه فإن كان قبل البول فإنه يوجب الغسل وإن كان بعد البول فإنه غير موجب له، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة له على ذلك: هو أنه إذا خرج قبل البول فهو من المني الأول الخارج بالشهوة، فلهذا أوجب الغسل، وإن كان بعد البول لم يجب فيه الغسل لأنه لم يخرج بدفق وشهوة.
__________
(1) تقدم في الحديث السابق.

والمختار: إيجابه للغسل بكل حال لما قررناه من قبل من أن المني موجب للغسل سواء خرج لشهوة أو من غير شهوة(1)،
وقد قررناه من قبل، ولأن الغالب من المني أنه لا يخرج إلا عن شهوة وخروجه من غير شهوة إنما يكون على جهة الندرة والنادر لا حكم له وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في تقديم البول على غسل الجنابة، ولأن ما هذا حاله مني آدمي انفصل عن محله فأوجب الغسل كما لو خرج ابتداء.
الفرع الخامس: وإن أحس الرجل بانتقال المني منه ولم يخرج منه شيء فلا غسل عليه عند أئمة العترة وهو قول أكثر فقهاء الأمة.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه سئل عن الرجل يرى أنه احتلم ولا يجد البلل فقال: ((لا غسل عليه " ))(2).
وحكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: يجب عليه الاغتسال.
وحجته على ما قاله هو: أن إيجاب الغسل إنما هو معلق بانفصال المني والغالب من حاله أنه إذا انفصل فهو خارج لا محالة فإذا تأخر خروجه في بعض الأحوال فهو نادر. فلأجل هذا علقناه بالأمر الأكثري وهذا غلط، فإن كل ما أوجب الطهارة فالاعتبار فيه بالظهور لا بالإنتقال كالحدث، ويؤيده كلام صاحب الشريعة حيث قال: ((إذا فضخت الماء فاغتسل)). والفضخ إنما يكون عند الظهور لا غير.
وإن وجد المني على فخذه أو في ثوب لا ينام فيه غيره ولم يتيقن خروجه منه، وجب عليه الغسل عند أئمة العترة وهو قول الأكثر من أصحاب الشافعي.
__________
(1) في آخر الفرع الثالث السابق، قال المؤلف ما لفظه: عندنا لا بد من اعتبار تحقيق الإنزال مع يقين الاحتلام ولايغني أحدهما عن الآخر. إ.ه‍. وهنا يرى في (المختار) أن خروج المني موجب للغسل سواء خرج لشهوة أو لغير شهوة. وهذا قد يظهر تناقضاً ولا تناقض فيه وذلك لأمرين:
أحدهما: أن قوله الأول يتعلق بإمناء النائم.
وثانيهما: أنه يرى أن المني لا يخرج إلا لشهوة إلا في النادر الذي لا حكم له. فتأمل والله أعلم. إ.ه‍.
(2) تقدم قريباً.

94 / 279
ع
En
A+
A-