أحدهما: أنه لا بد من أن يكون مقدراً، وهذا هو رأي الإمام الهادي، فإنه قال: وأُحِبَّ لمن توضأ ثم اشتغل بشيء من أمور الدنيا فأطال في ذلك حتى نسي ماله توضأ، من بيع أو شراء أو حديث. فقدره بالطول والنسيان.
وثانيهما: أنه غير مقدر، وهذا هو رأي المؤيد بالله، لأنه أطلق من غير تقييد، والتفرقة بين المذهبين ظاهرة، فعلى هذا يستحب الوضوء إذا كان قد اشتغل بالأمور المباحة مطلقاً من غير تقييد على رأي المؤيد بالله، فأما على رأي الهادي فلا يستحب إلا إذا كان جامعاً بين الأمرين: الإطالة والنسيان.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله إذا قلنا بالاشتراط؛ لأنه إذا اشتغل فكأنه قد صرفه عن مقصوده من العبادة، وهذا حاصل في كل فعل من الأمور المباحة من غير تقدير.

---
السُّنة الحادية والعشرون(1): يستحب للمتوضئ أن يدعو عند اشتغاله بغسل أعضائه
__________
(1) الدعاء عند غسل أعضاء الوضوء، مستحب كما أكده المؤلف بقوله: (يستحب للمتوضي).. وليس بسنة، وكذا كثير مما سبقه من تعداد للسنن ولعل تعدادها بلفظ: (السُنَّة..) فيما ندب إليه الرسول ً، أو استحبه العلماء وباعتبار المعنى اللغوي للسنة جاء تغليباً لما تضمنته من السنن مثل السواك، والتسمية، والولاء، والدعاء ...إلخ مما يستند إلى قول أو فعل يفيد الندب والاستحباب في السنة المطهرة. وهذا ما أوضحه المؤلف بعد فراغه من تعداد السنن.

لقوله تعالى:{أدْعُوْنِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }[غافر:60]. فيدعو عند كل عضو بما يكون مختصاً به، فيقول عند غسل فرجيه: اللهم استر عورتي في الدنيا وحصن فرجي من النار، وعند المضمضة والاستنشاق: اللهم لقني الشهادة عند الموت وشممنا روائح الجنة، وعند غسل وجهه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض الوجوه، وعند غسل يديه: اللهم اعطني كتابي بيميني ولا تؤتنيه بيساري ولا من خلفي ولا من وراء ظهري، وعند مسح رأسه: اللهم حرم شعري وبشري على النار، وعند مسح أذنيه: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعند غسل قدميه: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام(1)
__________
(1) جاء في الاعتصام ما لفظه: وروى أبو حاتم عن أنس قال: دخلت على النبي ً وبين يديه إناء من ماء فقال لي: ((يا أنس ادْن أُعلمك مقادير الوضوء)). فدنوت من رسول اللّه ً، فلما أن غسل يديه قال: ((بسم اللّه وبالله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله)). فلما استنجى قال: ((اللهم حصن لي فرجي، ويسر لي أمري)). فلما أن تمضمض واستنشق قال: ((اللهم لقني حجتي ولا تحرمني رائحة الجنة)). فلما أن غسل وجهه قال: ((اللهم بيض وجهي يوم تبيض الوجوه)). فلما أن غسل ذراعيه قال: ((اللهم اعطني كتابي بيميني)). فلما أن مسح يده على رأسه قال: ((اللهم غشنا برحمتك وجنبنا عذابك)). فلما أن غسل قدميه قال: ((اللهم ثبت قدمي يوم تزول فيه الأقدام)). ثم قال النبي ً: ((والذي بعثني بالحق نبياً ما من عبد قالها عند وضوئه لم يقطر من خلل أصابعه قطرة إلا خلق اللّه منها ملكاً يسبح اللّه بسبعين لساناً يكون ثواب ذلك التسبيح له إلى يوم القيامة)). ورواه ابن حبان في تأريخه في ترجمة عباد بن صهيب. قال الشيخ سراج الدين: لكن قال أبو داود: قدريٌ صدوق فيما يروي. قال أحمد: ما كان بصاحب كذب. قال: وله طرق أخرى موضحة ذكرتها في تخريج حديث الرافعي. ذكر هذا الشيخ سراج الدين في كتابه (تحفة المحتاج) واحتج به. ا.هـ.

.

---
السُّنة الثانية والعشرون: والمستحب لمن فرغ من الوضوء أن يستقبل القبلة
ويقول، ما روي عن عمر رضي اللّه عنه، أن النبي ً قال: (( من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله -صادقاً من قلبه-، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فتح اللّه له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء))(1) . أو يقول ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي ً قال: (( من توضأ فقال بعد فراغه من ضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق وطبع عليها بطابع فلم ينكسر إلى يوم القيامة))(2)
__________
(1) فيه روايات لمسلم وأبي داود والنسائي. وفي جواهر الأخبار استناداً إلى رواية الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه ً: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد ألاَّ إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء)). وروي نحوه أحمد بن عيسى في أماليه، وورد الحديث في البحر والاعتصام.
(2) جاء في روايات عدة مع اختلاف في بعض اللفظ، ونسب في بعض رواياته إلى الطبراني والنسائي، وقال صاحب الجواهر: وذكر في الترغيب والترهيب نحوه ونسبه إلى الطبراني والنسائي، وصوب وقفه على أبي سعيد. ا.هـ. والذي يظهر هو خلاف ذلك وهو أن الحديث ورد في أمالي أحمد بن عيسى بسنده عن علي عليه السلام وبلفظ: ((ما من مسلم يتوضأ ثم يقول عند وضوئه مرة: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألاَّ إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم اجعلني من المتطهرين واغفر لي إنك على كل شيء قدير، إلاَّ كتبت في رق ثم ختم عليها، ثم وضعت تحت العرش حتى تدفع إليه بخاتمها يوم القيامة)). ا.هـ. وهو في الشفاء، وفي الأمالي أيضاً بسنده عن أبي جعفر قال: قال رسول اللّه ً: ((.. ومن قال إذا فرغ من وضوئه: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين إنك على كل شيء قدير، وجبت له الجنة وغفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر)).

. أي ختم عليها بخاتم.

---
السُّنة الثالثة والعشرون: والمستحب لمن أحدث وضوءاً أن يصلي بعده ركعتين
، لما روي عن النبي ً أنه قال: (( رأيت ليلة أُسريَ بي جارية في الجنة، . فقلت: لمن هذه يا جبريل؟ فقال: لبلال، فقلت لبلال: أي شيء تصنع؟ فقال: لا شيء، إلا أني ما أحدثت وضوءاً إلا صليت بعده ركعتين))(1). ويستحب الاجتهاد في الإخلاص فيهما، وتفريغ القلب من أجلهما، لما روى عقبة بن عامر )، قال: أدركت رسول اللّه ً، يخطب الناس فسمعته يقول: (( ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه وبوجهه إلا أوجب))(3)
__________
(1) قال الشوكاني في مناقب بلال: وأخرج أحمد والطبراني في المعاجم الثلاثة، عن أبي أمامة، ورجال بعض أسانيدها ثقات، قال: قال رسول اللّه ً: ((إني دخلت الجنة فسمعت خَشْفَةً بين يدي فقلت: يا جبريل ما هذه الخشفة؟ قال: بلال يمشي أمامك)). والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة وفي البخاري من حديث جاء بأطول من هذا، وفيه أنهً سأله (يعني بلالاً) بأرجى عمل عمله في الإسلام. فقال: لا أتطهر إلا صليت بذلك الطهور ما كُتِب لي أن أصلي. ا.هـ. (در السحابة 369). وجاء الحديث في (جواهر الأخبار) قال: أخرجه البخاري، ومسلم.
(2) عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو الجهني، صحابي مشهور اختلف في كنيته، ولي مصر لمعاوية سنة 44هـ، لثلاث سنوات. روى عنه: جابر، وابن عباس، وأبو أمامة، وقيس بن أبي حازم. توفي سنة 60هـ آخر أيام معاوية. ودفن بالمقطم. ا.هـ. (تهذيب التهذيب ج7/216). (در السحابة ص799).
(3) أخرجه أبو داود، والنسائي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللّه ً: ((ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة)). أورده ابن بهران (رحمه اللّه) في (الجواهر). وأورد بعده ما لفظه: وعن زيد بن خالد الجهني، أن رسول اللّه ً قال: ((من توضأ فأحسن وضوءه ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)). أخرجه أبو داود، وفي ذلك أحاديث أخر. ا.هـ. ج2/80.

. ومعنى قوله: أوجب أي: وجبت له الجنة.
دقيقة: اعلم أن هذه الأمور المشروعة في الوضوء مما ليس فرضاً، يجمعها كلها أنها ليست شرطاً في صحة الصلاة، ثم إنها على ثلاثة أضرب:
فالضرب الأول: المسنونات التي تكرر فعلها من جهة الرسول ً، وكان مجمعاً على كونها سنة يداوم على فعلها، وهذا نحو السواك، ومسح الرقبة، وإدخال الماء في صماخيه، وتكرير الوضوء ثانية وثالثة، وتجديد الطهارة، وتطويل الغرة وأن يستعمل يمينه في وضوئه، ونعني بالإجماع: كونها متفقاً على كونها سنة عند أئمة العترة وعلماء الأمة، الفرق الثلاث: الحنفية والشافعية والمالكية دون من عداهم.
الضرب الثاني: ما وقع فيه خلاف في فرضيته وكونه مسنوناً، وهذا نحو غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، والمضمضة، والاستنشاق، وتخليل اللحية الكثيفة، ومسح جميع الرأس، ومسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، فهذه الأمور كلها قد وقع فيها تردد، فعندنا أنها مفروضة وخالفنا في ذلك الشافعي وغيره من الفقهاء، وزعموا أنها مسنونة وقد قررنا البرهان الشرعي على كونها مفروضة فأغنى عن الإعادة.
الضرب الثالث: المستحبات، وهي التي لم تكثر مواظبة الرسول ً على فعلها، وهذه في الرتبة دون رتبة المسنونات، لما ذكرناه من عدم تكرر فعلها من جهة الرسول ً، وهذا نحو الاشتنان والجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة فإنه قد فعله وفعل خلافه، ولهذا عددناه في الأمور المستحبة، ونحو الدعاء عند غسل الأعضاء فإنه يعد من المستحبات إلى غير ذلك من الأمور التي يكون استعمالها دون استعمال غيرها من الأفعال المسنونة في الوضوء.
فأما الفقهاء فقد قالوا: إن جميع ما اشتملت عليه أعمال الوضوء منقسمة إلى أقسام ثلاثة: واجبات ومسنونات وهيئات:

فأما الواجبات: فهي ما كان شرطاً في صحة الصلاة وكان معتبراً في صحة الوضوء أيضاً، وهي إما مجمع عليها وهو غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، وإما مختلف فيها، نحو النية، وغسل الفرجين، والترتيب، والموالاة، فهذه هي الفرائض الواجبة.
وأما المسنونات: فهي كل ما كان ليس شرطاً في الصلاة ولا في صحة الطهارة، وهذا نحو المضمضة، والاستنشاق، وتخليل اللحية، واستيعاب مسح الرأس، ومسح الأذنين والرقبة، وتكرير الوضوء ثانية وثالثة في الغسل، والمسح، والبداية باليمين.
وأما الهيئات عندهم: فهي التي تُعنَى(1) بالمستحبات، وهي دون المرتبة في المسنونات كما مر تقريره، وهذا نحو تخليل الأصابع، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق، وتطويل الغرة، والدعاء عند غسل الأعضاء، هذا كله تقرير أصحاب الشافعي من الفقهاء، وقد وقع بينهم تردد في التسمية وغسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، هل يعدان من المسنونات أو يكونان معدودين من الهيئات؟ ولهم فيهما وجهان، والأمر في ذلك قريب بعد إدراك المعنى المقصود من هذه العبارات والوقوف على حقائقها، والله أعلم.
__________
(1) في (ق): تُعرف.

الإنتصار
على علماء الأمصار
في تقرير المختار من مذاهب الأئمة
وأقاويل علماء الأمة
تأليف الأمام / يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني
توفي عام 749 هـ
الجزء الثاني
تحقيق
عبدالوهاب بن علي المؤيد علي بن أحمد مفضل
أعده إلكترونياً
نزار بن عبدالوهاب المؤيد طارق بن محمد الصعدي
:ملاحظة : هذه نسخة إلكترونية أولى ونرحب بأي ملاحظات على البريد الإلكتروني:
info@awahab.com
حقوق الطبع محفوظة لدى مؤسسة الإمام زيد (ع) الثقافية

93 / 279
ع
En
A+
A-