---
السُّنة السادسة: أن يتولى فعل الوضوء بنفسه وأن لا يستعين بغيره
لقوله ً: (( أما أنا لا أستعين على الوضوء بأحد ))(1). وهذا هو قول أئمة العترة والفريقين: الحنفية والشافعية، فإن استعان بغيره نظرت، فإن كان بتحصيل مقدمات الوضوء نحو نزح الماء إن كان في بئر أو نقله من الجرة إلى المتوضّئ لم يكره ذلك بحال؛ لأن ما هذا حاله ينزل منزلة غسل الثوب لتأدية الصلاة.
وإن استعان بغيره فيما سوى ذلك نظرت، فإن استعان بغيره لصب الماء جاز ذلك، لما روي أن أسامة بن زيد )، والمغيرة بن شعبة، والربيع بنت معوذ، صبوا على الرسول ً، الماء وهو يتوضأ. وإن وضأه غيره ولم يوجد من جهة المتوضئ إلا النية، فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكون مجزياً له، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الفريقين: الحنفية، والشافعية، ومحكي عن مالك.
والحجة على ذلك: هو أن فعل المتوضئ غير مستحق في الطهارة، ولهذا فإنه لو وقف تحت مصب الماء أو مطر أو ميزاب، ونوى الطهارة ومر الماء على أعضاء الطهارة، أجزأه.
__________
(1) جاء في جواهر الأخبار ما لفظه: وقد قال في التلخيص: حديث أنه ً قال: ((أنا لا أستعين على الوضوء بأحد)). قاله لعمر وقد بادر ليصب على يديه الماء. قال النووي في شرح المهذب: هذا حديث باطل لا أصل له.
(2) أسامه بن زيد بن حارثه. ترجم له الشوكاني فقال: المولى الأمير الكبير حِبُّ رسول اللّه ً ومولاه وابن مولاه أبو محمد، ولد بمكة قبل الهجرة ونشأ على الإسلام؛ لأن أباه كان من أول الناس إسلاماً، وكان رسول اللّه ً يحبه حباً جماً، وينظر إليه نظره إلى سبطيه الحسن والحسين (عليهما السلام). أمَّره النبي قبل أن يبلغ العشرين من عمره وكان في الجيش أبو بكر وعمر والكبار من الصحابة، مات بالمدينة عام 54هـ.، روى له البخاري ومسلم 128حديثاً (در السحابة ملخصاً).

المذهب الثاني: أنه لا يجزيه، وهذا شيء يحكى عن داود وطبقته من أهل الظاهر.
والحجة على ذلك: قوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. وهذا خطاب للمؤمنين بفعل الغسل وتحصيله.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة، من القول بإجزائه، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا، وهو أن المقصود، هو حصول المصلي متوضئاً وهذا حاصل سواء كان بفعله أو فعل غيره.
الانتصار: قالوا: الآية دالة على أن المتوضئين مخاطبون بفعل الوضوء.
قلنا: هذا فاسد، فإن المراد من الآية، هو تحصيل الغسل بدليل ما ذكرناه وسواء كان حاصلاً بفعله أو فعل غيره، فإنه لا تفرقة بينهما فبطل ما توهموه.

---
السُّنة السابعة: مسح الرقبة
وذلك سنة عند أئمة العترة ومحكي عن الفريقين: الشافعية، والحنفية، ومروي: عن مالك.
والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، عن رسول اللّه ً أنه قال: (( من توضأ ومسح سالفتيه بالماء وقفاه أمن من الغل يوم القيامة))(1). وروي عن أمير المؤمنين، أنه لما مسح رأسه مسح عنقه.
وفي كيفية مسحها مذهبان:
أحدهما: أنه يمسح بباقي ماء الرأس، وهذا هو رأي الهادي.
وحجته على هذا: هو أن المأثور عن أمير المؤمنين أنه كان يمسح رأسه ويجيل يديه على عنقه، ولم يؤثر في مسح الرقبة أنه أخذ لها ماء جديداً(2).
وثانيهما: أنه يؤخذ لها ماء جديد، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن الفريقين: الحنفية والشافعية.
__________
(1) رواه أحمد بن عيسى في الأمالي بلفظه عن علي عليه السلام وحكاه عنه أيضاً في الشفاء. الغل: بضم الغين: ما تغل به اليدان إلى العنق، وبكسرها: الحقد والكراهية. (الاعتصام 1/225).
(2) هذا الحديث روي من عدة طرق، ومنها: عن وائل بن حجر في صفة وضوء النبي ً، وفيه: ثم مسح رأسه ثلاثاً، ومسح ظهر أذنيه، ومسح رقبته، وباطن لحيته. رواه الطبراني في الكبير، والبزار. ا.هـ. (روض ج1/199).

والحجة على ذلك: هو أن الماء الواحد لا يجتمع كونه فرضاً ونفلاً، فإذا أخذ لهما ماءً جديداً، كان قد فصل بين الفرض والنفل، وهذا هو المختار لما ذكرناه في الاحتجاج ولأن ظاهر الأحاديث التي وردت في مسح الرقبة دالة على استقلالها بالمسح وأنه يؤخذ لها ماء جديد، وإذا مسحت الرقبة فلا تكرير في مسحها؛ لأنه لم يرد التكرير فيها من جهة الرسول ً، قولاً ولا فعلاً كما ورد التكرير في أعضاء الوضوء مغسولها وممسوحها، ومسح الرقبة أقل السنن الواردة في الوضوء، لأن الأحاديث الواردة في الوضوء على لسان أمير المؤمنين وعثمان وعبدالله بن زيد، وغيرهم من جلة الصحابة، ليس فيها ذكر تكرير مسح الرقبة، وقد روى أمير المؤمنين عن رسول اللّه ً فيها ما حكيناه، وهو حديث منفرد عما روي في الوضوء، وهو مصدق فيما قال ونقل، والسنة في مسح الرقبة، هو ما تضمنه الحديث الذي رواه أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، بأن يمسح القفى والسالفتين، فالقفى مقصور يُذَكَّرُ ويؤنث، وهو مؤخر العنق والسالفتان، هما جانبا الرقبة من عن يمينها وشمالها، إحداهما من ناحية مقدم العنق من لدن معلق القرط إلى قَلْتِ الترقوة(1). والثانية كذلك من الجانب الآخر، وأما باطن العنق فلا سنة في مسحه، وهو من ثغرة النحر إلى الحلقوم، وهو موضع الذبح، فيأخذ غرفة من الماء ثم يرسلها، ويضع على قافيته يديه، ثم يسحبهما على سالفتيه بباطنهما، فإذن هو قد مسح رقبته على السنة، فأما ما روي من أنه يؤخذ بشيء من الماء فيوضع في الحلق ثم في مؤخر العنق، فلم أقف عليه في شيء من كتب أصحابنا الفقهية ولا رأيته في كتب الأحاديث ولا عرفته لأحد من الفقهاء، إلا شيئاً حكاه العمراني من أصحاب الشافعي عن بعض الناس ولا أعرف قائله.
__________
(1) الترْقُوتان: العظمان المشرفان بين ثغرة النحر والعاتق تكون للناس وغيرهم. وجمعها: التراقي. ا.هـ. لسان 10/32.

---
السُّنة الثامنة: التنشيف للأعضاء
من بلل الوضوء والغسل وأي شيء يكون في حكمه، فيه مذاهب أربعة:
أولها: أنه جائز في الغسل والوضوء جميعاً، وهذا هو المحكي عن الحسن بن علي وعثمان وأنس بن مالك وبشير بن أبي مسعود ) كلهم من الصحابة رضي اللّه عنهم وهو مروي عن مالك، والثوري.
والحجة على ذلك: ما روى قيس بن سعد قال: أتانا رسول اللّه ً، فوضعنا له غسلاً فاغتسل به ثم أتيناه بملحفة مورسة(2)، فالتحف بها فرأيت أثر الورس على عُكَنِه(3)، والعكنة: بالضم هي معاطف البطن تكون من شدة السمن.
وثانيها: أنه يكون مكروهاً، وهو المحكي عن عمر رضي اللّه عنه فإنه كرهه في الوضوء، والغسل جميعاً، وبه قال ابن أبي ليلى.
__________
(1) واسمه: عقبة بن عمرو البدري الأنصاري المدني، قيل: إن له صحبة، روى عن أبيه، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وعروة بن الزبير، وهلال بن جبر الكوفي، ويونس بن ميسرة.
قيل: إنه قتل بالحرة سنة 63هـ. وثقه العجلي وابن شاهين وابن حبان. تهذيب الكمال 4/172.
(2) مصبوغة بالورس. وهو نبات يصنع منه صباغ أصفر.
(3) وروي نحوه في أمالي أحمد بن عيسى، عن ثوبان، وروايتان أخرجهما الترمذي، عن عائشة، وعن معاذ، (راجع الاعتصام ج1/232).

والحجة على ذلك: ما روت ميمونة (رضي اللّه عنها) قالت: دخل علينا رسول اللّه ً، فوضعت له غسلاً فاغتسل به، فلما فرغ ناولته المنديل فلم يأخذه وأعرض عنه(1).
وثالثها: ما حكي عن ابن عباس رضي اللّه عنه: أنه جائز في الغسل دون الوضوء.
والحجة على ذلك: هو أن البلل في الغسل يكثر فلهذا جاز التنشيف فيه بخلاف الوضوء فإن بلله قليل فلا حاجة إلى إزالته.
ورابعها: أنه مستحب، وهذا شيء حكاه الشيخ أبو حامد الغزالي عن بعض الفقهاء.
والحجة على ذلك: هو أن في إزالة البلل في الوضوء والغسل جميعاً التصاون عن الغبار الذي يلصق من أجلهما فلهذا كان مستحباً ولا أعرف لأئمة العترة نصاً فيه.
والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، والذي يقتضيه قياس المذهب أنه يكون جائزاً لحديث قيس بن سعد، وأن يكون المستحب تركه لما رويناه من حديث ميمونة، ولأنه أثر عبادة فاستحب تركها كخلوف فم الصائم.
__________
(1) أخرجه الستة إلا الموطأ بلفظ: ((.. فناولته المنديل فلم يأخذه ودخل ينفض الماء عن جسده)). واللفظ لأبي داود، وهذا الحديث يختلف في ظاهره عما روته عائشة: ((كان لرسول اللّه خرقة يتنشف بها بعد الوضوء)). أورده أحمد بن عيسى في الأمالي. وأخرجه الترمذي وفيه عن معاذ قال: رأيت رسول اللّه يمسح وجهه بطرف ثوبه، ومثله عن ثوبان مولى رسول اللّه ً. ولعل الجمع بين الحديثين يتطابق مع ما عليه جمهور الفقهاء من أن التنشف بعد الوضوء أو الغسل جائز وليس سنة، مع العلم بأن أدلة فعل النبي له أكثر وأقوى من إعراضه عنه. ويرى المؤلف أن التنشيف جائز. وأن تركه مستحب كخلوف فم الصائم عملاً بالجمع بين ما ورد في أحاديث الفعل والترك.

---
السُّنة التاسعة: الجمع بين المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة
اعلم أنا قد ذكرنا في بيان المفروض والمسنون فيهما، قولاً بالغاً يطلع على الأسرار والفوائد، والذي نذكره هاهنا، هو إفراد المسنون عن المفروض منهما، فالذي عليه أئمة العترة أن المسنون فيهما هو جمعهما في غرفة واحدة، وهو الذي نقله المزني عن الشافعي.
والحجة على ذلك: ما رواه أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) في وصف وضوء رسول اللّه ً، أنه تمضمض واستنشق من غرفة واحدة جمعهما فيها(1).
ونقل البويطي عن الشافعي: أنه يفصل بينهما، هذا هو المسنون فيهما.
والحجة على ذلك: ما رواه طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول اللّه ً يفصل بينهما، قال المحاملي: وهو الأصح على رأي الشافعي، وقد سبق ذكر المختار والانتصار له.
__________
(1) قال في الروض ج1/208: أخرجه أحمد، والبزار، وابن ماجة، وغيرهم، إلا أن التصريح بكون الثلاث من كف واحد إنما هو عند ابن ماجة. ا.هـ. ولكنه في الغرفة الواحدة جمع بينهما، مروي من أكثر من طريق.

---
السُّنة العاشرة: الاشتنان
وصفته: ما رواه ابن عباس عن أمير المؤمنين في صفة وضوء رسول اللّه ً وهو أنه لما فرغ من المضمضة والاستنشاق، وغسل وجهه، أخذ بكفه اليمين قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تشنن على وجهه، ثم غسل ذراعيه بعد ذلك حتى أتم وضوءه. فحديث الاشتنان إنما كان عن أمير المؤمنين دون غيره من الصحابة ممن وصف وضوء رسول اللّه ً، كعثمان وغيره من الصحابة فقد انفرد به كما ترى.

---
السُّنة الحادية عشرة: الموالاة في غسل الأعضاء
وقد قررنا بطلان وجوب الموالاة، وإذا تقرر بطلان وجوبها فهي من الأمور المسنونة، وهو القول الأخير للشافعي، وحكي عنه قول قديم في إيجابها، وقد مضى تقريرها فلا معنى لإعادة الكلام فيه.

---
السُّنة الثانية عشرة: إذا فرغ من وضوئه فلا ينفض يديه
وهكذا إذا فرغ من غسل يديه فلا ينفضهما، لما روي عن النبي ً أنه قال: (( إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم)). وفي حديث آخر: (( لا تنفضوها فإنها مراوح الشيطان ))(1). وإنما شبهها بالمراواح؛ لأنها لا تزال تضطرب في جذب الهواء فلهذا شبهها بها.
__________
(1) هذا الحديث ضعفه ابن حبان، وابن أبي حاتم، والنووي في شرح المهذب، ورجح إباحة ذلك. قلت ويؤيده ما جاء في حديث ميمونة حيث قالت: ((.. وجعل ينفض الماء عن جسده)). ا.هـ. (جواهر).

91 / 279
ع
En
A+
A-