والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( لخلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك)). والخلوف بضم الخاء بنقطة من أعلاها وضم اللاّم، هو تغير فم الصائم. يقال: خلف فمه خلوفاً إذا تغير، والمعنى أن اللّه إذا أدرك خلوف فم الصائم فهو في حقه مما كان طاعة أطيب من رائحة المسك في حقنا، فيجب تأويله على ما ذكرناه لأنهما يختلفان في حق اللّه تعالى في حقيقة الإدراك، فيدرك هذا طيباً كما ندرك هذا كريهاً، لكون الخلوف لما كان مثاباً عليه نازلاً منزلة المسك في حقنا في طيبه ومحبة رائحته.
والمختار: أنه غير مكروه للصائم بعد الزوال كما قاله أصحابنا لأمرين:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم زوال الخلوف بالسواك.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا زواله بالسواك، لكن المواظبة على السواك أفضل وإن زال الخلوف، لكثرة ما ورد في السواك من الأحاديث وتكرر فعل الرسول له؛ فلهذا كان التعويل عليه أحق، فالحديث في الصائم لا يناقض ما ذكرناه من استحباب السواك للصائم بعد الزوال.
الفرع الخامس: في بيان ما يُستاك به.
ويحرم الاستياك بقضبان أشجار السمومات لما فيها من المضرة وإتلاف النفس، وقد قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيْمَاً}[النساء:29]. ويكره بما كان يجرح اللثة كالعيدان اليابسة والحديد، وغير ذلك مما يكون صلباً ليس فيه تنقية للقلح، ويستحب بقضبان الأراك، لما روت عائشة أن الرسول ً استاك في مرضه بسواك من أراك(1)، ويجوز أن يستاك الرجل بقضبان الأشجار الرطبة بما يكون فيه تنقية للفم وإزالة القلحة، وإن استاك بالخرقة الخشنة أجزأه ذلك لمشاركتها للقُضُب في الإزالة، فإن أمرَّ يده على أسنانه لم يجزه عن السنة لعدم إطلاق اسم السواك عليها، وحكي عن مالك جوازه، لما روي عن النبي ً أنه قال: (( يجزئ الرجل أن يستاك بأصبعه ))(2)
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي في باب وضوء النبي ً.
(2) قال في جواهر الأخبار ما لفظه: هكذا في الانتصار. وفي التلخيص ما لفظه: ((يجزئ من السواك الأصبع)). رواه ابن عدي والدارقطني والبيهقي من حديث عبدالله بن المثنى، عن النضر بن أنس، عن أنس وفي إسناده نظر، وقال في الضياء: لا أرى بسنده بأساً. وقال البيهقي: المحفوظ عن ابن المثنى، عن بعض أهل بيته، عن أنس نحوه، ورواه أيضاً عن طريق ابن المثنى، عن ثمامة، عن أنس، ورواه أبو نعيم، والطبراني، وابن عدي من حديث عائشة، وفيه المثنى بن الصباح، ورواه أبو نعيم من حديث كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، وضعفه كثيرون. وأصح من ذلك ما رواه أحمد في مسنده من حديث علي بن أبي طالب عليه السلام: (أنه دعا بكوز من ماء فغسل وجهه وكفيه ثلاثاً وتمضمض فأدخل بعض أصابعه في فِيْهِ). الحديث. وفي آخره: (هذا وضوء رسول اللّه ً). وروى أبو عبيد في كتاب الطهور عن عثمان أنه كان إذا توضأ سَوَّك فاه بأصبعه. وروى الطبراني في الأوسط من حديث عائشة، قلت: يا رسول اللّه الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال: ((نعم)). قلت: كيف يصنع؟ قال: ((يدخل أصبعه في فيه)). رواه من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا عيسى بن عبدالله الأنصاري، عن عطاء عنها (عائشة) وقال: لا يروى إلا بهذا الإسناد. قلت: وعيسى ضعفه ابن حبان وذكر ابن عدي هذا الحديث من مناكيره. ا.هـ. جواهر.
. والحق ما قلناه، وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي؛ لأن اليد غير مزيلة لعفونة الفم من أجل لينها، فلهذا لم يكن سواكاً.
ويكره للرجل إذا استاك أن يدخل سواكه في وضوئه؛ لأنه بمنزلة من يبصق في وضوئه، ومثل هذا تعافه النفوس وتستقذره، ويستحب إذا أراد السواك مرة ثانية أن يغسله، لما رويناه من حديث عائشة حيث استاكت بالسواك ثم غسلته وناولته رسول اللّه ً، ويستحب الخلال لما فيه من إزالة ما بين الأسنان فأشبه السواك في إزالته لعفونة القلح، ويجوز اتخاذ عود الخلال مما يتخذ منه السواك؛ لأنهما سيان في تطهير الفم، وإزالة ما كان فيه.
الفرع السادس: في كيفية الاستياك.
ويستحب لمن أراد السواك أن يبدأ بالجانب الأيمن من فيه، لما روي عن النبي ً أنه كان يحب التيامن في كل شيء، ويستحب أن يستاك عرضاً لقوله ً: (( استاكوا عرضاً وادهنوا غباً واكتحلوا وتراً )). وادهان الغبّ أن يدهن يوماً ويترك يوماً حتى يجف رأسه عن الدهن ثم يدهن، لما روي عن النبي ً أنه نهى عن الإرفاه، قال أبو عبيدة: هو كثرة الدهن، واكتحال الوتر هو أن يكتحل لكل عين ثلاثة أطراف، لما روي أنه كان للنبي ً مكحلة يكتحل في كل ليلة في كل عين ثلاثة أطراف، والطول في الاستياك هو أن يكون في الفم إلى جهة الأنف والذقن، والعرض جانبا الفم خلاف ذلك، وإنما كره الطول لما فيه من قلع لحم الأسنان وإزالته، هذا كله إذا كان فاعلاً لأحدهما كان العرض أحق لما ذكرناه وإن جمع بينهما جاز عرضاً وطولاً برفق لئلا يؤدي إلى ما ذكرناه من قلع لحم الأسنان، ويحتمل أن يكون الطول منهياً في الاستياك سواء كان منفرداً أو مضموماً، لما روي عن النبي ً أنه قال: (( استاكوا عرضاً ولا تستاكوا طولاً)). ولم يفصل في النهي عن الطول بين أن يكون منفرداً أو مضموماً إلى العرض، والأول أقرب؛ لأن النبي ً، قد روي أنه كان يستاك عرضاً وطولاً.
---
السنة الثانية: أن يوالي بين غسل أعضائه ولا يفرق بينها
لما روي عن أمير المؤمنين وعثمان بن عفان أنهما توضيا على جهة الموالاة والتتابع من غير تفريق، وقالا: هذا وضوء رسول اللّه ً، وأدنى درجاته الاستحباب.
وهل يكون ذلك واجباً أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه غير واجب وإنما هو مستحب كما أشرنا إليه، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في الجديد، إذا كان الزمان كثيراً بحيث يجف العضو، فأما إذا كان يسيراً فلم يختلف قوله في جواز التفريق.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}.
وتقرير الحجة من هذه الآية: هو أن اللّه تعالى أمر بغسل هذه الأعضاء على جهة الإطلاق من غير تقييد ولا إشارة إلى التتابع، فإذا ورد الأمر مطلقاً من غير تفصيل دل على جوازه سواء كان متتابعاً أو متفرقاً، وظاهر الآية هو أدنى متمسك في حق من جوَّز التفريق حتى تدل دلالة من جهة الخصم على وجوب اشتراط التتابع كما زعموا.
الحجة الثانية: ما روى خالد بن معدان )، عن الرسول ً أنه رأى رجلاً على قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره بإعادة الصلاة بعد أن قال: (( إن كنت أمسسته الماء فامض في صلاتك وإن لم تكن أمسسته فاخرج من صلاتك)). فقال:يا رسول اللّه كيف أصنع؟ استقبل الطهور؟ فقال: (( لا بل اغسل ما بقي ))(2). وهذا نص صريح فيما ذهبنا إليه من جواز التفريق، وقد روي عن ابن عمر، والثوري.
__________
(1) أبو عبدالله خالد بن معدان بن أبي كليب الكلاعي الشامي الحمصي، روى الحديث عن: ثوبان، وابن عمر، ومعاوية، وأبي أمامة، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء. يعتد من الطبقة الثالثة من فقهاء الشام بعد الصحابة، وروي عنه أنه أدرك سبعين رجلاً من أصحاب النبي ً. وثقه العجلي والنسائي، اشتهر بالعلم والعبادة. توفي وهو صائم سنة 103هـ. (تهذيب التهذيب ج3/102).
(2) أورده في جواهر الأخبار بلفظ: أنه رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره النبي ً أن يعيد الوضوء والصلاة. أخرجه أبو داود، وعلق عليه صاحب الجواهر بقوله: ولا دلالة فيه على المطلوب، بل ظاهره دليل للمخالف، لكن في أصول الأحكام عن علي عليه السلام أنه قال: بينا أنا ورسول اللّه ً جالسان في المسجد إذ دخل رجل من الأنصار حتى سلم وقد تطهر وعليه أثر الطهور فتقدم في مقدم المسجد ليصلي فرأى رسول اللّه جانباً من عقبه جافاً، فقال لي: ((يا علي هل ترى ما أرى))؟ قلت: نعم، فقال ً: ((يا صاحب الصلاة...)) إلخ. وفي نهايته: فقلت: يا رسول اللّه لو صلى هكذا أكانت صلاته مقبولة؟ فقال: ((لا حتى يعيدها)). ا.هـ. وجاء بلفظه في الجامع الكافي وأورده في الاعتصام.
المذهب الثاني: امتناع التفريق، وهذا هو قول الشافعي في القديم ويحكى عن أحمد بن حنبل، والأوزاعي، ثم اختلف أصحاب الشافعي في حد التفريق، فمنهم من قال: حد الكثير منه الذي يفسد الوضوء هو جفاف العضو قبل أن يغسل ما بعده في زمان معتدل مع استواء الحال.
فقولنا: في زمانٍ معتدل، نحترز به عن شدة الحر والبرد والريح، فإن هذه الأمور يتسارع فيها الجفاف.
وقولنا: واستواء الحال، نحترز به عما إذا كان المتوضئ محموماً فإن الجفاف يسرع إليه لأجل الحمَّى، فأما التفريق اليسير فلا عبرة به، ولا يكون مخلاً بالوضوء، ومنهم من قال: الاعتبار إنما هو بالتفريق الفاحش المتطاول زمانه.
والحجة على ذلك: قياسهم على الأذان، وتقرير قياسهم عليه هو قولهم: عبادة ذات أركان مختلفة تتقدم على الصلاة فلا يجوز فيها التفريق كالأذان، وقياسهم له على الصلاة، وتقرير ما قالوه: بأنها عبادة تبطل بالحدث أو ترد إلى الشطر(1) في حال العذر، فكان التتابع شرطاً فيها كالصلاة. فهذه زبدة ما أوردوه في نظرية القول بامتناع التفريق.
المذهب الثالث: محكي عن مالك وله فيه روايتان:
الأولى منهما: أنه إن فرق بين أعضاء الوضوء لعذر لم يبطل وإن فرق بينها من غير عذر بطل، وهذا مروي عن أبي ليلى، وعن الليث أيضاً.
الثانية: أنه إن تعمد التفريق بطل وإن نسي لم يبطل.
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: الشرط.
والحجة على ما قاله: هو أن الأصل في الوضوء التتابع؛ لأن الرسول ً لم يفعله إلا كذلك، فلا يجوز العدول عن فعله؛ لأن التأسي به واجب، والتأسي لا يكون إلا بأن يفعل مثل ما فعله؛ لأنه فعله على الوجه الذي فعله وقد فعله متوالياً، فيجب فعله متوالياً وإذا كان الأمر فيه كما قلناه فلا يجوز العدول عن هذا إلا لعذر، أما للنسيان فهو عذر لقوله عليه السلام: (( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان )). وأما لغيره كما فعل الرسول ً فيما فعل في الجنازة وغيرها من الأعذار الموجبة لتفريق أعضاء الوضوء في الغسل.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم، من جواز التفريق وهو الصحيح المعتمد لمذهب الشافعي، ومحكي عن الحسن البصري، وعطاء، وطاووس، وإبراهيم النخعي، وابن المسيب، وسفيان.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججا ثلاثاً:
الحجة الأولى: نقلية. وهي قوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبَ اً فَاطَّهَّرُوْا } فأمر بالتطهر مطلقاً من غير تفصيل ولم يشترط التوالي وفي هذا دلالة على كونه غير مشترط.
الحجة الثانية: ما روى ابن عمر عن النبي ً، أنه توضأ في السوق فغسل وجهه ويديه، ومسح على رأسه، ثم دُعِيَ إلى جنازة فأتى المسجد فدعا بماء فمسح على خفيه ثم صلى عليها، ولا شك أن ذهابه إلى المسجد فيه تفريق كثير وفي هذا دلالة على جوازه مطلقاً.
الحجة الثالثة: قياسية، وهي أن الوضوء عبادة ليس من شرطها الاشتغال فلا يشترط فيها التوالي كالطواف، أو نقول: تفريق في الوضوء فوجب الحكم بإجزائه كالتفريق اليسير، ولأنها عبادة يجوز تفريق النية عليها فجاز تفريقها كالزكاة.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم، فأما قياس أصحاب الشافعي على الأذان فعنه جوابان:
أما أولاً: فبطريقة منع الحكم في الأصل، وهو أن الأذان لا يشترط فيه التتابع والموالاة ويجوز فيه التفريق، وهذه طريقة مفسدة للقياس أعني منع حكم الأصل.
وأما ثانياً: فبطريقة الفرق، وهو أنا نسلم وجوب التتابع في الأذان لكن التفرقة بينهما ظاهرة، وهو أن الأذان لما لم يكن شرطاً في الصلاة ولا طريقاً إلى صحتها فلهذا لم يجز تضييق طريق تحصيله باشتراط الموالاة والتتابع فيه فافترقا. وأما قياسهم على الصلاة فعنه جوابان:
أما أولاً: فبالفرق، وهو أن يسير التفريق في الوضوء غير مفسد له بخلاف يسير التفريق للصلاة فإنه مفسد لها، فافترقا.
وأما ثانياً: فبالمعارضة من الأقيسة فيجب اطراحها جميعاً، أو الترجيح لأقيستنا وهي راجحة بما أوردناه من الظواهر الشرعية التي أسلفناها، فأما ما قاله مالك فهو فاسد، لأن اعتبار الموالاة لا تخلوا حالها: إما أن لا تكون شرطاً في الوضوء وهو الذي نقوله، وإما أن تكون شرطاً فيه كما زعمه وجب الإتيان بها، سواء كان هناك عذر أو لم يكن هناك عذر، وسواء كان ساهياً أو متعمداً، كما نقول في النية، فإذاً لا وجه لكلام مالك في أن الموالاة شرط في الوضوء لكنها تسقط عند العذر وفي حال السهو، وكما لا تشترط الموالاة في الوضوء كما قررناه فلا تشترط الموالاة أيضاً في الغسل والتيمم؛ لأن الأدلة الشرعية في الأمر بالغسل والتيمم مطلقة غير مشترط فيها الموالاة كما ذكرناه في الوضوء.
فأما أصحاب الشافعي، فقد اختلفوا فيهما، فحكى ابن القاص ): أن التفريق لا يبطلهما قولاً واحداً، وأكثر أصحابه على أن فيهما قولين كالوضوء وهو الأصح عندهم، فإذا فرق تفريقاً فاحشاً فعلى قوله القديم: يلزمه استئناف الطهارة. وعلى قوله الجديد: لا يلزمه استئناف الطهارة مثل مذهبنا، والله أعلم.
__________
(1) أحمد بن أبي أحمد الطبري، أبو العباس ابن القاص، أخذ العلم عن ابن سريج، وله مؤلفات كثيرة منها: (التلخيص) مختصراً، وكتاب (المفتاح)، و(أدب القاضي)، و(المواقيت)، توفي بطرطوس سنة 335هـ. ولم نجد تاريخاً لمولده. ا.هـ. (طبقات الشافعية ج1/107، طبقات الشيرازي 120، له ترجمات في الأعلام، ووفيات الأعيان، وتاريخ بغداد وغيرها).
---
السُّنة الثالثة: التسمية
وهي مشروعة في الوضوء لقوله ً: (( كل أمر لا يبدأ فيه ببسم اللّه فهو أبتر ))(1). وقيل: أجذم، فظاهر الخبر دال على استحباب شرعها(2) في جميع الأفعال كما ترى، فالطهارة تكون أحق بذلك؛ لأنها تعنى للصلاة وفيها محادثة القلوب بذكر اللّه تعالى والوقوف بين يديه لأعظم الرغائب، وهو إحراز الثواب.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: هل تكون التسمية مع كونها مشروعة واجبة أو تكون مستحبة؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن داود وطبقته من أهل الظاهر، وبه قال إسحاق بن راهويه، وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: ما روى أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) عن النبي ً، أنه قال: (( لا صلاة إلا بطهور ولا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه ))(3). وقوله ً: (( لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه))(4).
الحجة الثانية: قياسية، وهي أنها عبادة هي أصل يبطلها الحدث فكان من شرطها الذكر كالصلاة.
وقولنا: هي أصل، نحترز به عن التيمم فإنها غير واجبة فيه، كما سنوضح القول فيه فيخرج لما كان بدلاً عن أصل.
المذهب الثاني: أنها مستحبة غير واجبة وهذا هو أحد القولين للهادي في (الأحكام). فأما ما قاله في (المنتخب) فقد صرح بوجوبها فيه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومحكي عن مالك وربيعة، أعني: الاستحباب.
__________
(1) أخرج نحوه عبدالقادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة مرفوعاً: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرحمن الرحيم، أقطع)).
(2) هكذا في الأصل. والمقصود (على استحبابها).
(3) وهو في أصول الأحكام والشفاء بلفظه عن علي عليه السلام.
(4) أخرجه أبو داود عن أبي هريرة، وأخرج الترمذي من رواية أخرى: ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه)). وأورده السيوطي ضمن الأحاديث المتواترة.