قالوا: الآية دالة على وجوب كون الكعبين غاية للغسل، ومن حق ما هو غاية أن ينقطع به الحكم.
قلنا: قد مر الجواب على ما أوردتموه فلا حاجة إلى تكريره.
قالوا: عبادة تتعلق بالأرجل كقطع الخف في حق المحرم فوجب تعلقها بمعقد الشراك.
قلنا: هذا فاسد، فإن ذلك إنما وجب في الأصل لما كان الإحرام متعلقاً بالكف من الرِّجل بخلاف الغسل في الأرجل فإنه متعلق بإدخال الكعبين بالآية.
قالوا: الكعب إنما سمي كعباً لظهوره، ومعقد الشراك شاخص من كف الرِّجل فلهذا وجب تسميته كعباً فيجب أن تتناوله الآية من غير زيادة.
قلنا: إنما سمي كعباً لشخوصه من جانبي مفصل القدم وهذا غير حاصل في كف الرِّجل فلا يجوز تسميته كعباً فبطل ما توهموه.
مسألة: وكيفية التطهير لهذه الأعضاء فيها مذاهب ثلاثة:
الأول: أن الواجب في تطهيرها مرة واحدة، وهذا هو قول أئمة العترة ومحكي عن الفريقين: الحنفية، والشافعية.
والحجة على ذلك: ما روى أُبَيُّ بن كعب عن رسول اللّه ً أنه توضأ مرة واحدة ثم قال: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة بدونه )). والمرتان فضيلة لما روي في خبر أُبي أنه توضأ مرتين ثم قال: (( من توضأ مرتين أعطاه اللّه أجره مرتين)). وفي هذا دلالة على كثرة الأجر بزيادة الثواب. والثلاث هي السنة لما روي في خبر أبي أنه توضأ ثلاث مرات ثم قال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم )). (صلوات اللّه عليهما) فالخبر دال على ما ذكرناه من الواجب والفضيلة والسنة.
المذهب الثاني: أن الواجب هو الثلاث، وهذا شيء يحكى عن بعض الناس هكذا حكاه العلماء ولم أعلم قائله بعينه.

والحجة لهم على ما قالوه: ما روى عمرو بن شعيب )، عن أبيه، عن جده، عن الرسول ً أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: (( هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم))(2). فمعنى قوله: (( فقد أساء)). لمخالفته ما وجب إذا نقص عن الثلاث، ومعنى قوله: (( ظلم)). يعني إذا زاد عليها جاوز الحد؛ لأن الظلم مجاوزة الحد.
ووجه الاستدلال بالخبر على الوجوب: هو أنه سمى النُّقْصَان إساءة والزيادة ظلماً، وهذا إنما يكون في الأمور الواجبة.
المذهب الثالث: أن الواحدة كما هي الفرض الواجب فهي السنة من غير زيادة، وهذا هو المحكي عن مالك.
والحجة على ذلك: هو أنه لما قال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم)). ً جميعاً، فانصرف هذا إلى أول الخبر وهو أنه توضأ مرة واحدة، لأنه المبدوء به، فلهذا كان قوله هذا وما تعلق به منصرفاً إليه؛ لأنه أحق بالإنصراف إليه لكونه صدراً فهذا تقرير المذاهب بأدلتها.
__________
(1) أبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي. روى عن: أبيه، وعمته، والرُبَيِّع بنت معوذ، ومن التابعين: مجاهد، وطاووس، وعطاء، وآخرون. وروى عنه: جماعة من التابعين ضعفه بعض رواة الحديث، وعاب عليه البعض أنه كان لا يسمع شيئاً إلا حدث به. وروي أن أحمد قال: له أشياء مناكير. وقيل: روى عنه الثقات وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده، واختلف الرواة والفقهاء في مدى نسبته إلى التابعين، فقال الدارقطني: قال النقاش: عمرو بن شعيب ليس من التابعين وقد روى عنه عشرون من التابعين. وقال الحافظ ابن حجر: ضعفه ناس مطلقاً ووثقه الجمهور...إلخ. (تهذيب التهذيب 8/43).
(2) أخرجه أحمد، وابن ماجة، عن ابن عمر.

والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من تقرير الواجب بالمرة الواحدة والفضيلة بالمرتين والسنة بالثلاث لما ذكرناه من حديث أبيّ، فإنه صريح في ذلك، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن النبي ً أنه قال: (( لا يقبل اللّه صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه))(1). ولا شك أن من غسل هذه الأعضاء مرة واحدة فإنه يصدق عليه أنه غاسل لها، فلهذا كان الفرض غسلة واحدة وما عداها فهو على الفضيلة والسنة كما شرحناه من قبل.
الانتصار: يكون بإبطال ما عدا ذلك، فأما قول من أوجب الثلاث فهو فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنه لا دلالة لكم في ظاهر الحديث؛ لأنه قال: (( فمن زاد على الثلاث أونقص)). ولم يبين حال الثلاث هل هي واجبة أو غير واجبة، فمعنى إساءته على ما نقوله هو أنه أساء لمخالفته السنة في نقصانه عن هذه العدة، ومعنى ظلمه بالزيادة هو أنه تجاوز الحد حتى خرج عن المسنون والواجب والفضيلة، وهذه الإساءة بالزيادة والظلم بالنقصان لا يقتضيان الإثم والمعصية وإنما يحملان على الكراهة لمخالفتهما للمشروع(2).
وأما ثانياً: فلأن قوله في حديث أبيّ لما غسل مرتين قال: (( ومن توضأ مرتين أعطاه اللّه أجره مرتين )). وقوله لما غسل الثلاث: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي )). وقوله لما غسل الأولى: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه )). فهذا تصريح بحكم كل واحدة من هذه الغسلات وإيضاحه، فكيف يقال بكونها واجبة؟ فأما الإساءة بالزيادة والظلم بالنقصان، فقد تأولناه على وجه موافق لما نحن فيه فبطل ما توهموه.
وأما من قال: بأن الواحدة فرض وسنة. فعنه جوابان:
__________
(1) أورده في الجواهر، وشرح التجريد، والمهذب، بلفظ: ((حتى يضع الوضوء مواضعه، يغسل وجهه...)).
(2) في الحديث آنف الذكر، أفاد أن الإساءة بالنقص والظلم بالزيادة، وهنا عكس الصنفين مع النقيضين، وهو هكذا في الأصل، لذا لزم التنويه.

أما أولاً: فلأنا نستفسره عن هذه المقالة، فنقول: ما تريد بقولك: إن الغسلة الواحدة تكون فرضاً وسنة؟ أتريد أن الرسول ً ما مسح أعضاءه ولا غسلها إلا مرة واحدة؟ فهذا فاسد، فإن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، وعثمان بن عفان رضي اللّه عنه وغيرهما من أكابر الصحابة رووا عنه: أنه غسل أعضاءه ومسحها ثلاث مرات، وإن أراد أن الرسول ً غسلها ثلاث مرات، لكن الغسلة الواحدة قائمة مقام الثلاث، فهذا فاسد أيضاً، فإن الفرض لا يقوم مقام السنة والفضيلة لتغاير هذه الصفات فلا يقوم أحدها مقام الآخر، وإن أراد الغسلة الواحدة تكون فرضاً ونفلاً ولعله مراده فهذا فاسد أيضاً، فإن الفعل الواحد لا يكون موصوفاً بالفريضة والفضيلة(1) لما في ذلك من اجتماع النقيضين؛ لأنه إذا كان نفلاً جاز تركه وإن كان فرضاً لم يجز تركه فيلزم أن يجوز تركه ولا يجوز تركه.
وأما ثانياً: فلأن الظاهر من حديث أُبَيّ أن الرسول ً غسل ثلاث غسلات ومَيَّز كل واحدة منها بصفة في الوجوب والفضيلة والندب، فكيف يقال بأن الغسلة الواحدة قائمة مقام الثلاث؟ فبطل ما توهمه مالك.
مسألة: إذا تقرر بما لخصناه وجوب غسل هذه الأعضاء، فمفهوم الغسل ما هو؟
ولا يقع تردد في أن مفهومه ومعقوله: إمساسه الماء. وهل يعتبر فيه سيلان الماء عنه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لابد من اعتبار السيلان فيه فلا يعقل الغسل إلا بإمساسه الماء بحيث يسيل عنه، وهذا هو رأي القاسمية، ومحكي عن الفريقين: الحنفية، والشافعية.
والحجة على ذلك: هو أن أهل اللغة يفرقون بين المسح والغسل ولا فرق هنا يعقل بينهما إلا أن الغسل إمساس العضو الماء بحيث يسيل عنه والمسح إمساسه الماء بحيث لا يسيل عنه فلو لم يجعل ما ذكرناه فرقاً بينهما لم تعقل التفرقة بينهما وهي معلومة لا محالة.
__________
(1) الفضيلة هنا تعني: السنة كما يفهم من السياق، إذ إن الفريضة والفضيلة ليستا نقيضين، والله أعلم.

المذهب الثاني: أنه لا يعتبر السيلان في الغسل، وهذا هو المحكي عن الناصر. وهو قول محمد بن الحسن الشيباني.
والحجة على ذلك: هو أن مفهوم الغسل ليس السيلان وإنما مفهومه الاستيعاب للمغسول سواء سال الماء عنه أولم يكن سائلاً، فهذه هي التفرقة بينه وبين المسح فإن حقيقة المسح، إمساس العضو الماء بحيث يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ بخلاف الغسل فإنه لابد فيه من الاستيعاب، وفي ذلك ظهور التفرقة بينهما بذلك دون السيلان فلا عبرة به في ماهية الغسل.
والمختار: ما قاله القاسمية، وهو رأي الإمامين الأخوين: المؤيد بالله، وأبي طالب.
والحجة عليه: ما قالوه؛ ونزيد هاهنا: وهو أن المعلوم من عادة أهل اللغة التفرقة بين البلة الحاصلة بالمسح وبين الغسل، فإن البلل لا يعتبر فيه إلا إيصالها بالمحل من غير مسيل بخلاف الغسل فإن حقيقتة السيلان عن محله لا محالة، ويؤيد ما ذكرناه هو: أن اللّه تعالى أمر بغسل بعض أعضاء الوضوء وأمر بمسح بعضها فقال تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}[المائدة:6]. ولا فصل هناك يعقل بينهما إلا بما ذكرناه من سيلان الماء؛ لأن الاستيعاب شامل لهما، فلولم تكن التفرقة بما ذكرنا لم يعقل الفصل بينهما.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: المعتمد بالتفرقة بينهما إنما هو بما أشرنا إليه من الاستيعاب في الغسل دون المسح، فأما سيلان الماء فلا عبرة به في واحد منهما.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن الاستيعاب في الآية شامل لهما فلو لم تكن التفرقة بما ذكرنا لم يُعْقَل الفصل بينهما.

[وأما ثانياً: فلو](1) لم يعتبر السيلان الذي هو أصل ومفعول حقيقة الغسل وجزء من ماهيته لبطل ما ذكرناه من التفرقة بينهما.
مسألة: وهل يكون الدلك من معقول الغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الدلك من مفهوم حقيقته، وهذا هو رأي القاسمية، وهو محكي عن مالك.
والحجة على ذلك: هو أن أهل اللغة لا يسمون إمساس العضو الماء بحيث يكون سائلاً عنه غسلاً، إلا إذا قارنه الدلك، فإن لم يقارنه الدلك فإنهم لا يسمونه غسلاً.
المذهب الثاني: أنه لا يعتبر في ماهية الغسل الدلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله؛ ومحكي عن الفريقين: الحنفية، والشافعية.
والحجة على ذلك: هو أن الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول اللّه ً على لسان أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) وعثمان وغيرهما من الصحابة (رضي اللّه عنهم) [أنهم] ذكروا الغسل لهذه الأعضاء والمسح لما يمسح منها ولم يذكروا الدلك في الأعضاء، فلوكان الدلك معتبراً في الغسل لذكروه؛ لأنه لا تعقل حقيقة الغسل عند من اعتبره إلا به، فلو كان شرطاً في الغسل لذكروه في حال ذكرهم للغسل؛ لأنه جزء من ماهية الغسل ولم يُذكر في حديث واحد من أحاديث الوضوء، وفي هذا دلالة على عدم اشتراطه وأن حقيقة الغسل حاصلة من دونه.
والمختار: ما قاله الإمام المؤيد بالله ومن تابعه من علماء الأمة في عدم اشتراطه.
والحجة على ذلك: هو أن حقيقة الدلك مخالفة لحقيقة الغسل، ولهذا يقال: غسل جسمه وما دلكه، فلو كان جزءاً من ماهية الغسل كما زعموه، إذن لم تعقل ماهية الغسل من دونه، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن حقيقة الغسل على قول القاسمية مركبة من وصفين:
أحدهما: سيلان الماء على المحل.
__________
(1) ما بين القوسين إضافة من المحقق لأن ثاني الأمرين لم يذكر في الأصل من النسختين، ويظهر أن (أولاً) احتوى الأمرين، ولعل عدم الفصل بينهما سهو من المؤلف أو الناسخ، فكان الفصل بينهما هنا بإضافة (ثانياً) إلى الأمر الثاني.

وثانيهما: الدَّلك، فلا تفهم حقيقة الغسل إلا بمجموع هذين الأمرين.
وعند المؤيد بالله وسائر الفقهاء أن ماهية الغسل مفهومة عند سيلان الماء عن المحل وأنها حقيقة مفردة غير مركبة، وأنه لا يحتاج فيها الدلك بحال.
ووجه آخر: وهو أن الدلك عبارة عن تكرير اليد على الجسم واشتقاقه من قولهم: فلان يدالك غريمه بالدين إذا كان يطالبه مرة بعد مرة، ومنه الدلوك؛ لأنه يدلك به الجسم مرة بعد أخرى، فلما كان الأمر فيه كما ذكرناه لا جرم كانت حقيقته مخالفة لحقيقة الغسل(1).
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: أهل اللغة لا يسمون إمساس العضو الماء غسلاً إلا إذا كان مقترناً بالدلك.
قلنا: هذه دعوى فلابد من تصحيحها بنقل من جهة أهل اللغة وليس عنهم شيء مأثور في ذلك، وأيضاً فإنا قد أوضحنا مفارقة الدلك للغسل فلابد في اشتراطه في الغسل من دليل شرعي أو لغوي.
قالوا: من طرح الثوب في الماء من غير عرك لا يقال بأنه غاسل له.
قلنا: لا ننكر كون الدلك قد يضامُّ الغسل لتأكيد النظافة، ولكنا ننكر كونه شرطاً في الغسل بحيث لا يعقل الغسل من دونه، ولهذا يقال: غسل يده وما دلكها، وغسل جسده وما دلكه، وغسل الثوب وما عركه، فدل ذلك على أن حقيقة أحدهما مخالفة لحقيقة الآخر.
قالوا: طاهر عن حدث فيجب أن يكون من شرطها إمرار كالتيمم.
قلنا: عنه جوابان:
__________
(1) جاء في لسان العرب في مادة (دلك): دلك الشيء: مرسه وعركه، وتدلك بالشيء: تخلق به، وتدلك الرجل: أي دلك جسده عند الاغتسال، وقال الزَّجَّاج: دلوك الشمس زوالها في وقت الظهر، ودلك الرجل حقه: مطله، ا.هـ ملخصاً.

أما أولاً: فإنا نقول بموجب هذا القياس، وهو أن الغسل طهارة عن حدث فيجب أن يكون من شرطها إمرار اليد كالتيمم، ولكنا لا نقول بالدلك فإن الدلك عبارة عن تكرير اليد مرة بعد أخرى والمتكرر مخالف لإمرار اليد، فأين أحدهما عن الآخر؟ ولهذا فإنه يقال: أمرَّ يده على جسمه فغسله ولم يدلكه، وفي هذا دلالة على المغايرة بينهما.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكرتموه اعتبار للغسل بالمسح وأحدهما مخالف للآخر، فطهارة التراب من شرطها المسح، وطهارة الماء من حكمها الغسل فلا يؤخذ أحدهما من الآخر، ولأن المقصود من طهارة الماء هو رفع الحدث، والمقصود من طهارة التراب هو استباحة ما كان محظوراً فافترقا، ومن جهة أن التراب طهارة ضرورية، والطهارة بالماء طهارة اختيارية، وأيضاً فالطهارة بالماء تعم جميع الأعضاء، والطهارة بالتراب تختص بعضها، فمع هذه المخالفة كيف يقاس أحدهما على الآخر؟
قالوا: روي عن النبي ً: (( بلوا الشعر وأنقوا البشر فإن تحت كل شعرة جنابة))(1). والإنقاء لا يحصل إلا مع الدلك فلهذا وجب اعتباره.
__________
(1) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، وفيه ما روي عن علي عليه السلام أن رسول اللّه ً قال: ((من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فُعِلَ به كذا وكذا في النار)). قال علي عليه السلام: ((فمن ثم عاديت رأسي)). قالها ثلاث مرات. ا.هـ. اعتصام1/250. قوله: عاديت رأسي: يعني كرهت طول شعره فحلقته.

قلنا: ليس في ظاهر الخبر ما يدل على الدلك فلا وجه للتعلق به، وأما الإنقاء فإنه كما يحصل بالدلك على زعمكم فإنه حاصل بالتعميم للمحل وإمساسه الماء وسيلانه عنه، فإذا كان الإنقاء يحصل بما ذكرنا فلا حاجة إلى اعتبار الدلك. فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لا يجب اعتبار الدلك، وأما سيلان الماء عن محله فلابد منه لأن معقول الغسل ذلك، وأما قطره على الأرض فلا عبرة به، وإنما المعتبر هو سيلانه عن محله وليس الغرض هو سيلانه وقطره على الأرض، لما روي عن النبي ً، أنه قال: (( وضوء المؤمن كدهنه ))(1). يعني في التعميم والاستيعاب للعضو لا في الدلك وتقطيره على الأرض.
فإن قال قائل: قد أوضحتم بما ذكرتموه هاهنا أن الدلك غير واجب في الوضوء، وأن الغسل إمساس العضو الماء بحيث يسيل عنه ولا يلزم تقطيره على الأرض، فما ترون في حال من علق به الوسواس في وضوئه حتى أسرف في استعمال الماء وخرج عن حد المشروع وجاوز عدة الثلاث وأتى بأعداد مضاعفة وكرر ذلك في هذه الأعضاء حتى خرج عن وقت الاختيار بفعله لهذه الأمور كلها، فما يقضي الشرع في أمره؟
__________
(1) جاء في (جواهر الأخبار) - تخريج أحاديث البحر الزخار: (( وضوء المؤمن كدهنه)). حكاه في (الانتصار). ا.هـ. وعن ذي مخبر ابن أخي النجاشي، خادم النبي ً في جملة حديث أخرجه أبو داود ما لفظه: فتوضأ - يعني النبي ً - وضوءاً لم يلت منه التراب. ا.هـ. (جواهر ج2/67)، وهو في معنى سابقه وفي باب مقدار ما يتوضأ به.

فالجواب: أن الذي يظهر هو القطع بخطأه لمخالفته المألوف من عادة الشرع بما ورد في الأخبار من التحذير من الزيادة على الثلاث، وأنه موصوف بالظلم لخروجه عن الحد بالزيادة ويقطع بكونه أتى بدعة مضادة للسنة وأن السنة على خلاف ما هو عليه، فهذا هو الذي يظهر من حكم الشرع في حاله، فأما الكفر أو الفسق بما أتى من هذه البدعة ومخالفة السنة فمعاذ اللّه عن ذلك وحاشا وكلا مع التزامه للأحكام الدينية واستمراره على الإتيان بالواجبات الشرعية وانكفافه عن المحرمات؛ لأن التفسيق والإكفار إنما يكون بأدلة قاطعة شرعية وبراهين يقينية، وليس في إتيانه لهذه البدعة ما يوجب ذلك بحال. وعن عبدالله بن مغفل قال: سمعت رسول اللّه ً يقول: (( إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء))(1).
قالوا: روى المستورد بن شداد ) قال: رأيت رسول اللّه ً إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره(3)، فهذا نص في وجوب اعتبار الدلك في الوضوء.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فإنا لا ننكر استعماله ووجوبه وليس فيما ذكرتموه دلالة على وجوبه.
وأما ثانياً: فلأن ذلك حكاية فعل لا يدرى حاله ولعل في رجله نجاسة، فلهذا كان دلكه للتنقية والنظافة لا من أجل كونه واجباً، ويجوز حمله على أنه أراد بيان الاستحباب في الدلك لا من أجل بيان وجوبه.
مسألة: وهل يتقدر ما يحتاج إليه من الماء في الوضوء والغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجة وابن حبان. وهو في المستدرك عن عبدالله بن مغفل.
(2) المستورد بن شداد بن عمرو بن حسل بن الأحب القرشي الفهري. ذكره في الصحابة في (أسد الغابة ج4/278).
(3) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة.

84 / 279
ع
En
A+
A-