والحجة الثالثة: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( ويل للأعقاب من النار ))(1). وفي حديث آخر: (( ويل للعراقيب من النار )). فلو كان فرضهما المسح، إذن لم يقل ذلك، فهذه الحجج كلها دالة على أن الفرض في الأرجل إنما هو الغسل دون المسح، وحكي عن جابر بن عبدالله أنه قال: أمرنا رسول اللّه ً أن نغسل أرجلنا، ولأنهما عضوان يقطعان في السرقة فيجب أن يكون فرضهما في الوضوء الغسل كاليدين.
الانتصار: يكون بإبطال ما سواه من المذاهب.
فأما تَمَسُّك الإمامية بقراءة الجر فهو فاسد. وجوابه: من أوجه ستة:
الجواب الأول: أنا نقول: الظاهر من قراءة النصب هو الغسل من غير تأويل، والظاهر من قراءة الجر هو المسح من غير تأويل، ولا تعارض بين القراءتين إذ لا تنافي بينهما، ولهذا جاز الجمع بينهما كما هو مذهب الناصر كما سنوضح الكلام عليه بمعونة اللّه تعالى.
__________
(1) عن أبي هريرة أنه رأى قوماً يتوضئون من المطهرة فقال: أسبغوا الوضوء فإني سمعت أبا القاسم ً قال: ((ويل للعراقيب من النار)). أخرجه البخاري ومسلم، والنسائي، وعن ابن عمرو بن العاص قال: تخلف عنا رسول اللّه ً في سفرة سافرناها فأدركناه وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: ((ويل للأعقاب من النار)). مرتين أو ثلاثاً، أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية أبي داود والنسائي نحوه، وكذا للموطأ ومسلم عن عائشة. ا.هـ. جواهر ملخصاً.
وفي قوله: تخلف عنا.. فأدركناه نظر. وفي شرح التجريد وأصول الأحكام والشفاء بلفظي: العراقيب والأعقاب في الحديثين وكلاهما عن جابر. ا.هـ.

فنقول: إذا كان لا تنافي بين القراءتين وكل واحدة منهما مقطوع بصحتها، فطريقة الجمع بينهما هو أن النصب في الأرجل إنما كان على طريقة العطف على الأيدي، والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه شائع كما قال تعالى:{يَسْأَلُوْنَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيْهِ قُلْ قِتَالٌ فِيْهِ كَبِيْرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيْلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[البقرة:217]. وإنما عطف المسجد الحرام على الشهر الحرام لأن توجه السؤال إنما كان عن القتال فيهما؛ لأن تحريم القتال في زمن الجاهلية ربما كان بالإضافة إلى الزمان وهو تحريمه في الأشهر الحرم: ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب، وربما كان في المكان وهو المسجد الحرام، فسألوا الرسول ً عن ذلك، ولا يجوز عطفه على قوله: {عَنْ سَبِيْلِ اللّهِ} لما ذكرناه، ولا يجوز أن يكون الواو فيه واو (مع) لأن هذه الواو إنما يصار إلى النصب بها إذا كان العطف متعذراً فأما مع إمكان العطف فالعطف أحق، وهاهنا العطف ممكن فلا حاجة بنا إلى تقدير المعية والنصب بها ولا يجوز عطفها على المحل في قوله:{بِرُؤُوْسِكُمْ} من جهة أن العطف على المحل لم يرد في كتاب اللّه تعالى، فلما تعذر نصبها على هذه الوجوه لم يبق إلا نصبها [عطفاً] على ما هو مغسول وهو الأيدي لكونه أقرب، فلهذا وجب الحكم عليها بالغسل لعطفها عليه، ومن حق المعطوف أن يكون مشاركاً للمعطوف عليه في إعرابه وعامله.

الجواب الثاني: روي عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) أنه قرأها بالنصب، وقال: إن فيها تقديماً وتأخيراً، يشير إلى ما ذكرناه من تقديمها على الرؤوس وتفسير الصحابي يخالف غيره فضلاً عن تفسير أمير المؤمنين فإنه الأمين على معاني التنزيل وله اليد الطولى في تقرير وجوه التأويل، وقرأ ابن عباس بالنصب وقال: إنه راجع إلى الغسل، وذلك محكي عن: مجاهد، وعروة من علماء التابعين، حكاه أبوعبيدة، فإذا كانت هذه القراءة أعني قراءة النصب محكية عن من ذكرناه من علماء الصحابة والتابعين وجب العمل عليها على حد التفسير الذي ذكروه من غير مخالفة، لا يقال: فأي مانع من أن يكون نصبها على العطف على محل الرؤوس؛ لأنها في موضع المفعول، فيكون الجر عطفاً على ظاهرها والنصب يكون عطفاً على محلها، وعلى كلا الوجهين والقراءتين تكون ممسوحة وهو المطلوب، لأنا نقول: هذا فاسد، فإن القرآن الكريم كالآية الواحدة وهو مفسر لبعضه بعضاً ولم يرد العطف على المحل في القرآن، فلا يجوز تفسيره على ما لم يرد نظيره فيه فبطل ما توهموه.

الجواب الثالث: هو أن العمدة في تقرير [القواعد] اللغوية وتمييز الأسرار الإعرابية تأصيلاً وفيما يقبل ويرد من وجوه التأويلات تفصيلاً، إنما هو على كلام أئمة الأدب من أهل اللغة والنحاة، فما قالوه قلناه، ويجب الاحتكام لأقوالهم والرجوع إليها، وقد قال سيبويه ) وتلميذه الأخفش وغيرهما من أئمة اللغة والنحو: إن قراءة الجر إنما كانت على المجاورة لا بالعطف، وأنشدوا ما حكيناه عن امرئ القيس البيت الذي أنشدناه، وحكوا أيضاً: (هذا جحرُ ضبٍ خربٍ). فوصفوا الضب بالخراب وهو وصف للجحر، ولكن إنما كان ذلك على جهة المجاورة من جهة اللفظ لا غير، فإذا كان هذان الرجلان هما العمدة في علم الأدب من النحو واللغة قد فسروا الآية بما ذكرناه وجب الاعتماد عليه.
__________
(1) اشتهر بلقبه سيبويه وهو لقب أعجمي يدل على أصله الفارسي واسمه: عمرو بن عثمان بن قنبر من موالي الحارث بن كعب. ولد بقرية من قرى شيراز تسمى البيضاء، وفيها تلقى دروسه الأولى، وطمح في الاستزادة من الثقافة في اللغة والدين فقدم البصرة، والتحق بحلقات الفقهاء والمحدثين، ولزم حلقة حماد بن سلمة بن دينار المحدث المشهور حينئذ، وحدث أن لفته إلى أنه يلحن في نطقه ببعض الأحاديث فصمم سيبويه على التزود أكثر من علوم اللغة، ولزم حلقات النحويين واللغويين ومنهم: الأخفش، ويونس بن حبيب، واختص بالخليل بن أحمد، حتى استوعب علمه في النحو والصرف، ولما توفي الخليل خلفه سيبويه في حلقته، وكان قد أصبح عالماً ومرجعاً في علوم اللغة خاصة، وألف كتابه المشهور (الكتاب) وتألق نجمه في البصرة وبغداد وغيرهما، وهو صاحب مدرسة مشهورة في النحو واللغة، وكتابه يتضمن آراءه ونظرياته وكشوفه في هذا المجال. توفي في شيراز وقيل: في همذان، واختُلِف في تاريخ وفاته والأرجح أنه توفي سنة 180هـ. (المدارس النحوية ص57 د. شوقي ضيف).

الجواب الرابع: حكي عن الشيخ أبي علي الفارسي )، أنه قال: قراءة الجر وإن كان ظاهرها عطفاً على الرؤوس فالمراد بها الغسل هاهنا، من جهة أن العرب تسمي خفيف الغسل مسحاً، ولهذا فإنهم يقولون تمسحت للصلاة ويريدون به الغسل للأعضاء في الوضوء والغُسل من الجنابة.
الجواب الخامس: أنا نقول: ما كان من الأعضاء ممسوحاً فإنه غير مفتقر إلى التحديد كالرأس، وما كان مغسولاً فإنه ورد محدداً كاليدين، فلما ورد الرجلان محدوداً غسلهما إلى الكعبين دل ذلك على وجوب غسلهما. لا يقال: فالوجه مغسول ومع ذلك فإنه لم يرد محدوداً فكيف قلتم بأن كل مغسول فإنه محدود؟ لأنا نقول: إنما أطلق الوجه من غير حد لأن حد الوجه معلوم وهو ما واجه، فلهذا أغنى ذلك عن تحديده بخلاف اليد والرجل فإنه لا حد لهما فلهذا وردا محدودين.
__________
(1) الحسن بن أحمد بن عبدالغفار الفارسي أباً وأمه عربية من سدوس شيبان ولد بفسا من شيراز سنة 288هـ، وشب فطناً ذكياً فأكب على التعليم ورحل إلى بغداد سنة 307هـ، وعكف على حلقات البصريين مثل: ابن السراج، والأخفش الصغير، والزَّجَّاج، وابن دريد، ونفطويه، ودرس مؤلفاتهم ومؤلفات سابقيهم مثل: سيبويه، واعتنق مذهب المعتزلة، ونقل أنه كان شيعياً لغلبة التشيع حينئذ على أهل العراق وفارس، ودخل حلب سنة 341هـ، ومعه تلميذه ابن جني الذي شغف بأستاذه ثم عاد إلى بغداد سنة 346هـ، وكانت شهرته قد طارت إلى كل مكان، وأصبح علماً في علوم اللغة، وتوفي بها سنة 377هـ. (المدارس النحوية طبقات القُرَّاء لابن الجزري الفهرست لابن النديم).

الجواب السادس: أنا نقول: إن قراءة الجر ظاهرة في المسح كما زعمتم، ولكن الذي حملنا على الغسل في الأرجل إنما هو عمل الرسول ً، فإنه لم يؤثر عنه أنه مسح رجليه، فلو كان مفهوماً من ظاهر الآية وقد قرأه لفهمها الرسول ً لأنه أعرف الخلق بمقاصد كتاب اللّه تعالى والإحاطة به. فهذا ما أردنا من الكلام على الإمامية في إيجابهم المسح في الرجلين.
وأما ما يحكى عن الإمامين: القاسم، والناصر من الجمع بين المسح والغسل، ففيه جوابان:
أما أولاً: فإنا نقول: قد أقررتم بوجوب الغسل فلا منازعة فيه، فأخبرونا عن إيجابكم المسح، هل كان بالآية أو من دليل آخر؟ فإن أخذتموه من الآية بقراءة الجر فقد أفسدناه وأظهرنا البرهان الشرعي [على] أن جره إنما كان على المجاورة لتطابق قراءة النصب، وأوردنا عليه الشواهد اللغوية فلا مطمع لإعادته، وإن أخذتموه من دلالة أخرى غير الآية فلابد من إظهاره لننظر في صحته وفساده.
وأما ثانياً: فلأنا نقول: هل توجبون المسح أو تستحبونه؟
فإن قالوا: بالاستحباب فلا مقال عليه، لأن كلامنا في بيان ما يكون واجباً في الوضوء.
وإن قالوا: بوجوبهما جميعاً.
فنقول: فهل توجبونهما على جهة الجمع أو على جهة التخيير؟
فإن قالوا: بوجوبهما على جهة التخيير، فسيأتي الكلام على مقالة من خير في الوجوب بينهما.
وإن قالوا: بوجوبهما على جهة الجمع، وهي مقالتهم.
فنقول: مستند إيجابهما جميعاً إن كان من جهة الكتاب فهو فاسد، لأن الآية إنما تناولت المسح لا غير كما زعمتم، وإن كان من جهة السنة فهي إنما تناولت الغسل لا غير، فكل واحد منهما ليس دالاً إلاَّ على المسح وحده أو على الغسل وحده، فمن أين أخذتم بدلالة الجمع بينهما؟
فإن قالوا: أخذناها من مجموع الكتاب والسنة، ولم نأخذها من كل واحد منهما على الإفراد.
قلنا: إنا قد أوضحنا أن الكتاب الكريم غير دال على المسح فلا وجه لضمه إلى دلالة السنة، والسنة، إنما دلت على الغسل لا غير.

فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا، أن دلالة الجمع بين المسح والغسل لا تؤخد من الكتاب ولا من السنة فإذن آل الأمر إلى أنه لا دلالة على وجوب الجمع بينهما، وما لا دليل عليه فلا وجه لإثباته، وأما ما يحكى عن الحسن البصري، وأبي علي الجبائي من التخيير بين الغسل والمسح، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد أوضحنا أن الآية غير دالة على وجوب المسح وأوردناه على الإمامية، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه للتخيير بين ما هو واجب وما ليس واجباً.
وأما ثانياً: فلأن المسح والغسل في الرجلين لو كان واجباً على التخيير كما زعموا لكان رسول اللّه ً أحق من عمل به، فلما لم يعمل به دل على أنه غير واجب، ولأن الصحابة (رضي اللّه عنهم) لو فهموا ذلك من الآية لعملوا على المسح برهة، ولعملوا على الغسل برهة من الزمان، لأن هذا هو الأصل في الواجبين المخيرين، أن يعمل على هذا مرة، ويعمل على هذا مرة فلما تحققنا أن الصحابة لم يمسح أحد منهم على رجليه عوضاً عن الغسل دَلَّ على بطلان التخيير بينهما، فهذا ما أردنا ذكره على من خالفنا في هذه القاعدة.
الفرع الثاني: في بيان كيفية غسل الرجلين.
فإن كان المتوضئ هو الغاسل بنفسه فإنه يبدأ بصب الماء من أطراف أصابعه إلى كعبيه، وإن كان غيره هو الغاسل له صب الماء من كعبه إلى أطراف أصابعه لأن ذلك يكون أمكن في الغسل وأبلغ في الاستيعاب، فإن كانت أصابع رجليه ملتصقة لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالتخليل فإنه يجب عليه التخليل وإيصال الماء إلى باطنها، لقوله ً: (( خللوا بين أصابعكم لا يخلل اللّه بينها بالنار )). وإن كانت متفرقة بحيث يصل الماء إليها من غير تخليل استحب تخليلها لقوله ً للقيط بن صبرة: (( وخلل بين الأصابع )).

وكيفية استحباب التخليل بين الأصابع أن يبدأ بخنصر رجله اليمنى ثم يختمها بإبهامها، ويبدأ بإبهام رجله اليسرى ويختمها بخنصرها، فإن خلقت أصابعه مرتقة فإنه لا يجب عليه فتقها لما في ذلك من الحرج والمشقة فلا يدخل تحت تكليفه.
ويجب إدخال الكعبين في الغسل عند أئمة الآل وهو قول أكثر الفقهاء من الشافعية والحنفية والمالكية خلافاً لزفر بن الهذيل، ولأبي بكر بن داود.
والحجة لنا ولهم، وذكر المختار من ذلك والانتصار على من خالفنا ما قد ذكرناه في اليدين فأغنى عن الإعادة، وقد قال تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبِيْنِ }[المائدة:6]. وقد قال علماء التفسير: أي مع الكعبين، وقد قال ً: (( ويل للأعقاب من النار)). أراد التي لا يصيبها الماء.
الفرع الثالث: الكعبان هما العظمان الناتئان في مفصل القدم والساق عند أئمة العترة، وهو قول أكثر الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ولم يرد حد جميعهما لأنه لو أراد لقال: إلى الكعاب كما قال تعالى:{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} فدل ذلك على أنه أراد الرِّجْلَ الواحدة، وليس للرِّجْلِ الواحدة كعبان إلا على ما قلناه، وعلى قولهم ليس للرِّجْلِ الواحدة إلا كعب واحد.

الحجة الثانية: ما روى النعمان بن بشير ) قال: أقبل علينا رسول اللّه ً بوجهه فقال: (( أقيموا صفوفكم وسدوا الخلل))(2). فلقد رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه، وهذا لا يكون إلا على الاعتبار الذي اعتبرناه في الكعب، وحكي عن محمد بن الحسن، والإمامية أنهم قالوا: معقد الشراك هو الكعب، وأراد به الشراك العربي وهو ظهر الكف، وقد أنكر الأصمعي ) هذه المقالة وتأوله أصحاب محمد بن الحسن على أن المراد بما قاله هو مقطع الخفين إذا لبسها المحرم، وهذا التأويل يقرب لأنه كان
__________
(1) أبو عبدالله النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي المدني، له ولأبويه صحبة، وأمه عمرة بنت رواحة، روى عن النبي ً، وعن خاله عبدالله بن رواحة، وعمر، وعائشة. وروى عنه: ابنه محمد ومولاه حبيب بن سالم، وعروة بن الزبير، وآخرون. قال الواقدي: ولد على رأس أربعة عشر شهراً من الهجرة وهو أول مولود في الأنصار بعد قدوم النبي ً، وقيل: غير ذلك. قال ابن معين: ليس يروي عن النبي ً حديثاً يقول فيه: سمعت، إلاَّ في حديث الشعبي: ((الجسد مضغة)). والباقي من حديثه إنما هو عن النبي ً، وليس فيه سمعت، كان عاملاً على حمص فبايع لابن الزبير بعد موت يزيد، فلما تمرد أهل حمص خرج هارباً فاتبعه خالد بن خلي الكلاعي فقتله سنة 66هـ. (تهذيب التهذيب ج10/399).
(2) سيأتي في صلاة الجماعة.
(3) عبدالملك بن قريب الباهلي المعروف بالأصمعي، ولد في البصرة، من مشاهير لغويي العرب، تعلم في البصرة على الخليل، وعيسى بن عمر، وأبي عمرو بن العلاء، وعليه تعلم أبو الفضل الرياشي، وأبو عبيدة، والسجستاني، والسكري. حفظ لغة البدو ولهجاتها، عهد إليه هارون الرشيد بتعليم الأمين. من مؤلفاته: (الفرس)، و(الأراجيز)، و(الميْسر)، ومجموعة (الأصمعيات). ولولاه لكنا فقدنا الكثير من دواوين العرب وأشعارهم. (راجع الأعلام، ووفيات الأعيان).

كثير الدرية بكلام العرب، وأخلق بمن كان شيخه أبو حنيفة أن يكون أديباً، واحتج الإمامية لما زعموه بأن قالوا: إن قوله تعالى: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} غاية للغسل وغاية الشيء هي منقطعه ومن حق ما يكون غاية، أن يكون منقطعاً عن ذي الغاية؛ فلأجل ذلك حكمنا على أن الغسل ينتهي بالكعبين فلا يكونان داخلين، وإذا لم يكونا داخلين كان غاية الغسل ما دونهما وليس ما دونهما إلا معقد الشراك العربي، فلهذا كان هو الواجب لا غير.
وجوابه من وجهين:
أما أولاً: فلأنا قد قررنا دخول الحد في المحدود فأغنى عن تكريره.
وأما ثانياً: فلأنا نقول: لِمَ أوجبتم غسل معقد الشراك دون غيره، هل كان ذلك بدلالة خاصة فلابد من ذكرها لننظر فيها، فإن كانت صحيحة اتبعناها وإن كانت فاسدة اتبعتمونا، وإن كان إيجاب معقد الشراك من جهة أن الحد في الغسل هو الكعبان، ومن حق أن الحد لا يكون داخلاً في المحدود فهذا شيء قد فرغنا من تقريره وأظهرنا بفعل الرسول ً وأدلة خطابه وجوب إدخال الحد في المحدود.
والمختار: ما عول عليه علماء أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة، ودليله ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن أمير المؤمنين في تعليم وضوء رسول اللّه ً، عن ابن عباس قال: دخل علينا علي بن أبي طالب وقد اهراق الماء فدعا بوضوء، فأتينا بتور(1) فيه ماء حتى وضعناه بين يديه فقال: يابن عباس ألا أريك كيف كان رسول اللّه ً يتوضأ؟ فغسل جميع أعضائه إلى أن قال: ثم غسل رجليه إلى الكعبين. فأفعال رسول اللّه ً دالة على إدخال الكعبين في غسل الأرجل.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم وعند هذا يصح المختار.
__________
(1) التور (بتاء مثناة فوقية مفتوحة، فواو ساكنة، فراء): من الأواني، عربي،وقيل: دخيل. وهو إناء معروف لدى العرب يشربون فيه، أي: إناء للماء وقد يتوضأ فيه. ا.هـ. ملخصاً من اللسان.

83 / 279
ع
En
A+
A-