---
السُّنة الثالثة عشرة: تكرير المسح في الأذنين ظاهرهما وباطنهما
يستحب كما كان ذلك في الرأس.
وقد دللنا على وجوب مسحهما وذكرنا الانتصار له فأغنى عن الإعادة، لما روي عن أمير المؤمنين في صفة وضوء رسول اللّه ً، أنه ألقم بإبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة.
وكيفية المسح فيهما على السنة، أن يدخل مسبحتيه في صماخي أذنيه، ويدير إبهاميه على ظاهر أذنيه، ثم يضع الكف على الأذنين استظهاراً على تعميم مسحهما.
---
السُّنة الرابعة عشرة: ويستحب إدخال الماء في العينين
قال الإمام الناصر: ويستحب أن يفتح عينيه عند غسل الوجه حتى يدخل الماء فيهما، وقال: إن ذلك يصحح العين ويجلوها.
وقد ذكرنا قول من أوجب ذلك وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن تكريره.
---
السُّنة الخامسة عشرة: غسل ما استرسل من اللحية
لأنه ليس من الوجه وإنما يفعل زيادة في التنظيف.
وقد ذكرنا أنه ليس بواجب واخترناه وذكرنا الانتصار له.
---
السُّنة السادسة عشرة: مسح الذوائب من الرأس مستحب
لأن الواجب ما كان على تدوير الرأس، فأما ما نزل عن تدويره فإنما هو مستحب غير واجب زيادة في التنظيف.
---
السُّنة السابعة عشرة: يستحب تطويل الغرة والحجلة
لما روي عن النبي ً [أنه] قال (( تحشر أمتي يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء )) (1) فالغرة: ما كان في الوجه كغرة الفرس. والتحجيل: ما كان في اليد والرجل أخذاً له من تحجيل الفرس، وذلك إنما يكون فيما زاد على الفرض من الوجه، واليدين، والرجلين، فأما الفرض فهو خارج عن ذلك بدليل آخر.
__________
(1) وهو عن أبي هريرة بلفظ: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل))، وفي رواية أخرى: ((أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله)). أخرجه البخاري ومسلم.
---
السُّنة الثامنة عشرة: ويستحب إذا كان في يده خاتم بحيث يدخل الماء تحته، أن يحركه
لما روى أبو رافع أن رسول اللّه ً، كان يحرك خاتمه في يده، فإن كان واسعاً لم يستحب تحريكه وإن كان بحيث لا يمكن دخول الماء تحته وجب إخراجه وغسل ما تحته، وقد قررنا موضع الوجوب منه ودللنا عليه.
---
السُّنة التاسعة عشرة: ويستحب أن يكون استعمال الوضوء بيمينه دون يساره
لما روي عن النبي ً، أنه كان يحب التيامن في كل أفعاله، وفي حديث آخر: كانت يمين رسول اللّه ً لطعامه وشرابه ووضوئه، ويساره لما عدا ذلك، ولقوله ً في حديث الخاتم: (( اليمين أحق بالزينة ))(1) فإذا كانت أحق بالزينة في لبس الخاتم، كانت أحق بفضل الطاعة في الوضوء وغيره.
__________
(1) قوله: كان رسول اللّه يحب التيامن...إلخ. روته عائشة وأخرجه الستة إلا الموطأ وقد تقدم، وقوله: كانت يمين رسول الله...إلخ. عن عائشة أيضاً. أخرجه أبو داود، وفي رواية أخرى عن حفصة: أن رسول اللّه كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وأخذه وإعطائه، ويجعل شماله لما سوى ذلك. أخرجه أبو داود، وأشار في الجواهر إلى أن في إسناده مقالاً.
وحديث: ((اليمين أحق بالزينة))سيأتي في موضعه.
---
السُّنة العشرون: ويستحب تجديد الطهارة لكل صلاة
لما روى ابن عمر رضي اللّه عنه. قال: سمعت رسول اللّه ً، يقول: (( من توضأ على طهر كتب اللّه له بذلك عشر حسنات))(1) ، وفي حديث آخر عن النبي ً أنه قال: (( الوضوء على الوضوء نور على نور ))(2).
وهل يجب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الفريقين: الحنفية، والشافعية، وهو قول مالك.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً أنه كان يتوضأ لكل صلاة،. وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد(3). ومثل هذا لا يخفى حاله عن الرسول ً، فلو كان واجباً لأنكر عليهم تركه فلما لم ينكره دل على عدم وجوبه.
المذهب الثاني: أنه واجب، وهو محكي عن أقوام، وهذا الخلاف يليق بأهل الظاهر، وقد حكي عن غيرهم.
والحجة لهم على ذلك: قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6]..إلى آخر الآية.
__________
(1) أخرجه أبو داود والترمذي، وهو مروي عن ابن عمر بلفظه دون كلمة ((...بذلك)).
(2) أورده في البحر والشفاء وجواهر الأخبار والاعتصام بلفظه وغمز في صحته بعض الرواة. وفي جواهر الأخبار ما لفظه: قال الحافظ عبدالعظيم في هذا الحديث: لا يحضرني له أصل من حديث النبي ً ولعله من كلام بعض السلف. قلت: لكن في الجامع عن عثمان: أن النبي ً توضأ مرتين مرتين وقال: ((هو نور على نور)). ذكره رزين. ا.هـ. (جواهر).
(3) وفيه أنه ً: كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم فتح مكة فإنه صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد. أورده في (الاعتصام) وفي (الجامع الكافي)، و(شرح التجريد) بروايات إحداها عن علي عليه السلام.
وتقرير وجه الدلالة من الآية: هو أن اللّه تعالى أمر كل من قام إلى الصلاة بالوضوء، ولم يفصل في ذلك بين أن يكون على طهارة أو غير طهارة في إيجاب الوضوء عليه عند قيامه، ولهم حجج غير هذه الآية سنوضحها عند الكلام على الانتصار عليهم.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من كونه غير واجب.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً، أنه كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، فحملنا تكرير الوضوء لكل صلاة على الأفضلية والندب، وحملنا ما خالف ذلك على الجواز توفقة بين الأدلة وعملاً عليها.
الحجة الثانية: ما روى جابر بن عبدالله، قال: ذهب رسول اللّه إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه فقدمت له شاةً مقلية فأكل وأكلنا، ثم حانت صلاة الظهر فتوضأ وصلى ثم رجع إلى فضل طعامه، فأكل ثم حانت العصر فصلى ولم يتوضأ(1).
الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنه لم يقع من المتوضئ شيء بعد انعقاد وضوئه إلا فعل المباحات، وفعل المباح لا يعد ناقضاً في العادة ولا من جهة الشرع، فلا يجوز نقض الوضوء بحال.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: آية الوضوء دالة على وجوب فعل الوضوء لكل صلاة.
قلنا: هذا فاسد لوجهين:
أما أولاً: فلأن الآية إنما تناولت من كان غير متوضئ، فأما المتوضئ فالإجماع منعقد على خروجه عن ظاهر الآية.
وأما ثانياً: فإنهم معارضون بما ذكرناه من الأخبار، ولن تكون طريقة التوافق بينها إلا بما ذكرناه من حمل الأخبار على الاستحباب، وحمل ظاهر الآية على من كان محدثاً، وهذه طريقة مستقيمة، أعني الموافقة بين الأدلة حذراً عن التعارض والإبطال لها.
قالوا: روي عن الرسول ً، أنه قال لمن علمه الوضوء: (( توضَّ كما أمرك الله )). ولم يفصل بين أن يكون على طهارة أو غير طهارة.
__________
(1) أخرجه ابن حبان في كتابه (التقاسيم والأنواع)، (راجع الروض النضير ج1/314).
قلنا: أمره إنما يكون لمن كان محدثاً دون من كان طاهراً كما وضح بالدلالة التي ذكرناها في الآية، فبطل ما قالوه.
قالوا: روي عن النبي ً أنه كان يتوضأ لكل صلاة، ولم يؤثر أنه صلى بوضوء واحد إلا يوم الفتح لأمر عارض، وفي هذا دلالة على وجوبه.
قلنا: قد نقلنا من الأخبار ما دل على أنه صلى صلوات عدة بوضوء واحد، وهذا يبطل ما قالوه، وإنما كان ذلك من جهته عليه السلام إيثاراً للفضل وعملاً على الاستحباب لكل صلاة بوضوء، فلو كان واجباً كما زعموه لم يؤثر عنه خلاف ذلك، كما لم يؤثر عنه أنه صلى بغير وضوء.
وهل يشترط في تجديد الطهارة لكل صلاة اشتغاله ببعض المباحات أم لا(1)؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك مشترط، وهذا هو الذي صرح به الإمامان: الهادي والمؤيد بالله، قال الهادي: وأحب لمن توضأ ثم اشتغل بشيء من المباحات من أمور الدنيا أن يعود لتطهيره فليتطهر. قال المؤيد بالله في (التجريد) وشرحه: ويستحب تجديد الطهارة لمن اشتغل بسائر المباحات مصرحاً بالاشتراط بالاشتغال.
وثانيهما: أنه لا يشترط ذلك في تجديدها بشيء من الإشتغال بالأمور المباحة.
والحجة للإشتراط: هي أنه لم يُرو عن أحد من السلف أنه جدد الطهارة مع الجمع بين الفرضين أو اتباع فرض بنفل أو نفل بفرض، فدل ذلك على أنه شرط في الاستحباب للتجديد.
والحجة لعدم الاشتراط وهو المختار: هو ما رويناه عن ابن عمر، وما رويناه عن غيره من قوله: (( الوضوء على الوضوء نور على نور)). وقوله: (( من توضأ على طهر كتب اللّه له بذلك عشر حسنات)). فهذان الخبران دالان على استحبابه من غير شرط.
وإذا قلنا بأنه مشترط، فهل يكون ذلك الأمر المباح مقدراً أم لا؟ فيه وجهان:
__________
(1) صواب العبارة: وهل يشترط تجديد الطهارة بعد اشتغاله ببعض المباحات.