أما أولاً: فلأن المسح على الخفين كان سابقاً في مكة، وآية المائدة، نزلت في المدينة، ولا شك أن كل ما كان من الأحكام مدنياً فإنه متأخر عما كان ثابتاً في مكة.
وأما ثانياً: فلما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) قال: لما كان في ولاية عمر جاء سعد بن أبي وقاص فقال لعمر: يا أمير المؤمنين ما لقيت من عمار؟ فقال له: وما ذاك؟ فقال: خرجت وأنا أريدك ومعي الناس وأمرت منادياً ينادي بالصلاة ثم دعوت بطهور فتطهرت، ثم مسحت على خفيَّ وتقدمت أصلي فاعتزلني عمار، فلا هو صلى ولا هو ترك، وجعل ينادي من خلفي: يا سعد، صلاة من غير وضوء، فقال عمر: يا عمار أخرج مما قلت، فقال: نعم، كان المسح قبل المائدة، فقال عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أقول كان المسح من رسول اللّه ً في بيت عائشة والمائدة نزلت في بيتها، فأرسل عمر إلى عائشة، فقالت: كان المسح قبل المائدة. فقل لعمر: والله لأن تقطع قدماي بعقبيهما أحب إليَّ من أن أمسح عليهما. فقال عمر: لا نأخذ بقول امرأة.
وأما ثالثاً: فلما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال: أنشد اللّه امرءاً شهد المسح من رسول اللّه ً إلا قام، فقام ثمانية عشر رجلاً كلهم رأى رسول اللّه ً يمسح، وعليه جبة شامية ضيقة اليدين فأخرج يديه من تحتهما ثم مسح على خفيه، فقال عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: سلهم أقبل المائدة أم بعدها؟ فسألهم فقالوا: لا ندري.

وأما رابعاً: فلما روي [عن] أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) [أنه] قال: أنشد اللّه امرءاً مسلماً علم أن المسح كان قبل المائدة إلا قام، فقام اثنان وعشرون رجلاً فتفرق القوم وهؤلاء يقولون: لا نترك ما رأينا، وهولاء يقولون: لا نترك ما رأينا(1).
وأما خامساً: فلما روي سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه لما قيل له: هل مسح رسول اللّه ً على الخفين؟ فقال: اسألوا الذين يزعمون ذلك هل كان قبل المائدة أو بعدها؟ ما مسح رسول اللّه ً بعدها، ولأن أمسح على ظهر عير في الفلاة أحب إليَّ من أن أمسح على الخفين(2).
وأما سادساً: فلما روى الصادق عن أمير المؤمنين أنه قال: سبق الكتاب الخفين(3).
وأما سابعاً: فلما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: سبق الكتاب الخفين.
وأما ثامناً: فلما روي عن عائشة أنها قالت: لأن أحزهما بالسكاكين أحب إليَّ من أن أمسح عليهما(4).
__________
(1) هذا وما قبله حديث واحد، وهو من الأحاديث المشهورة عند رجال الحديث وفي مسنداتهم، وهو مروي هنا عن الإمام زيد من طريق محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى، وهذه الرواية بلفظها تتفق مع ما جاء في شرح التجريد وفي الاعتصام نقلاً عنه، وفي الروض النضير.
(2) أخرجه المؤيد بالله عن شيخه أبي العباس الحسني بسنده، كما جاء في الروض النضير ، وقال: وفيه عمرو بن حصين العقيلي وهو ضعيف جداً، ولكنه منجبر بما رواه عبدالله بن أحمد بن حنبل في مسند عبدالله بن عباس، من كتاب أبيه أحمد بن حنبل، فقال:.. وأورده بلفظه، ا.هـ. (روض ج1/433).
(3) أورده في الروض من رواية المؤيد بالله بلفظه، وجاء برواية أخرى، عن (مسند علي من جمع الجوامع) وبلفظ آخر، وقال نهايته: أخرجه ابن جرير. ا.هـ. وأعل بأن الراوي عن علي، مجهول.
(4) وفي رواية أخرى عن عروة: لأن أجذهما أو أجذ أصابعي بالسكين ..إلى آخره. كما جاء في الروض.

وأما تاسعاً: فلما روي عن أبي هريرة: ما أبالي على ظهر خفي مسحت أو على ظهر حماري(1).
وأما عاشراً: فلما روي عن ابن مسعود أنه لما قال: رأيت رسول اللّه ً يمسح على الخفين، فقال له أمير المؤمنين: أكان ذلك قبل نزول المائدة أو بعدها؟ فسكت ابن مسعود ولم يعد شيئاً ولم يقل: وما الغرض بذلك(2).
فتقرر بما ذكرناه من هذه الأوجه أن المسح كان قبل نزول آية المائدة بشهادة من شهد من هؤلاء الصحابة ولم يرو عن أحد منهم أنه كان بعد نزول المائدة، وفي هذا دلالة على كونها ناسخة له وهو المطلوب.
قالوا: دعواكم النسخ إنما تكون صحيحة إذا كان بين المسح والغسل تنافٍ فلهذا توجه نسخ أحدهما بالآخر، فأما ما يصح الجمع فيه بينهما فلا وجه لتقدير النسخ فيه، ولهذا فإنه يغسلهما عند نزع الخفين ويمسحهما عند سترهما بالخفين فيكون في [ذلك] جمع بين الآية والخبر، وفي ذلك استعمالهما جميعاً وفي المسح استعمال لأحدهما دون الآخر، ومهما أمكن الجمع بينهما كان أولى.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن المعتبر في كون هذا ناسخاً لذلك هو قيام الدلالة الشرعية على ذلك سواء كان بينهما تنافٍ، أولم يكن بينهما تنافٍ، ولهذا فإن صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء وليس بينهما تنافٍ؛ لأنه يمكن الجمع بينهما، وهكذا فإن الصلاة إلى الكعبة ناسخة للصلاة إلى بيت المقدس ومع ذلك فإنه يمكن الجمع بينهما، وكذلك الجَلد والرجم يمكن الجمع بينهما في حق المحصن على قولكم ومع ذلك فإن الرجم ناسخ للجلد على قولكم، إلى غير ذلك من المسائل التي يمكن الجمع فيها بين ما هو ناسخ ومنسوخ.
__________
(1) أورده في الروض عن أبي رزين، قال: قال لي أبو هريرة...إلخ. قال: ورجاله على شرط مسلم. ا.هـ ج1/434.
(2) أخرجه الذهبي عن زاذان. وفي آخره: قال (ابن مسعود): لا أدري. قال (علي): لا دريت.. إنه من كذب على رسول اللّه متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. ا.هـ. (المصدر السابق).

وأما ثانياً: فلأنا لا نسلم عدم المنافاة بينهما بل نقول: إنهما في الحقيقة متنافيان، وبيانه: أن التضييق إذا كان وارداً على أمر مخير فيه بين أمرين فإنه يكون ناسخاً للتخيير، وهذا قد ورد التضييق على التخيير [فيه] فيجب أن يكون ناسخاً له، ومثاله: أن كفارة اليمين مخير فيها بين العتق والكسوة والإطعام، فلو قدرنا أنه تعالى قال: حتمت عليكم التكفير بالعتق لكان نسخاً لما تقرر من التخيير بينها، لأنه لم يمكن للمكلف من قبل الإخلال بالكسوة والإطعام إلا إلى بدل هو: العتق، فلما ضيقه بالعتق جاز له الإخلال بهما على جهة الإطلاق، وهذه إزالة حكم شرعي بحكم مثله شرعي فيجب كونه نسخاً.
وأما ثالثاً: فلأن أمير المؤمنين وغيره من جِلَّة الصحابة وأكابرهم قد صرحوا بكون الآية ناسخة فيجب التعويل على أقوالهم في ذلك من غير مبالاة بالتنافي وعدم التنافي، فبطل ما توهموه.
قالوا: روى جرير بن عبدالله البجلي ) إني رأيت رسول اللّه ً، يمسح على خفيه(2)، وكان جرير هذا إسلامه متأخراً عن نزول المائدة، وفي ذلك صحة ما نريده من كون المسح رخصة عن الغسل.
قلنا: عن هذا أجوبة أربعة:
__________
(1) جرير بن عبدالله بن جابر البجلي القسري، اليماني، أمير يماني، كامل الجمال والحسن، هاجر إلى رسول اللّه ً سنة 9للهجرة، وبايعه على النصح لكل مسلم. مسنده نحو 100 حديث. اتفق الشيخان على 8 منها، وانفرد البخاري بحديثين منها، ومسلم بستة، سكن الكوفة وأرسله علي عليه السلام إلى معاوية فلما وقعت الحرب بينهما خرج جرير، وعدي بن حاتم، وحنظلة الكاتب إلى قرقيسيا وسكنوها وبها مات. (در السحابة 682).
(2) وهو من رواية همام بن الحرث النخعي وغيره: أن جريراً بال ثم توضأ ومسح على الخفين وقال: ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول اللّه يمسح، قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: وما أسلمت إلا بعد نزول المائدة. ا.هـ. (روض ج1/437).

أما أولاً: فلأن ما ذكره جرير لا يعارض ما رواه أمير المؤمنين وابن عباس وابن مسعود وعائشة وغيرهم من الصحابة رضي اللّه عنهم بل نقول: لا وزن لرواية جرير بالإضافة إلى رواية هؤلاء الجلة من الصحابة رضي اللّه عنهم، بل نقول: روايتهم أرجح والعمل عليها أقوى، والتعارض إنما يكون حيث يكون التساوي فأما ما لا تساوي فيه فلا تعارض في حقه.
وأما ثانياً: فلأن الذي رواه جرير حكاية فعل يمكن حمله على أوجه كثيرة فلا يمكن الاحتجاج بظاهره لما فيه من الاحتمالات الكثيرة، فلعله مسح على الخفين لعلة عارضة مانعة من غسل الرجلين، فليس في ظاهر الحديث أنه مسح على الخفين وهو محدث ثم صلى، وهذا لا حجة فيه إلا إذا كان على هذه الصفة.
وأما ثالثاً: فلعله رآه يمسح على خفيه قبل نزول آية المائدة فروى ذلك وكان إسلامه بعد نزولها فإسلامه بعد نزولها لا يدل على تأخرها بعد المسح.
وأما رابعاً: فجرير هذا ضعيف العدالة مطعون فيه، ويروى أنه كان في أيام أمير المؤمنين وكان قد لحق بمعاوية ووالاه بعد ظهور عداوته وحربه لأمير المؤمنين، ومن هذه حاله فأدنى درجاته سقوط عدالته وعدم قبول روايته؛ لأن من شرط صحة الرواية الوثوق بالعدالة والتحرز من الأمور المكروهة في الدين، فإذا لم يكن فاسقاً بموالاة من ثبت فسقه وتمرده عن الدين وخروجه على أئمة الحق فلا أقل من إسقاط روايته واطراحها.

قالوا: روي عن الحسن البصري أنه قال: حدثني سبعون رجلاً من أصحاب رسول اللّه ً أنه مسح على الخفين وفي هذا دلالة على قوته ووضوحه(1).
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن رواية هؤلاء السبعين ربما كانت قبل نزول آية المائدة كما رويناه من حديث أمير المؤمنين وحديث عمر فلا وجه لتكريره؛ لأن كثرة الرواة لا تبطل ما ذكرناه من الاحتمال.
وأما ثانياً: فإنه وإن رواه سبعون رجلاً من الصحابة فقد روى مثل هذه العدة وأكثر أن المسح كان قبل نزول المائدة كما أشرنا إليه.
وأما ثالثاً: فلأنا نقول: ما تريدون بذكر هذه العدة؟ هل تريدون أن المسألة إجماعية؟ فهذا فاسد، فإن المسألة اجتهادية فلا وجه لذكر الإجماع فيما كان معدوداً في المسائل الاجتهادية، وإن أردتم الاستظهار بهذه العدة والتقوية بها فقد ذكرنا أن مثلها بل أكثر في جانبنا، فإذاً لا وجه لذكر هذه العدة.
قالوا: الحاجة تدعو إلى لبس الخفين، وتلحق المشقة في نزعهما فجاز المسح عليهما كالجبائر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن مشقة نزع الخف بمنزلة حل الجبائر؛ لأن أحدهما مخالف للأخر فلا مقايسة بينهما لظهور التفرقة؛ لأن الجبائر مشدودة على جرح فمن أجل ذلك صعب حلها بخلاف الخف فإنه لا حرج هناك فيهما فافترقا.
__________
(1) وممن رويت عنه الرخصة، في (مصنف ابن أبي شيبة)، وعبدالرزاق الصنعاني بالطرق الحسان، عمر وعلي وعبدالرحمن، وسعد، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبو مسعود، وأنس، والبراء، وحذيفة، وسلمان، والمغيرة، وبلال، وخزيمة، وعمرو بن أمية، وجرير بن عبدالله، وعبدالله بن جزء، وأبو أيوب، وأبو موسى، وسهل بن سعد، وأبو هريرة، ا.هـ. (روض)، وأورد الزمخشري (رحمه اللّه) في الكشاف: وعن عطاء: والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول اللّه ً مسح على القدمين. ا.هـ. ج1/598.

وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بقياس مثله، وهو أنا نقول: عضو من أعضاء الطهارة فلا يجوز المسح فيه على حائل منفصل كالبرقع والقفازين، أو نقول: إحدى الطهارتين فلا يجوز المسح فيها على الخفين كالغسل من الجنابة، أو يقال: مسح على الخفين فلا يكون جائزاً كما لو أدخلهما من غير طهارة، أو يقال: مسح على الخفين فلا يكون مجزياً عن غسل الرجلين كما لو مسح عليهما في اليوم الرابع، إلى غير ذلك من القياسات المعارضة لما ذكروه، فبطل ما توهموه، وقد نقل كثير من أصحاب الشافعي، كابن الصباغ صاحب (الشامل)، والعمراني صاحب (البيان)، عن أمير المؤمنين: المسح على الخفين. ونقل أصحابنا إنكار ذلك عنه عملاً وفتوى، والحكايتان يمكن حملهما على الصحة؛ لأن ما نقلوه يمكن حمله على أنه كان قبل نزول آية المائدة، وما نقله أصحابنا يمكن أن يكون بعد نزول المائدة، فلهذا كان القولان متفقين كما أشرنا إليه.
مسألة: وهل يجب الترتيب في أعضاء الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الترتيب في أعضاء الوضوء واجب، فيغسل وجهه ثم يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه، وهذا هو رأي أئمة العترة. قال المؤيد بالله: ولا أحفظ عن أحدٍ منهم خلافاً فيه، وبه قال الشافعي، ومحكي عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وقتادة ).
__________
(1) قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، سمع أنس ابن مالك، وعبدالله بن سرحين، وأبا الطفيل من الصحابة، ومن التابعين: ابن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعكرمة، وروى عنه: الأعمش، وشعبة، وحميد الطويل، وغيرهم. قيل: كان أحفظ الناس، وكان ثقة، حجة، مأموناً في رواية الحديث، وكان في التفسير لا يتقدمه غيره. ولد سنة 61هـ، ومات سنة 117هـ، روى له أئمتنا كلهم، والجماعة، قال المنصور بالله (عبدالله بن حمزة): كان قتادة ممن يقول بالعدل والتوحيد وهو مشهور عنه. ا.هـ. ملخصاً من تراجم الأزهار ج3/31.

والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6].. إلى آخر الآية، وتقدير الدلالة من هذه الآية يكون على أوجه خمسة:
أولها: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ} والفاء للتعقيب، فعطف الغسل على القيام معقباً، فمن قال إنه يبدأ بغسل اليد أو الرجل عقيب قيامه للصلاة فقد خالف ما دل عليه ظاهر القرآن من غير دلالة تدل على تأويله.
وثانيها: أن اللّه تعالى بدأ بغسل الوجه ثم باليدين بعده، والرأس أقرب إلى الوجه فلو كانت البداية به جائزة لذكره [تعالى] بعد الوجه لأنه أقرب إليه، فلما جعل بعده غسل اليدين دل ذلك على أن الترتيب مستحق من جهة التعبد.
وثالثها: أن اللّه تعالى أدخل ممسوحاً بين مغسولين، فأدخل مسح الرأس بين غسل اليدين وغسل الرجلين، وقطع النظير عن النظير، وكان الترتيب اللائق بالإعجاز عطف الشيء على ما يماثله(1)، فلا يقال: رأيت زيداً وضربت بكراً ورأيت عمراً، فلما وسط بين المتماثلين ما يخالفهما دل ذلك على أنه لغرض وفائدة، وليس ذلك إلا لأنه مقصود متعبد.
ورابعها: قوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}.
فقوله: {وَأَرْجُلَكُمْ}: يشتبه الأمر فيه لاحتماله أن يكون مغسولاً عطفاً على المغسول بقراءة النصب، ويحتمل أن يكون ممسوحاً عطفاً على الممسوح بقراءة الجر، ولو عدل عن هذا الترتيب فقال:فاغسلو وجوهكم وأيديكم وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم. لكان الاحتمال زائلاً، فلما عدل إلى هذا النظام في الآية المورث للاحتمال دل ذلك على أنه إنما عدل إليه لغرض وفائدة، وليس ذلك إلا مراعاة للترتيب الواجب في الوضوء.
__________
(1) يقصد: لو لم تكن هناك حكمة في ترتيبها على ما ورد في الآية الكريمة.

وخامسها: أن الواو موضوعة للترتيب مستعملة في اللغة والشرع والاستعمال والحكم، أما من جهة اللغة، فقد روي عن يحيى بن زياد الفرَّاء )، وأحمد بن يحيى ثعلب )، وأبي عبيد القاسم بن سلام )
__________
(1) أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، الكوفي، النحوي، اللغوي، نزيل بغداد، أحد أعلام المدرسة الكوفية في النحو واللغة له مصنفات فيهما، وروى الحديث في مصنفاته عن: قيس بن الربيع وأبي الأحوص، وهو أجل أصحاب الكسائي، وناظر سيبويه مع الكسائي (في مسألة العقرب والزنبور) وله تصانيف في إعراب القرآن. توفي سنة 207هـ. (مقدمة الأزهار).
(2) أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، كان أبوه من موالي بني شيبان ويغلب أن يكون فارسي الأصل، ولد ببغداد سنة200هـ، وألحقه أبوه بالكتاب فتعلم فيه الكتابة، وحفظ القرآن، وبعض الأشعار، وانطلق إلى حلقات العلماء، وخاصة علماء اللغة والنحو وهو في التاسعة، وعكف على حلقة سلمة بن عاصم حيث كان يملي كتب الفرَّاء. وفي اللغة حلقات ابن الأعرابي، وأخذ كتب الأصمعي عن تلميذه أبي نصر ابن حاتم، وكتب كثير من العلماء في النحو واللغة، وتزود بالكثير من القراءات في الحديث، والفقه، والشعر، والأخبار. وفي بعض الروايات عنه أنه سمع مائة ألف حديث، وحضر حلقات ابن حنبل أكبر المحدثين والفقهاء في عصره، وأخذ في الأخبار والشعر عن جماعة من مشاهيرهما ومنهم عمر بن شبه، وابن سلام الجمحي، وكان طوال حياته في بحبوحة من العيش لما كان يفيض عليه من هبات أصحاب الجاه والثراء والأمراء، له كثير من المؤلفات لم يصل منها إلا كتابه (المجالس)،توفي سنة 291هـ (المدارس النحوية244 معجم الأدباء 5/102).
(3) أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي، ذكره الشيرازي في فقهاء بغداد، ولقَّبه مرة بأبي عبدالله ومرة بأبي عبيد، وقال: قال إبراهيم الحربي: كان أبو عبيد كأنه جبل نُفِخَ فيه الروح يحسن كل شيء، ولي القضاء لطرسوس، ومات بمكة سنة 224هـ، عن سبع وستين سنة. (طبقات الفقهاء).

: أنها موضوعة للترتيب لغة، ورووا ذلك عن العرب، وليس عمدتنا في مثل هذه الأمور إلا نقلهم عن أهل اللغة(1)
__________
(1) قال ابن هشام في المغني، عن الواو العاطفة: إن معناها مطلق الجمع، فتعطف الشيء على مصاحبه وعلى سابقه وعلى لاحقه، وأورد عن ابن مالك: وكونها للمعية راجح وللترتيب كثير ولعكسه قليل. وقال ابن هشام: وقول السيرافي: إن النحويين واللغويين أجمعوا على أنها لا تفيد الترتيب مردود، بل قال بإفادتها إياه، قطرب، والربعي، والفراء، وثعلب، وأبو عمرو الزاهد، وهشام، والشافعي، ونقل الإمام (الجويني) في البرهان عن بعض الحنفية: أنها للمعية. ا.هـ. (مغني ج1/391).
…وقال ابن عقيل في شرحه: قالوا ولمطلق الجمع عند البصريين، فإذا قلت: جاء زيد وعمرو، دل ذلك على إجتماعهما في نسبة المجيء إليهما، واحتمل كون عمرو جاء بعد زيد، أو جاء قبله، أو جاء مصاحباً له، وإنما يتبين ذلك بالقرينة، إلى أن قال: ومذهب الكوفيين أنها للترتيب، ورُدَّ بقوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَى}. وجاء في الهامش: لو كان الواو دالة على الترتيب، كما يقول الكوفيون، لكان هذا الكلام اعترافاً من الكفار بالبعث بعد الموت... إلخ. ا.هـ. (شرح ابن عقيل ج3/226).
(تنبيه): كون الواو العاطفة للترتيب ليس رأي المؤلف كما قد يفهم من السياق هنا، بل يرى أنها ليست للترتيب كما سيأتي، ولكنه يرى وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء بالأدلة الشرعية التي أوردها.

86 / 279
ع
En
A+
A-