، وأما من جهة الشرع، فلما روي عن ابن عباس أن رجلاً سأله فقال: يابن عباس هل أبدأ بالصفا أو بالمروة؟ فقال: ابدأ بما بدأه اللّه تعالى وخذ ذلك من القرآن فإنه أجدر أن يحفظ قال اللّه تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ}.[البقرة:158] فالصفا قبل المروة، ولما روى جابر أن الرسول ً لما دنا من الصفا قرأ:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ }، وقال: (( أبدأ بما بدأ اللّه به )). فبدأ بالصفا.
ووجه الاحتجاج بما ذكرناه من هذه الأخبار: هو أنه عليه السلام جعل المقدم في اللفظ هو المقدم في الحكم، والمؤخر في اللفظ هو المؤخر في الحكم مع الواو، وفي هذا دلالة على كونها مرتبة؛ لأنها لوكانت غير مرتبة لكان لا معنى لقوله: (( أبدأ بما بدأ اللّه به)) لأنهما أعني: الصفا والمروة في الحكم على سواء إذا كانت غير مرتبة، وأما من جهة الاستعمال فإنه يقال: دخلت البصرة والكوفة، فإنه دال على أنه دخل إحداهما قبل الأخرى لأنه يستحيل أن يدخلهما جميعاً [في وقت واحد]، وأما من جهة الحكم فلأنه إذا قال لامرأته: أنت طالق وطالق، فلو كانت الواو للجمع من غير ترتيب لوجب تطليقتان، كما إذا قال: أنت طالق تطليقة معها أخرى، فإنه يقع على أصلهم ثنتان، وفي مسألتنا قد أجمعنا على أنه يقع واحدة، فدل ذلك على أنها للترتيب لا للجمع، وقد احتج القاضي زيد من أصحابنا على أن الواو مرتبة، بما روي عن الرسول ً أنه سمع رجلاً يخطب فقال: من يطع اللّه ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوي، فقال له الرسول ً: (( بئس الخطيب أنت ، هلا قلت: ومن يعص اللّه ورسوله فقد غوى)) فقال: لوكانت الواو للجمع لا للترتيب ما نهاه ولا أنكر عليه؛ لأنه قد جمع بينهما، فلما نهى عن ذلك دل على أنها للترتيب، وهذه غفلة وإهمال للنظر لأمرين:
أما أولاً: فلأن الواو غير مذكورة في الكلام فلا وجه لإيراده حجة فيها، فالاحتجاج بما هو خال عن صورة المسألة وحقيقتها يكون غفلة وذهولاً عن المراد لا محالة.
وأما ثانياً: فلأن الإنكار إنما وقع من جهة جمعهما في ضمير واحد، وهو قوله: ومن يعصهما فقد غوى، فقد ساوى بينهما في صورة الضمير، والله تعالى أجل وأعلى عن المساواة لخلقه من جهة اللفظ ومن جهة الحقيقة، فحصل من هذا أن الإنكار إنما وقع من أجل المساواة في الضمير وليس من الواو في إيراد ولا إصدار ولا لها علقة في الكلام، فضعف ما قاله القاضي زيد (رحمه اللّه تعالى). والعجب من غفلته عن هذا على جليته وظهو ره فهذا تقرير مقالة الترتيب.
المذهب الثاني: أنها غير مرتبة، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول مالك، والثوري، والأوزاعي، وابن مسعود من الصحابة، ومن التابعين: الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، والنخعي، ومكحول، وحكي عن داود من أهل الظاهر، والمزني من أصحاب الشافعي.
والحجة لهم على ذلك: ما روى ابن عباس أن الرسول ً توضأ ثم غسل وجهه ويديه، ثم رجليه، ثم مسح رأسه ووجهه.
والحجة من هذا الخبر: هو أنه مسح رأسه بعد غسل رجليه، فلو كان الوضوء مرتباً على ما هو في ظاهر الآية إذاً لم يكن مجزياً؛ لأنه قد خالف ما في ظاهر الآية، وفي هذا دلالة على [أن] الترتيب غير مراعى وهو المقصود.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة.
والحجة على ذلك: ما قلناه عنهم ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: خبرية، وهو ما روي أنه ً لما فرغ من الوضوء مرة مرة قال: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه)). وفي رواية أخرى: (( لا يقبل اللّه الصلاة إلا به )). فليس يخلو الحال في ذلك إما بقوله في وضوء مرتب أو غير مرتب، فإن قال ذلك في وضوء غير مرتب فهو باطل؛ لأنه لوكان كذلك لوجب أن تكون الصلاة بوضوء مرتب غير مقبولة وهو خلاف الإجماع، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يكون مراده بوضوء مرتب فيجب القضاء بوجوبه وهو المقصود.
الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها أن الوضوء عبادة تشتمل على أفعال متغايرة مرتبط بعضها ببعض، فيجب فيها الترتيب كالصلاة والحج، ولنفسر مقصودنا بهذه القيود.
فقولنا: عبادة. نحترز به عن غسل النجاسة فإنه ليس عبادة.
وقولنا: تشتمل على أفعال، نحترز به عن الخطبة فإنها مشتملة على أقوال متغايرة فلا يجب ترتيبها.
وقولنا: متغايرة يعني فرضاً، ونفلاً، ومسحاً، وغسلاً، نحترز به عن غسل الجنابة والنجاسة والعضو الواحد من أعضاء الوضوء فإنها مشتملة على أفعال، ولكنها غير متغايرة؛ لأنها مشتملة على فعل واجب وهو الغسل لا غير.
وقولنا: مرتبط بعضها ببعض، نحترز به، عن: فعل الصلاة والزكاة فإنهما مشتملان على أفعال متغايرة لكن بعضها غير مرتبط بالبعض فلهذا لم يجب بينها ترتيب.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن الرسول ً توضأ فغسل وجهه ويديه، ثم رجليه ثم مسح رأسه(1) وفي هذا بطلان الترتيب كما قلناه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد قررنا وجوب الترتيب بالأمور الشرعية قولاً وفعلاً فلا يعارض بفعل لا ندري كيف كان وقوعه لما فيه من الاحتمالات.
__________
(1) أورده في الروض نقلاً عن الانتصار. وفيه (الروض): ما رواه أحمد، وأبو داود عن المقدام بن معدي كرب، أن رسول اللّه ً توضأ فغسل وجهه، ثم ذراعيه، ثم تمضمض واستنشق. ا.هـ. ج10/234.
وأما ثانياً: فلأنه يمكن أن يحمل فعله هذا على أنه وقع في طهارة مجددة ولم يكن في طهارة عن حدث، فلا تكون فيه حجة على ما زعموه.
قالوا: روت الرّبيّع بنت معوذ بن عفراء عن الرسول ً أنه مسح رأسه بفضل وضوئه، وفي هذا دلالة على عدم الترتيب؛ لأنه مسحه بعد فراغه من الوضوء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الحديث الواقع في سنن أبي داود عن الربيّع هو أنه ً مسح رأسه بفضل ما في يده(1) فما ذكروه على ناقله تصحيحه، وهي إنما روت أحاديث في مسح قد ذكرناها من قبل فأغنى عن تكريرها.
وأما ثانياً: فلأن الغرض بما ذكره أنه إنما مسحه على جهة التبرك بأثر العبادة، وهو الوضوء، لأن الغرض هو تأدية الفرض كما وردت السنة بترك التنشيف عن أثر الوضوء لما كان أثر العبادة.
قالوا: ما سقط فرضه دفعة واحدة لم يجب فيه الترتيب، كالغسل واليمين والشمال.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن الوضوء يسقط فرضه دفعة واحدة، بل يجب فيه الترتيب مرة بعد أخرى.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الغسل أنه كالعضو الواحد، ولهذا فإنه يسقط فرضه بماء واحد ويخالف ما ذكرناه في أعضاء الوضوء فإنها متغايرة ولهذا فإنه لا يستعمل ماء عضوٍ في عضوٍ آخر فافترقا.
وأما ثالثاً: فلأنا لا نسلم ما ذكروه في اليمين واليسار بل يجب الترتيب بينهما كما سنوضح القول فيهما بمعونة اللّه تعالى، ثم لو سلمنا أنه لا ترتيب بينهما كما زعموه وكما هو رأيهم فيهما، فلأنهما صارا كالعضو الواحد، ولهذا جمع بينهما المسلمون وعدوهما عضواً واحداً حيث قالوا: أعضاء الطهارة أربعة: اليدان، والرجلان، والوجه، والرأس.
ومن وجه آخر: وهو أن الماسح على الخف على مذهبكم إذا ظهرت عن الستر بالخف إحداهما بطل المسح فيهما لما كانا كالعضو الواحد فلا جرم لم يجب الترتيب بينهما بخلاف أعضاء الوضوء فإنها أعضاء متغايرة مرتبط بعضها ببعض فلهذا وجب الترتيب بينها كالصلاة.
__________
(1) وهو عند الدارقطني.
قالوا: ما جاز أن ينفرد بعضه عن بعض لم يجب فيه الترتيب كإزالة النجاسة، وتفرقة الزكاة، والقطع في المحاربة، لا يجب فيها الترتيب لما كان بعضها منفصلاً عن بعض.
قلنا: عما ذكروه جوابان:
أما أولاً: فلأن الظهر والعصر ينفرد أحدهما عن الآخر، ثم إن الترتيب بينهما واجب عند الاجتماع، فهكذا حال أعضاء الوضوء ينفرد بعضها عن بعض، فإذا كانت مجتمعة وجب الترتيب بينها وهو المطلوب.
وأما ثانياً: فلأن إزالة النجاسة إنما بطل الترتيب بينها لما كان كل جزء منها عبادة على الانفراد، فلهذا لم يشترط فيها الترتيب وهكذا حال تفرقة الزكاة والقطع في المحاربة فهما كالصلوات في تعددها وكونها متغايرة، وأعضاء الوضوء عبادة واحدة يرتبط بعضها ببعض فصارت كالصلاة الواحدة في الاتصال والترتيب بينها فافترقا.
ومن وجه ثالث: وهو أن القصد في إزالة النجاسة إنما هو تركها واجتنابها والقصد بالزكاة إيصالها إلى الفقراء، والقصد في قطع المحارب وصلبه وقطع يده إنما هو العقوبة، وذلك يحصل من غير ترتيب، بخلاف الوضوء فإن المقصود به التعبد فلهذا اعتبر فيه جهة التعبد وهو الترتيب كالصلاة والحج.
دقيقة: اعلم أنا قد ذكرنا أن المختار هو الترتيب في أعضاء الوضوء ونصرناه بالأدلة الشرعية التي أسلفناها وأجبنا عن شكوك المخالفين لنا في هذه المسألة، فأما الدلالة على الترتيب من جهة أن الواو دالة على الترتيب وموضوعة له كما ذكره بعض أصحابنا فهو ضعيف لأوجه خمسة:
أما أولاً: فلأنها لو كانت للترتيب لما جاز ورودها في المساواة كقوله تعالى: {سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ }[الجاثية:21]. وكقولك: تضارب زيد وعمر. فإن ما هذه حاله لا يجوز ورود الفاء فيه لما كانت مرتبة؛ لأنه يزول حكم الاستواء.
وأما ثانياً: فلأنها قد وردت عاطفة للمتقدم على ما كان متأخراً كقوله تعالى: {نَمُوْتُ وَنَحْيَى }[المؤمنون:37]. وكقوله تعالى:{وَعِيْسَى وَأَيُّوْبَ }[النساء:163]. فلو كانت موضوعة للترتيب كما زعموا لما جاز ذلك كما لا يجوز في الفاء.
وأما ثالثاً: فقوله تعالى:{وَادْخُلُوْا الْبَابَ سُجَّدَاً وَقُوْلُوْا حِطَّةً }[البقرة:58]. والقصة واحدة فلو كانت مرتبة لكان المعنى مختلاً.
وأما رابعاً: فلأن أكثر النحاة وأهل اللغة كالخليل، وسيبويه، والمبرد، والمازني )، من نحاة البصرة وأكثر نحاة الكوفة كالكسائي وغيره، على أنها غير مرتبة وهكذا المتكلمون وأكثر الفقهاء، ولم يخالف في ذلك إلا ما يحكى عن الفرَّاء يحيى بن زياد، وثعلب، وأبي عبيد، ومن الفقهاء: الشافعي، فإنهم زعموا أنها مرتبة.
وأما خامساً: فقول الشاعر:
حتى إِذَا رَجَبٌ تَوَلى فَانقضى ... وَجمَادَيَانِ وجاء شهر مُقْبِلُ
فعطف جمادى على رجب وهما قبله، وفي هذا دلالة على أنها غير مرتبة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن دلالة الترتيب في الوضوء ليست مأخوذة من الواو، وإنما هي مأخوذة من أدلة خارجة كما قررناه من قبل، فأما وضع الواو فليس دالاً على الترتيب بحال، وترتيبها إنما يكون على جهة المجاز دون الحقيقة، والله أعلم بالصواب.
مسألة: وهل يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليد والرجل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الترتيب بينهما واجب، فتقدَّم اليمنى على اليسرى في اليد والرجل وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الإمامية.
__________
(1) أبو عثمان بكر المازني، من أعلام اللغة في البصرة، أخذ علم العربية عن الأخفش، وروى عن أبي عبيدة والأصمعي، وتعلم عليه المبرد، والفضل اليزيدي، كان إماماً في العربية، وله مؤلفان هما: كتاب (التصريف) وكتاب (ما يلحن فيه العامة). ا.هـ.(أعلام المنجد 628).
والحجة على ذلك: ما قدمناه من وجوب الترتيب بين الأعضاء في الوضوء، فإن ما دل على وجوب ذلك فهو بعينه دال على وجوب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليد والرجل، وهو قوله عليه السلام بعد توضيه مرة مرة: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه )).
الحجة الثانية: ما رواه أبو هريرة عن الرسول ً، وهو قوله: (( إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم ))(1). إلى غير ذلك من الأدلة على وجوب الترتيب بينهما.
المذهب الثاني: أن ذلك غير واجب وإنما هو مستحب، وهذا هو: رأي الشافعي، فأما أبو حنيفة فإنه مخالف في الأمرين جميعاً كما مر تقريره.
والحجة له على ذلك: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}. ولم يفصل بين اليمنى واليسرى، وقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ} ولم يفصل بينهما، وفي هذا دلالة على أنه لا ترتيب بينهما بظاهر الآية.
والمختار: ما قاله أئمة العترة من وجوب الترتيب بينهما، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم، ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: قوله عليه السلام: (( إذا لبستم أو توضأتم فابدأوا بميامنكم))(2). فهذا أمر، والأمر بظاهره دال على الوجوب فلا يحمل على الندب إلا لدلالة.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أنهما عضوان منفصلان يؤخذ لكل واحد منهما ماء جديدٌ فوجب الترتيب بينهما كالوجه واليدين.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: ظاهر الآية دال على بطلان الترتيب بينهما كما قررناه.
__________
(1) حكاه في أصول الأحكام والشفاء والمهذب، ونسبه في التلخيص إلى: أحمد، وأبي داود، وابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان. وزاد ابن حبان، والبيهقي، والطبراني: ((إذا لبستم..)) الحديث كما سيأتي. ا.هـ. روض.
(2) أورده في الاعتصام، وشرح التجريد.
قلنا: الآية مجملة في كيفية الغسل باليد والرجل وبيانها موكول إلى فعل الرسول ً، وقد بينه بما فعله من الترتيب بينهما، ثم قال بعد ذلك: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به )) والمعلوم أنه لم يتوض إلا مرتباً لليمنى على اليسرى من اليد والرجل فدل ذلك على وجوبه.
قالوا: روت عائشة (رضي اللّه عنها) أن النبي ً كان يحب التيامن في كل شيء حتى في وضوئه وانتعاله، وما كان مستحباً فليس واجباً، فدل على أن البداية باليمين في اليد والرجل إنما كان على جهة الندب.
قلنا: ليس في هذا إلا أنه بدأ بيمينه من يده ورجله، والبداية بهما لا تدل على عدم وجوب الترتيب بينهما كما زعموا.
ومن وجه آخر: وهو أن المحبة قد ترد على جهة الوجوب كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْتَّوَّابِيْنَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيْنَ}[البقرة:222]. فالمحبة لا تدل على عدم الوجوب؛ لأن قبول التوبة واجب، والتطهر واجب، فالمحبة لا تدل على عدم ذلك(1).
قالوا: روي عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) أنه قال: ما أبالي بيميني بدأت أو بشمالي إذا أكملت الوضوء(2)، وفي هذا دلالة على كونه غير واجب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه محمول على أنه عليه السلام أراد غسل الكفين عند إدخالهما الإناء؛ لأن الشرع لم يدل على ترتيب بينهما.
__________
(1) ربما كان الأولى القول: لأن الإقبال على التوبة واجب، أو لأن التوبة واجبة...إلخ. حتى تكون المحبة من اللّه بمعنى إيجاب التوبة والتطهر على العبد؛ لأن مفهوم قول المؤلف: (لأن قبول التوبة واجب...)، يجعل الوجوب هنا على اللّه تعالى، وربما كان الخطأ من الناسخ، والله أعلم.
(2) نسبه في التلخيص إلى الدارقطني وهو في جواهر الأخبار وأصول الأحكام عن علي عليه السلام. وفي الروض: رواه الدارقطني، والبيهقي من رواية زياد مولى بني مخزوم، قال ابن معين فيه: لا شيء، وهو مقل لم يرو له أحد من الستة. ا.هـ. ج1/233.
وأما ثانياً: فلأنه عليه السلام أراد أن ذلك جائز من جهة العقل خلا أن الشرع دل على وجوبه.
واعلم أن كثيراً من نظار فقهاء أصحاب الشافعي نقلوا عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، القول: بأن الترتيب في أعضاء الوضوء غير واجب، ولم أعثر على هذه الحكاية في شيء من كتب أصحابنا ولا حكوها عنه، بل المنقول خلافها وهو وجوب الترتيب، ولا شك أن أولاد الرجل أعرف بمذهب أبيهم من غيرهم من الأجانب، فلهذا كان ما نقله أصحابنا هو الأعرف والأشهر من مذهبه، ويمكن أن يكونوا قد عثروا على ذلك بل يكون له في المسألة قولان، فالمسألة لا محالة اجتهادية، وقد حكى هذه المقالة منهم ابن الصباغ صاحب (الشامل) والعمراني صاحب (البيان)، ويجب حملها على ما ذكرناه.
فأما غسل الفرجين هل يعدان من أعضاء الوضوء أم لا؟ فقد قررناه في باب الاستنجاء، وذكرنا المختار، والانتصار له، وقد نص على وجوبه الهادي وصرح بكونهما أعني الفرجين عضوين(1) من أعضاء الوضوء وأظهرنا الحق فيه فأغنى عن الإعادة.
مسألة: وهل تعد الملة من فرائض الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها غير معدودة من فروضه، وهذا هو قول الأكثر من أئمة العترة، وهو قول الفقهاء الحنفية، والشافعية، والمالكية.
والحجة على ذلك: الآية والخبر، فأما الآية فقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. ولم يذكر الملة، وأما الخبر، فقوله ً لمن علمه الوضوء: (( توض كما أمرك اللّه فاغسل وجهك ويديك) ) ولم يذكر فيه الملة.
المذهب الثاني: أنها مشترطة في فروضه، وهذا شيء يحكى عن السيد أبي العباس، حكاه عنه السيد أبو طالب حيث قال: ومن أصحابنا من عدَّ من فرائضه الملَّة.
__________
(1) صوابه: عضواً، باعتبار عَدّ الفقهاء لأعضاء الوضوء أربعة، ومنها: اليدان عضو، والرجلان عضو، بدون تثنية.
والحجة له على ما ذكره: هو أن ما دل على وجوب التأسي فهو بعينه دال على ما ذكرناه من اشتراطه الملة؛ لأنا لا نريد بالملَّة إلا ملَّة الرسول ً، وهو قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوْهُ}[الأحزاب:21]. وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُوْلِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأعراف:158]. إلى غير ذلك من الآيات الدالَّة على وجوب الاتباع والتأسي به.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة [من عدم اشتراط الملة في الوضوء].
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا: وهو أن المعتمد في تقرير الفروض في الوضوء إنما هو تقرير الشرع ودلالته من جهة الكتاب، أو من جهة السنة، أو غير ذلك من الأدلة الشرعية، وهاهنا لم يدل دليل على الملة في شيء من ذلك، فلهذا قضينا بكونها غير واجبة ولا مشترطة في الوضوء، فلو جوزنا إثباتها من غير دلالة لأدى ذلك إلى اثبات أمور كثيرة وهذا لا قائل به.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: روي عن الرسول ً أنه قال: (( كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد ))(1). يعني أن كل فعل من الأفعال ليس على ملته وشريعته فهو مردود على فاعله.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد بالخبر أن كل فعل من الأفعال ليس على شريعته وما جاء به من أمر التوحيد والاعتراف بالألهية، فمن ليس على هذه الصفة فعمله رد عليه، لا يزن عند اللّه قلامة ظفر.
وأما ثانياً: فلأن المراد بالملة الدين والإسلام، وما هذا حاله فهو شرط في جميع العبادات كلها؛ إذ لا يختص بالوضوء وحده وإنما هو عام في جميع ما يفتقر إلى النية من الأفعال، ولهذا فإن ما هذا حاله فلا تكون تأديته من جهة الكفار، فبطل ما توهموه من ذلك. والله أعلم.
__________
(1) رواه البخاري وغيره من أهل السنن، وروي عن عائشة، وجاء في (اللسان) ج3/173 بلفظ: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)). أي مردود عليه. ا.هـ.