واعلم أن كلام السيد أبي العباس في اشتراط الملَّة يحتمل وجوهاً ثلاثة:
أولها: أن يكون مراده التأسي بالرسول ً واتباعه.
وثانيها: الدين والإسلام.
وثالثها: التوحيد والنبوة على الخصوص، وهذه الأمور وإن كانت واجبة فلا وجه لِعَدِّهَا من فروض الوضوء؛ لأنها غير مختصة بها، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن فرائض الوضوء ضربان مجمع عليه ومختلف فيه:
فالضرب الأول منها: مجمع عليه بين علماء العترة وفقهاء الأمة لا يقع فيه خلاف، وهو ما تضمنته الآية، وهو الأعضاء الأربعة: الوجه واليدان، والرجلان، ومسح الرأس، وقد قررنا ذكر كل واحد من هذه الأعضاء، وما فيه من المسائل الفقهية، وميزنا مواضع الإجماع عن مواضع الخلاف فيه.
الضرب الثاني: ما هو مختلف فيه بين أئمة العترة وفقهاء الأمة، وهذا نحو غسل الفرجين، والنية، والترتيب، والملة والموالاة في أعضاء الوضوء، وقد ذكرنا كل واحد منها، وأوضحنا الخلاف فيه، وقررنا المختار من ذلك، والانتصار له.
وقد تم الكلام على الفصل الأول وهو بيان المفروض في الوضوء وبالله التوفيق.
---
الفصل الثاني في بيان السنن المشروعة في الوضوء
والسنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة. قال أبو ذؤيب الهُذل ي (1):
فلا تعجبن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها
وفي مصطلح الفقهاء: عبارة عما ليس واجباً من الأفعال ويجوز تركه، واشتقاقه مما يكون متكرراً لأن المسنون ما واظب الرسول على فعله وتكرر منه وجوده، وهو مخالف للمستحب من الأفعال فإنه لا يشترط فيه التكرر، ومنه قيل: سنن الطريق لما كان السير يتكرر فيه، وقيل للحجر: مسن لما تكرر فيها شحذ الشفرة، وجملة ما نذكره من ذلك ثلاث وعشرون [سُنَّةً]:
__________
(1) خويلد بن خالد الهذلي شاعر مخضرم قدم المدينة بعد وفاة النبي ً فأسلم ثم خرج إلى مصر والتحق بالجيش الفاتح، وقيل: إنه عاد مع عبدالله بن الزبير والجماعة ببشرى الفتح، مات بمصر، وقيل: في أفريقية، وهو في شرخ شبابه ويُروى أن قبره في جزيرة صقلية. ا.هـ. (الموسوعة الإسلامية ج3/36).
---
السُّنة الأولى: السواك
لما روي في تفسير قوله تعالى:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيْمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ }[البقرة:124]. وتلك الكلمات عشر، خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فالتي في الرأس: السواك، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وفرق الشعر، والتي في الجسد: الختان، وحلق العانة، والاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: هل يكون السواك واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي.
والحجة على ذلك: قوله ً: (( لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك))(1). فلو كان واجباً لأمرهم به، شق عليهم أو لم يشق، كسائر الواجبات المكلف بها(2).
المذهب الثاني: أنه واجب وهذا عن داود، وطبقته من أهل الظاهر.
__________
(1) مروي عن أبي هريرة، أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، زاد في رواية: ((.. مع كل وضوء)). وفي أخرى: ((.. عند كل صلاة)). و ((.. مع كل صلاة)). قال في الجواهر: أخرجه الستة واللفظ للبخاري. وجاء الحديث من طريق أخرى عن زيد بن خالد الجهني مضافاً إليه: ((.. عند كل صلاة)).
(2) لا يفهم كلام المؤلف هنا على أنه أراد به إلغاء السبب المصرح به في الحديث الشريف لعدم إيجاب السواك، وهو المشقة، ولكن لعل المؤلف يرى أن المعنى المقصود في الحديث هو أن الرسول ً لولا أن يشق على أمته بفرض ما ليس واجباً، لأمرهم بالسواك، وهنا تكون العلة أو السبب في عدم فرضه، عدم كونه واجباً، والله أعلم.
والحجة على ذلك: ما روى العباس عن النبي ً أنه قال: (( استاكوا))(1). والأمر ظاهره الوجوب وقوله ً: (( استاكوا عرضاً ))(2). إلى غير ذلك من الأحاديث التي يذكر فيها الأمر.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة.
والحجة: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا أموراً تدل على كونه سنة.
الحجة الأولى: قوله ً (( ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت أن يحفى دردري))(3). والدردر من قعر الأسنان والإحفاء إزالة لحمها.
الحجة الثانية: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( السواك مطهرة للفم))(4).
الحجة الثالثة: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( السواك يزيد في الفصاحة ))(5).
__________
(1) تمامه: ((.. ولا تدخلوا علي قلحاً)). وفيه: ((استاكوا عرضاً وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً)).
(2) تمامه: ((.. ولا تستاكوا طولاً)). حكي هذا الخبر وسابقه في الشفاء وأوردهما في البحر وجاء في الجواهر: ذكره في التلخيص بلفظ: ((إذا شربتم فاشربوا مصاً، وإذا استكتم فاستاكوا عرضاً)). ونسبه إلى أبي داود في مراسيله وأشار إلى ضعفه.
(3) وجاء بمعناه في الاعتصام ما روى الطبراني في الكبير، عن ابن عباس أن النبي ً قال: ((أُمرت بالسواك حتى خشيت على أسناني)). ذكره السيوطي في الجامع الصغير ج1/224. ا.هـ.
(4) رواية الحديث عن عائشة بلفظ: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)). أخرجه النسائي وقد تقدم.
(5) روي عن علي عليه السلام عن النبي ً أنه ذكر في السواك اثنتي عشرة خصلة: ((هو من السنة، ومطهرة للفم، ويرضي الرحمن، ويبيض الأسنان، ويذهب بالحفره، ويشد اللثة، ويشهي الطعام، ويذهب بالبلغم، ويزيد في الحفظ، ويضاعف الحسنات، وتفرح به الملائكة، ويقرب الملائكة)). أورده في الاعتصام والشفاء. قال في الاعتصام والحفر بالفتح: وجع يصيب الأسنان في أصولها.
الحجة الرابعة: ما روي عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) أنه قال: (السواك يجلب الرزق). وهذا من الأمور التوقيفية التي علمها من جهة الرسول ً.
الحجة الخامسة: ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال: في السواك عشر خصال: مطهرة للفم، مرضاة للرب، مفرحة للملائكة، مسخطة للشيطان، مذهب للحفر: (والحفر بالحاء المهملة والفاء والراء بسكون العين وهي اللغة الكثيرة(1) وبفتحها لغة بني أسد، وهو فساد في أصول الأسنان)(2)، ويجلو البصر، ويشد اللثة، ويقطع البلغم، ويطيب الفم، ويزيد في الحسنات، وهو من السنة. فهذه الأمور كلها دالة على أنه مستحب غير واجب.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: قد أمر به والأمر ظاهره الوجوب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن ظاهر الأمر الوجوب فما برهانكم على ذلك؟ وإنما هو نص في الطلب متردد بين الوجوب والندب فلا يحمل على أحدهما إلا لدلالة ولا دلالة هاهنا على وجوبه فبطل ما عولوا عليه.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا كون ظاهر الأمر للوجوب، لكنا نخصه بهذه الأحاديث التي ذكرناها، وأنها دالة على كونه مستحباً.
الفرع الثاني: إذا تقرر كونه سنة فهل يختص بالوضوء، أو يكون فيه وفي غيره سنة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه إنما يسن عند الوضوء، وهذا هو الظاهر من مذاهب أئمة العترة، وهو أحد قولي الشافعي.
__________
(1) الاستعمال الشائع في اللغة.
(2) هكذا في الأصل، ورد توضيح الحفر أثناء الحديث.
والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) أنه قال: قال رسول اللّه ً: (( من أطاق السواك مع الطهور فلا يدعه))(1).
وثانيهما: أنه لا يختص الوضوء بل يكون مسنوناً عند كل صلاة، وهذا شيء يحكى عن الشافعي في أحد قوليه.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( أفواهكم طرق القرآن، فطهروها بالسواك))(2). وهذا عام سواء كان متوضئاً أو غير متوضٍ.
__________
(1) رواه في مجموع الإمام زيد، وفي أمالي أحمد بن عيسى، عن زيد ابن علي، وفي شرح التجريد: وهو آخر حديث: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)). كما جاء في الاعتصام قال: وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ً: ((لولا أن أشق ..))الحديث. ولم يذكر: (ومن أطاق..). ا.هـ.
(2) رواه في شرح التجريد بسنده إلى علي عليه السلام.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من كونه مختصاً بالوضوء، ويدل على ذلك ما روي عن النبي ً أنه قال: (( يا علي عليك بتلاوة القرآن على كل حال وعليك بالسواك لكل صلاة))(1). فخص الصلاة، والصلاة إنما تكون بالوضوء، فلهذا كان مخصوصاً بالوضوء، ومما يقوي الوجه الأول قوله ً: (( السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)). ولم يفصل بين الوضوء وغيره، وقوله عليه السلام لأمير المؤمنين: (( يا علي في السواك اثنتا عشرة خصلة: هو من السنة، وهو مطهرة للفم، ويرضي الرحمن، ويبيض الأسنان، ويذهب بالحفر، ويشد اللثة، ويشهي الطعام، ويذهب بالبلغم، ويزيد في الحفظ، ويضاعف الحسنات، وتفرح به الملائكة، ويقرب الملائكة)). ولم يفصل في ذلك بين أن يكون مع الوضوء أو من غير وضوء، وروي عن أصحاب رسول اللّه ً، أن السواك كان على أذن أحدهم بمنزلة القلم من أذن الكاتب، وقوله ً: (( صلاة بسواك خير من سبعين صلاة من غير سواك))(2). والمعنى في هذا أن صلاة بسواك ثوابها أكثر من ثواب سبعين صلاة بغير سواك، ولم يفصل هناك بين أن يكون عند الوضوء أو بعده.
الفرع الثالث: أن السواك يستحب عند خمسة أحوال:
__________
(1) أخرجه الموفق بالله في كتاب (الاعتبار وسلوة العارفين) في باب كلمات النبي ً لعلي عليه السلام.
(2) أورده في الاعتصام بلفظه نقلاً عن الشفاء.
أولها: عند القيام إلى الصلاة، لما روى حنظلة بن أبي عامر ) أن الرسول ً أُمِرَ بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أُمِرَ بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أن له قوة فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة. قال أبو سلمة ): رأيت زيداً يجلس في المسجد، وإن السواك لعلى أذنه موضع القلم من أذن الكاتب فكلما قام إلى الصلاة استاك.
وثانيهما: عند اصفرار الأسنان، لما روي عن النبي ً أنه قال: (( استاكوا لا تدخلوا عليَّ قُلَحاً )). والقلح: بالقاف والحاء المهملة هو اصفرار الأسنان وعينه مفتوحة.
وثالثها: عند تغير الفم، وتغيره يكون بأكل الثوم والبصل والكراث وقد يتغير بالأزم، والأزم: بالزاي قد يكون بطول إطباق الفم وقد يكون بالجوع، ولهذا يقال: نعم الدواء الأزم، يريد الجوع.
__________
(1) حنظلة بن أبي عامر عمرو بن صيفي الأنصاري، الأوسي، المعروف بالغسيل لأنه استشهد يوم أحد، فقال الرسول ً: ((إن صاحبكم لتغسله الملائكة)). يعني حنظلة، فسئلت زوجته فأخبرتهم أن المعركة استعجلته فخرج جنباً لم يجد وقتاً للغسل، وعُرف أبوه بالراهب قبل الإسلام، فسماه النبي ً: بالفاسق؛ لأنه نزح من المدينة إلى مكة، ثم قدم مع قريش محارباً يوم أحد، وظل بمكة إلى أن فُتحت، فهرب إلى هرقل ومات هناك كافراً. (در السحابة 720).
(2) أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف بن عبد غوث الزهري، المدني، قيل: اسمه عبدالله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته، روى عن: أبيه، وعثمان، وأبي قتادة، وأبي الدرداء، وأسامة، وأبي هريرة، وعائشة وغيرهم، وعنه: عروة بن الزبير، والزهري، والشعبي، وغيرهم كثير، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المدنيين، وقال: كان ثقة، فقيهاً، كثير الحديث، وأنه مات سنة94هـ. وقال الواقدي: سنة 104هـ. عن 72 سنة. ا.هـ. ملخصاً من تهذيب التهذيب ج12/127.
ورابعها: عند القيام للوضوء، وهذا هو الأكثر في العرف، لما روت عائشة (رضي اللّه عنها) أن النبي ً كان إذا قام من النوم يشوص فمه بالسواك(1).
وخامسها: عند قراءة القرآن، لما روي عن النبي ً أنه قال: (( طهروا أفواهكم بالسواك فإنها طرق القرآن))(2).
__________
(1) ومثله: عن حذيفة بن اليمان قال: كان رسول اللّه ً إذا قام من اليل يشوص فاه بالسواك. أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. ولفظ حديث عائشة فيما أخرجه أبو داود عنها: أن النبي ً كان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ.
(2) وفيه عن علي عليه السلام قال: قال رسول اللّه ً: ((إن أفواهكم طرق القرآن فطهروها بالسواك)). وقال في التلخيص: رواه أبو نعيم ووافقه ابن ماجة. وهو في شرح التجريد، وأصول الأحكام، والاعتصام بهذا اللفظ.
الفرع الرابع: ويستوي الرجال والنساء في استحباب السواك؛ لأن الأدلة الشرعية لم تفصل في ذلك بين الرجال والنساء، ويستحب أن يؤمر الصبيان بالسواك تعويداً وتمريناً كما يؤمرون بالصلاة والوضوء، ويجوز للرجل أن يستاك بسواك غيره، ويستحب له غسل السواك لما روت عائشة (رضي اللّه عنها) قالت كان رسول اللّه ً يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وأدفعه إليه (1)، فصار خبرها دليلاً على ما ذكرناه من الأمرين جميعاً، ويستحب للرجل إذا دخل منزله للوضوء أن يكون أول ما يفعل أن يستاك، لما روى المقدام بن شريح ) قال: قلت لعائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول اللّه إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (3)، ويجوز للرجل أن يستاك وهو يقرأ لما روى ابن عباس رضي اللّه عنه قال: بيَّت عند رسول اللّه ً ليلةً، فلما استيقظ من منامه أتى طهوره فأخذ سواكه فاستاك وجعل يتلو هذه الآيات:{إِنَّ فِي خَلْقِ الْسَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ }[آل عمران:190]. حتى ختم السورة.
وهل يكره السواك للصائم بعد الزوال أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يكره وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن جميع الظواهر الشرعية التي وردت في استحباب السواك لم تفصل في ذلك بين وقت ووقت، فلا وجه للتخصيص من غير دلالة.
المذهب الثاني: أنه يكره بعد الزوال وهذا هو المحكي عن الشافعي وأصحابه.
__________
(1) أخرجه أبو داود.
(2) المقدام بن شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي، روى عن أبيه. وعنه: ابنه يزيد والأعمش والثوري وآخرون. ذكره ابن حبان في الثقات. (تهذيب التهذيب ج10/255).
(3) أخرجه الستة.