المذهب الأول: أنه لا معنى لتقديره وإنما يكون على مقدار الحاجة في التطهير في الوضوء والغسل وغسل الأثواب ما لم يكن هناك إسراف، وهذا هو الذي ذكره الهادي في (الأحكام) فإنه استقل الصاع في الغسل وقال: إن التحديد لم يتضمنه الكتاب والسنة، وقال: إن المقصود هو الإتيان بالطهارتين على ما أوجبه الشرع، وكلامه هذا يشير به إلى أن الغرض هو الكفاية من الماء من غير أن يكون هناك خروج عن الحد بالإسراف وتجاوز الحد في إهراق الماء من غير حاجة إليه.
المذهب الثاني: أنه مقدر وهذا هو المحكي عن زيد بن علي، وعليه أكثر العلماء، وحكي عنه أنه قال: لا يجزي المرأة إذا أرادت الاغتسال أقل من صاع ونصف الصاع، والصاع: خمسة أرطال وثلث. والمد: رطل وثلث، وقيل: رطلان، والأول أصح، والصاع بالكيل أربعة أمداد.

والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وهو أن الرسول ً إنما أشار في التقدير إلى ما لا يكون مجزياً دونه، فروى عبدالله بن زيد الأنصاري: أن الرسول ً، توضأ بثلثي المد(1). وهذه الرواية هي أقل ما روي في تقدير الماء في الوضوء، وروت عائشة (رضي اللّه عنها) عن النبي ً أنه كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد، وهكذا روى جابر: أن الرسول ً، كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وعن أنس بن مالك: أن الرسول ً، كان يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع(2)، وقد حكي: عن أحمد بن حنبل: أن الصاع خمسة أرطال لا غير، ولعل هذه الرواية أعني رواية أنس، على رأي من يقول: المد رطلان لتتفق الروايتان، وروت عائشة قالت: اغتسلت أنا والرسول ً، من إناء فيه قدر الفَرق، والفَرق ثلاثة أصواع، فعلى هذا يكون الفَرق ستة عشر رطلاً، فالرسول ً إنما أشار بهذا التقدير إلى ما لا يكفي دونه ولهذا قال محمد بن الحسن الشيباني: إنه لا يمكن المغتسل أن يعم جميع بدنه بأقل من صاع ولا يكفي المتوضئ أن يسبغ وضوءه بأقل من مدٍّ، فالإشارة بهذه التقديرات إنما هي لأقل ما يجزي لا غير ولم يشر إلى ما يكفي فيما فوق ذلك؛ لأن الأمر في ذلك يختلف حاله باختلاف الشعور والأبدان والخرق والرفق بالماء، فلهذا ترك الشارع الإشارة إلى ما فوق ذلك، وإلى ما اخترناه يشير كلام الهادي في عدم التقدير وهو قول الشافعي فإنه قال: واجب ألا ينقص مما روي عن الرسول ً أنه توضأ بالمد واغتسل بالصاع، وقد روي عن جابر: أنه سئل عن الغسل فقال: يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفيني، فقال له جابر: فيكفي من هو خير وأوفر شعراً، يشير به إلى الرسول ً.
__________
(1) ونحوه عن أم عمارة، أخرجه أبو داود، وعن عائشة وجابر: كان النبي ً يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد. أخرجه أبو داود.
(2) هذه إحدى روايتي أبي داود، وفي رواية للترمذي: أن رسول اللّه ً قال: ((يجزئ في الوضوء رطلان من ماء)). قال في جواهر الأخبار: وفيه روايات أخر.

فتنخل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أنه لا ينقص في الوضوء والغسل مما ذكره الرسول ً، فأما الزيادة فلم يقدرها، وما ذاك إلا لأنها مباحة ما لم يقع فيها إسراف وخروج عن الحد، وهو الذي يدل عليه كلام الهادي، والمؤيد بالله، والشافعي، والله أعلم.
مسألة: وهل يجوز أن يمسح الخفاف عوضاً عن غسل الرجلين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك جائز، وهذا هو رأي الفريقين: الحنفية، والشافعية، ومحكي عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس؛ من الصحابة (رضي اللّه عنهم)، فأما مالك فعنه فيه روايات خمس:
الأولى منها: يجوز المسح كمقاله أبي حنيفة، والشافعي، مؤقتاً باليوم والليلة في الحضر، وبالثلاث في السفر.
الثانية: المسح مطلقاً، من غير توقيت كما هو رأي الشافعي في القديم.
الثالثة: تجويز المسح في الحضر دون السفر.
الرابعة: تجويز المسح في السفر دون الحضر رواها عنه ابن أبي ذؤيب ).
الخامسة: إبطال المسح مطلقاً كما هو رأينا، والخف نعل من أدم(2) يغطي الكعبين، والجرموق يلبس فوق الخف وهو خف كبير فوق خف صغير، والجورب يتخذ من جلود تغطي الكعبين أيضاً، وهو فوق الجرموق، ويمسح على هذه الأمور الثلاثة، فأما النعال فهي وإن كانت من الجلود وهي تكون دون الكعاب فلا مسح عليها؛ لأن نزعها يخف ولا يكون فيه مشقة مثل الخف، والنظر عند القائلين به يكون في حكمه وفي شرطه وفي وقته وفي كيفيته وفي الحجة عليه. فهذه مواقع النظر وجملتها خمسة:
الموقع الأول: في حكمه.
__________
(1) أبو الحارث محمد بن عبدالرحمن بن مغيره بن الحارث بن أبي ذؤيب القرشي، كان فقيهاً، عالماً، من فقهاء المدينة، وممن عاصر مالك بن أنس، توفي بها سنة 159هـ. (طبقات الفقهاء).
(2) جمع أديم: وهو جلد الحيوان بعد دبغه.

وهو إباحته لمن لبس الخف وهو على طهارة في حضر كان أو في سفر، وهي رخصة من اللّه تعالى لعباده لما في نزعهما من المشقة لأجل المطر والوحل والبرد الشديد فلهذا اغتفر المسح عليهما، فإذا نزعهما بعد وفاء المدة المقدرة في السفر والحضر وجب عليه غسل الرجلين. وهل يجب عليه استئناف الوضوء أم لا؟ فيه قولان مبنيان على أن المسح هل يرفع الحدث أم لا؟
فإن قلنا: بأنه غير رافع للحدث فإنه يكفيه غسل الرجلين.
وإن قلنا: بكونه رافعاً له فقد عاد الحدث بالنزع فلهذا وجب استئنافه، فلو لبس فردة خف وكانت الرجل الأخرى سقط نصف كفها فلا يجوز المسح على ما بقي منها إلا إذا كان عليها ساتر كالخف، فإن سقطت الرجل من مفصل القدم جاز المسح مهما بقي منها بقية إذا كان مستوراً، والمسح جائز على كل خف صحيح يمكن متابعة المشي عليه لحوائجه.
فقولنا: صحيح، نحترز به عن الخف المخرق الذي لا يمكن المشي عليه لتخرقه؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى مثل ذلك.
وقولنا: يمكن المشي عليه، نحترز به عن الخف الذي لا يمكن المشي عليه إما لرقتة كالخف الذي يكون من الخرق الرقيقة، وإما لثقله، فإن ما هذا حاله لا يجوز المسح عليه فإن لبس خفاً من زجاج جاز المسح عليه، وإن بدا منه لون الرجل عندهم، وفرقوا بينه وبين ستر العورة بالزجاج فإن ذلك غير صحيح، لأن القصد من ستر العورة هو أن لا يراها الناس بخلاف الخف فإن المقصود منه هو إمكان المشي فيه فافترقا، والواجب في الخف الذي يمسح عليه أن يكون ساتراً للقدم مع الكعب من الجوانب كلها إلا من أعلى الكف فإنه غير لازم ستره.
الموقع الثاني: في شرطه، وله شرطان:
الشرط الأول: أن يكون لابساً للخف على طهارة تامة قوية.
فقولنا: على طهارة، نحترز به عما إذا لبسه على غير طهارة فإنه لا يجوز المسح عليه بحال بل يجب غسله.

وقولنا: تامة، نحترز به عما إذا غسل رجله اليمنى ثم أدخلها الخف قبل غسله للثانية فإنه لا يجوز الاعتداد بهذا اللبس لما كانت الطهارة غير تامة بغسل جميع الأعضاء كلها.
وقولنا: قوية، نحترز به عن طهارة المستحاضة فإنها لو طهرت ولبست الخف ولم تصلِّ بهذا الوضوء ثم أحدثت وأرادت أن توضأ وتمسح لتصلي به فريضة، فإن ما هذا حاله غير جائز لكون طهارتها ضعيفة ناقصة.
الشرط الثاني: أن يكون الخف ساتراً قوياً مانعاً للماء عن النفوذ إلى الرجل، حلالاً(1).
فقولنا: أن يكون الخف قوياً، نحترز به عَمَّا إذا كان الخف مخرقاً قد بدا منه محل الفرض فإنه لا يجوز المسح عليه لانخراقه.
وقولنا: ساتراً، نحترز به عما إذا كان دون الكعبين فإنه لا يجوز المسح عليه؛ لأن ما هذا حاله من سواتر الرجل لا يصعب مسحه.
وقولنا: مانعاً من نفوذ الماء، نحترز به عن الخف المنسوج، فإنه وإن كان ساتراً فإنه لا يمنع من نفوذ الماء فيه، فإن ما هذا شأنه فإنه لا يجوز المسح عليه.
وقولنا: حلالاً، نحترز به عن الخف المغصوب، فإنه مأمور بنزعه وإعطائه مالكه والمسح مانع من الاستدامة فمتى حصلت هذه القيود كلها كان المسح جائزاً.
الموقع الثالث: في وقته.
__________
(1) يقصد مباحاً.

حكى الزعفراني، عن الشافعي: جواز المسح على الخفين مطلقاً من غير توقيت، وهذا هو المحكي عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وبه قال الليث، ثم رجع الشافعي عن هذه المقالة في قوله الجديد، وقال: يمسح المقيم يوماً وليلة ويمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وهذا هو قول أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، وابن عباس، وابن مسعود من الصحابة (رضي اللّه عنهم)، ومروي عن عطاء، وشريح )، والأوزاعي، وأبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. قال الشافعي في (الأم): ولو مسح المسافر يوماً وليلة ثم إنه دخل في الصلاة فنوى الإقامة في حال الصلاة بطلت صلاته؛ لأنه قد استكمل مسح المقيم، فإذا نوى الإقامة بطل مسحه فلهذا بطلت صلاته، وإن لبس الخف في الحضر ثم سافر قبل أن يحدث ثم إنه أحدث في السفر فإنه يمسح مسح المسافر، وإن أحدث في السفر ومسح ثم أقام فإنه يتم مسح المقيم لا غير، فإن أقام بعد استكمال مدة مسح المقيم نزع الخفين لا محالة، وإن أقام قبل استكماله كان له أن يتم مسح المقيم لا غير.
الموقع الرابع: في كيفيته.
__________
(1) أبو مضر شريح بن المؤيد القاضي الجيلي، علامة الشيعة، وحافظهم، من أتباع المؤيد بالله، وهو صاحب التصانيف في الفقه منها: (أسرار الزيادات)، و(لباب المقالات لقمع الجهالات). قال الإمام المهدي: وهو سبعه أو ثمانية مجلدات، والناس يغترفون منه. (مقدمة الأزهار).

قال الشافعي: وإذا أراد المتوضئ أن يمسح على الخفين فأحب إليَّ أن يغمس يديه في الماء ثم يضع كفه اليسرى باطنها تحت عقب الخف وكفه اليمنى على أطراف أصابعه ثم إنه يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف أصابعه، وهذا هو المحكي عن ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعمر بن عبدالعزيز، والزهري ومالك، وابن المبارك ). وقال الليث، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وأحمد: المستحب أن يمسح على أعلى الخف دون أسفله وكيف ما أتى بالمسح على الخف سواء كان بيده أو ببعضها أو بخشبة أو بخرقة وسواء مسح منه قليلاً أو كثيراً فإنه يجزيه؛ على رأي الشافعي، وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يجزيه إلا إذا مسح منه قدر ثلاث أصابع بثلاث أصابع، وحُكِيَ عن زفر: أنه لا يجزيه إذا كان قدر ثلاث أصابع بأصبع واحدة، وعن أحمد بن حنبل: أنه لا يجزيه إلا إذا مسح أكثر المقدم، وهل يمسح على عقب الخف أم لا؟
فحكى البويطي، عن الشافعي: أنه يمسح عليه، وقال المزني: إن ذلك غير مسنون.
الموقع الخامس: في ذكر الاحتجاج على جواز المسح على الخفين.
__________
(1) أبو عبدالرحمن بن المبارك المروزي، تفقه على سفيان (الثوري)، ومالك، وكان فقيهاً، زاهداً، عالماً، عابداً، كما قال عنه سفيان بن عيينة. توفي سنة نيف وثمانين ومائة. (طبقات الفقهاء).

والحجة على ذلك: ما روى بلال ) عن النبي ً أنه توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ومسح خفيه(2)، وروى المغيرة بن شعبة: أن النبي ً مسح على الخفين، فقلت: يا رسول اللّه نسيت؟ قال: (( بل أنت نسيت ، بهذا أمرني ربي ))(3). وروى الحسن البصري قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول اللّه ً أنه مسح على الخفين، ولأن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة في نزعه فجاز المسح عليه كالجبائر.
قالوا: ولا يجوز مسح الخفين في الغسل من الجنابة والغسل من الحيض، ولا يجوز المسح على الخفين في الغسل المسنون كالغسل يوم الجمعة والعيدين، ولكن يمسح من الغائط والبول والنوم، إن كان في حضر فيوماً وليلة وإن كان في سفر فثلاثة أيام بلياليها، فهذا ما أردنا ذكره في المسح على الخفين على رأي الفقهاء، وإنما أوردته في كتابي هذا وإن كان مشتملاً على أسرار ودقائق وتفاصيل اشتملت عليه كتب الفقهاء ليكون الناظر متمكناً من الاطلاع على بعض تفاصيله.
__________
(1) هو بلال بن رباح الحبشي، أبو عبدالله، مؤذن رسول اللّه ً، وأحد السابقين الأولين إلى الإسلام الذين أوذوا وعذبوا فاحتسبوا ذلك لله دون أن تنال قريش من إيمانهم شيئاً، شهد مع رسول اللّه ً كل المشاهد، بعد وفاة رسول اللّه ً خرج مجاهداً إلى الشام مع البعوث الإسلامية، وتوفي بدمشق أو داريا كما أورد الشوكاني في ترجمته، وقال: له أربعة وأربعون حديثاً منها في الصحيحين أربعة.
(2) أخرجه مسلم بلفظ: أن رسول اللّه ً مسح على الخفين والخمار.
(3) وهذه إحدى روايات أبي داود.

المذهب الثاني: أنه لا يجوز المسح على الخفين، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية لا يختلفون في ذلك، ومحكيٌّ عن الإمامية، والخوارج، وأبي بكر بن داود من أهل الظاهر، وإحدى الروايات عن مالك، وعن أبي نصر من أصحاب الشافعي: أن غسل الرجلين أفضل من المسح على الخفين، على قياس قول الشافعي، وحكي عن الشعبي، والحكم، وحَمَّاد: أن المسح على الخفين أفضل من غسل الرجلين لقوله عليه السلام: (( إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمة))(1).
والحجة على بطلان المسح: قوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ }[المائدة:6].
ووجه الاستدلال بهذه الآية على بطلان المسح على الخفين: أن اللّه تعالى أوجب بظاهر الآية إما غسل الرجلين على ما نقوله وإما مسحهما على رأي من قال بالمسح فيهما، ولم يذكر المسح على الخفين، فلوكان واجباً كما زعموا لذكره؛ لأنه في محل التعليم للوضوء، فلما لم يذكره دل على كونه غير واجب ولا مشروع.
الحجة الثانية: قوله ً لمن علمه الوضوء: (( توضَّ كما أمرك اللّه فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك)). فلوكان واجباً لقال مع قوله: (( واغسل رجليك )). وامسح خفيك، لأنه مشروع كما زعموا.
الحجة الثالثة: ما روي عنه ً أنه توضأ مرة فقال: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه )). ثم توضأ مرتين إلى أن قال: ثم توضأ ثلاثاً.
ووجه الاستدلال بهذا الخبر: هو أنه كرر الوضوء مرتين وثلاثاً بالغسل ولم يذكر مسح الخف مفرداً ولا مكرراً فدل ذلك على بطلان كونه مشروعاً في الرجلين.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة، من كونه -أعنى المسح على الخفين- غير مشروع في الرجلين، ومعتمدنا في الدلالة على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججاً:
__________
(1) تقدم برواية عن ابن عباس للبزار والطبراني وابن حبان.

الحجة الأولى: ما روي عن النبي ً أنه رأى قوماً تلوح أعقابهم، فقال: (( ويل للعراقيب من النار )). وفي حديث آخر: (( ويل للأعقاب من النار )). وفي حديث آخر: (( أسبغوا الوضوء )).
ووجه الاحتجاج بهذه الأخبار: هو أن ظاهرها أمرٌ بالغسل في الأعقاب فلوكان المسح على الخف واجباً أو مندوباً أو مباحاً لم يكن للوعيد وجه على ترك غسل الأعقاب، لأن له بدلاً وهو ما ذكروه من مسح الخفين، فلما أطلق الوعيد على ترك غسل الأعقاب دل على بطلانه.
الحجة الثانية: قوله ً: (( لا يقبل اللّه صلاة امرئٍ حتى يضع الوضوء مواضعه يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه)).
ووجه تقرير الحجة من هذا الخبر: هو أنه عليه السلام لم يذكر مسح الخفين من جملة مواضع الوضوء كما ذكر غسل الرجلين لما كانا من مواضع الوضوء كالوجه واليدين، فلما لم يذكره دل على بطلانه.
الحجة الثالثة: قوله عليه السلام: (( خللوا أصابعكم لا يخللها اللّه بالنار)).
ووجه تقرير الحجة من هذا الخبر: هو أنه توعد على ترك تخليل الأصابع، فلوكان المسح على الخفين مشروعاً إذن لذكره، فدل ظاهر الأخبار على بطلان المسح على الخفين.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: قد وردت الأحاديث من طريق المغيرة بن شعبة ومن طريق ابن مسعود ومن طريق بلال، على أن الرسول ً مسح على خفيه في الحضر والسفر، ففي الحضر يوماً وليلة وفي السفر ثلاثة أيام بلياليها، وفي هذا دلالة على كونه مشروعاً من جهة الرخصة.
قلنا: إنا لا ننكر رواية هذه الأخبار عمن ذكرتموه من الصحابة (رضي اللّه عنهم) وغيرهم من الرواة، ولكنا نقول: إنها أخبار منسوخة بقوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}. ومهما كانت منسوخة فلا يعرج عليها لبطلانها، والذي يدل على كونها منسوخة وجوه خمسة:

85 / 279
ع
En
A+
A-