الفرع الثامن: المشروع هو المسح للأذنين لباطنهما وظاهرهما، فباطنهما مما يلي الوجه وظاهرهما مما يلي الرأس، لما روى المقدام بن معدي كرب ) أن الرسول ً توضأ فمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه(2)، وإذا كان المشروع هو المسح فيهما لما ذكرناه، فهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: [أنه واجب] وهذا هو رأي القاسمية، واختيار السيدين الإمامين المويد بالله، وأبي طالب.
والحجة على ذلك: ما روي عن أبي أمامة الباهلي ) أن النبي ً توضأ فمسح أذنيه مع رأسه وقال: (( الأذنان من الرأس )).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن قوله: (( الأذنان من الرأس )). لا يخلو الحال فيهما إما أن يريد أنهما متصلتان بالرأس من جهة الخلقة والصورة فهذا لا وجه له؛ لأن ما هذا حاله ظاهر لا يحتاج إلى بيان من جهة صاحب الشريعة وإنما يراد منه بيان الأحكام الشرعية، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: إنهما من الرأس في وجوب مسحهما كالرأس فإنه واجب مسحه كما مر بيانه من قبل.
__________
(1) المقدام بن معد يكرب بن عمرو بن يزيد بن معدي كرب. روى عن النبي ً، وأبي أيوب، ومعاذ بن جبل، وخالد بن الوليد. وعنه: ابنه يحيى وآخرون. ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل الشام وقال: مات سنة87هـ، وهو ابن 91سنة، وقيل: غير ذلك. (تهذيب التهذيب ج10/255) و(طبقات ابن سعد).
(2) زاد هشام: ((.. وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه)). أخرجه أبو داود. ا.هـ. وأورده في الاعتصام والشفاء عن المقدام بن معدي كرب بما فيه زيادة هشام دون نسبتها إليه.
(3) صُدَى بن عجلان بن وهب الباهلي، أبو أمامة، صحابي جليل. كان مع علي عليه السلام في صفين، وسكن الشام، فتوفي بأرض حمص سنة 81هـ - 700م. وهو آخر من مات من الصحابة بالشام. له في الصحيحين 250 حديثاً. ا.هـ. أعلام 3/203. راجع تهذيب التهذيب والإصابة.

المذهب الثاني: أن مسحهما مسنون، وهو هذا المحكي عن الناصر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي.
والحجة على ذلك: قوله ً للأعرابي: (( توضَّ كما أمرك اللّه فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك )) ولم يذكر له مسحهما وهو في محل التعليم، وفي هذا دلالة على كونه غير واجب.
والمختار: ما قاله الإمام الناصر ومن تابعه من فقهاء الأمة.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: قوله تعالى في آية الوضوء: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6].. إلى آخر الآية، فإنه ذكر مسح الرأس ولم يذكر مسح الأذنين، وفي هذا دلالة على كونه غير واجب، إذ لو كان واجباً لذكره؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
الحجة الثانية: هو أنهما لو كان مسحهما واجباً لكان لابد عليه من دلالة ولا دلالة هاهنا تدل على وجوبهما؛ لأن ما ورد من الأخبار في كونه مسح أذنيه، ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما هو دال على أن المسح مشروع في حقهما، وأدنى الدرجات فيما يحمل عليه فعله في العبادات هو الندب، والوجوب إنما يؤخذ من دلالة أخرى، وهذا يدلك على أن المسح في حقهما مشروع على جهة الندب لا غير.
الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه.
قالوا: روى أبو أمامة أنه ً، مسح أذنيه ولم يرد إلا بيان الوجوب في حقهما.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فليس في قوله: (( الأذنان من الرأس )). ما يدل على وجوب مسحهما، وإنما قصد أنهما يمسحان كمسح الرأس لا غير، والوجوب يحتاج إلى دلالة واضحة.
وأما ثانياً: فلأن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) وعثمان بن عفان رضي اللّه عنه في وصفهما لوضوء رسول اللّه ً، لم يذكرا: أنه مسح أذنيه، وفي هذا دلالة على أنه غير واجب؛ إذ لو كان واجباً لم يتركه كما في مسح الرأس.
قالوا: مسح لعضوين مغسولين فكان واجباً كمسح الرأس.

قلنا: المعنى في الأصل أنه منصوص لا من جهة كونه ممسوحاً بين مغسولين، على أنا نقول: مسح بين مغسولين فلا يكون واجباً كمسح الرقبة، فهذا ينقلب، وما انقلب من الأقيسة فهو باطل فبطل ما عولوا عليه.
الفرع التاسع: وإذا تقرر أن مسحهما ليس واجباً فهل يمسحان بفضلة ماء الرأس أو يؤخذ لهما ماء جديد؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يؤخذ لهما ماء جديد، وهذا شيء يحكى عن المؤيد بالله، ولم أعرف فيه قولاً للإمام الناصر، وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روى عبدالله بن زيد أن الرسول ً توضأ فمسح أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به رأسه وأدخل أصبعيه في صماخيه. وقال الشافعي في (الأم) و(البويطي): إنه يأخذ لصماخيه ماءً جديداً غير الماء الذي مسح به ظاهر الأذنين وباطنهما، من جهة أن الصماخ في الأذن كالأنف والفم في الوجه، فكما انفرد الأنف والفم عن الوجه بالماء فهكذا حال الصماخ.
المذهب الثاني: أنه يمسحهما بفضل ماء الرأس، وهذا هو رأي القاسمية، وهو محكي عن أبي حنيفة مع أنه مخالف في أصل المسح فإنه عنده ليس واجباً. وعندهم أنه واجب كما مر تقريره.
والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وعائشة وابن مسعود ومعاذ ) وأبو موسى الأشعري وغيرهم من جِلَّةِ الصحابة رضي اللّه عنهم عن النبي ً، أنه قال: (( الأذنان من الرأس )).
__________
(1) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس أبو عبدالرحمن الخزرجي الأنصاري، صحابي جليل، من مشاهير الصحابة، أسلم وهو ابن 18 سنة، وشهد مع رسول اللّه ً بدراً، والعقبة والمشاهد كلها، بعثه رسول اللّه ً إلى اليمن لتعليم الناس، وإليه ينسب بناء مسجد الجَنَد بتعز، وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن في عهد رسول اللّه ً وروى عن النبي ً كثيراً من الأحاديث، وردت روايته في كل الصحاح والسنن، توفي سنة 18 هـ، وهو لم يبلغ الأربعين. ا.هـ. (تهذيب ج10/169).

ووجه الحجة من هذا الخبر: هو أنه ليس يريد أنهما متصلتان بالرأس؛ لأن ذلك معلوم ولا يحتاج إلى بيان، وإنما أراد أنهما بعض من أبعاض الرأس ولهذا أتى بـ(من) وهي دالة على التبعيض، وإذا كانا بعضاً من أبعاضه كانا داخلين في حكم مسحه فيمسحان بفضل مائه من غير إحداث ماء جديد.
والمختار: ما عول عليه الإمام المؤيد بالله ومن تابعه من علماء الأمة.
والحجة عليه: ما نقلناه عنهم؛ ونزيد هاهنا وهو أنهما عضوان مستقلان بأنفسهما لا يجزئ مسح أحدهما عن مسح الآخر، فلا يكونان ممسوحين بفضل ماء الرأس كالمسح على الجبائر وكالمسح على الرقبة.
ومن وجه آخر: وهو أن المسح أحد مُسَمَّي أفعال الوضوء فلا يؤدى المسنون فيه في عضو تام بما أدى به الفرض كالغسل في غيره من الأعضاء.
الانتصار: [يكون] بإبطال ما اعتمدوه في تقرير مذهبهم.
قالوا محتجين بقوله ً: (( الأذنان من الرأس)).
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهر هذا الحديث متروك لأنهما ليسا من الرأس في ظاهر الخلقة فلابد فيه من تأويل، فإذا أضمروا أنهما يمسحان مع الرأس أضمرنا أنهما يمسحان كالرأس حتى لا يظن ظانٌّ أنهما يغسلان كالوجه لقربهما منه.
وأما ثانياً: فإن من جملة رواة هذا الحديث ابن عمر، وقد قال أبو زرعة ): أنه موقوف عليه، وأيضاً فإنه روى عنه مولاه نافع ) أنه كان يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه.
قالوا: ممسوحان متصلان بالرأس فلا يؤخذ لهما ماء جديد كجوانب الرأس.
__________
(1) عبدالله بن عبدالكريم بن يزيد بن فروخ، أبو زرعة الرازي، محدث شهير، توفي سنة 264هـ عن 64 سنة. (راجع طبقات الشافعية ص102 رقم 47).
(2) مولى ابن عمر، أبو عبدالله القرشي ثم العدوي العُمري، روى عن ابن عمر وعائشة، وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم، وعنه: الزهري وابن جريج وعبيد الله بن عمر وغيرهم. كان كثير الحديث، وثقه الرواة، توفي سنة 117هـ. على خلاف في التاريخ. ا.هـ. سير أعلام النبلاء ج5/95.

قلنا: هذا فاسد، فإن جوانب الرأس من الرأس اسماً وخلقة وحكماً، والأذنان ليسا من الرأس اسماً وخلقة وحكماً، فلهذا لم يكونا ممسوحين بفضلة ماء الرأس بل يؤخذ لهما ماء جديد.
الفرع العاشر: هل يكون الغسل مشروعاً فيهما أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن الواجب غسلهما مع الوجه، وهذا شيء يحكى عن الزهري.
والحجة على ذلك: قوله ً: (( سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره ))(1). فأضاف السمع والبصر إليه، فدل ذلك على أنهما من جملة أبعاضه؛ ولأن السمع من جملة حواس الوجه فوجب غسلهما معه كالبصر والشم.
المذهب الثاني: أنه يجب غسلهما مع الوجه ويجب مسحهما مع الرأس، وهذا شيء يحكى عن ابن سريج من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن مبنى العادة على الأخذ بالاحتياط، وإذا كان الأمر كما قلناه فليس يخلو الحال فيهما إما أن يكونا من جملة الرأس وجب مسحهما كالرأس، وإما أن يكونا من جملة الوجه وجب مسحهما معه، فلهذا أوجبنا غسلهما ومسحهما مع جهة التبع للوجه والرأس.
المذهب الثالث: أنه يجب غسلهما مع ما أقبل منهما مع الوجه، ويجب مسح ما أدبر منهما مع الرأس، وهذا شيء يحكى عن الشعبي، والحسن بن صالح.
والحجة على ذلك: هو أن الدليل الشرعي قد قام على أن ما كان مواجهاً فحكمه حكم الوجه في الغسل، وما أقبل منهما فهو من الوجه فلهذا وجب غسله، وما أدبر فليس من الوجه، وأقرب ما يكون إليه الرأس فلهذا كان حكمه في وجوب المسح، فلأجل هذا جمعنا بين المسح والغسل فيهما توفيراً على ما يقتضيه الدليل في حقهما من الغسل لما أقبل منهما والمسح لما أدبر.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة بأنه لا يشرع في حقهما غسل أصلاً وأنهما ممسوحان كما مر تقريره.
__________
(1) رواه مسلم (201)، والترمذي (580، 3421)، والطبراني في الكبير 19/232.

والحجة على ذلك: ما تقرر من الأحاديث المروية عن الرسول ً على لسان أمير المؤمنين (كرم اللّه وجه) وعثمان بن عفان رضي اللّه عنه وغيرهما من جِلَّة الصحابة (رضي اللّه عنهم) الذين رووا صفة وضوء رسول اللّه ً، فإنه لم يعرف غسل الأذنين في شيء من تلك الأحاديث وإنما روي مسحهما، وفي هذا دلالة على أن المشروع في حقهما إنما هو المسح دون الغسل.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
فأما ما قاله الزهري: من الاستدلال بدعاء الرسول ً حيث قال: (( سجد وجهي للذي خلقه ))...إلخ. فهو فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن المراد بالوجه هو الذات كقوله تعالى:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ }[الرحمن:27]. أي ذاته.
وأما ثانياً: فلأن المعلوم من حاله ً، أنه كان يمسحهما مسحاً، فدل ذلك على أن المشروع فيهما المسح دون الغسل.
وأما ما قاله ابن سريج: من طريقة الإحتياط في إيجاب غسلهما مع الوجه ووجوب مسحهما مع الرأس، فهو فاسد بما أوردنا على الزهري، وهو أن الغسل غير مشروع فيهما ولأن ما ذكره وإن كان فيه احتياط من الوجه الذي ذكره فهو خطأ من وجه آخر، وهو مخالفة السنة في غسلهما، فلا وجه لما ذكره من الحيطة، وأما ما قاله الشعبي والحسن بن صالح فهو فاسد بما أوردناه على الزهري، وابن سريج، ثم هو باطل أيضاً بأن أحداً لا يعدهما من الوجه فضلاً عن أن يعد ما أقبل منهما من الوجه وما أدبر منهما من الرأس، فإن ما هذا حاله تحكم لا مستند له ولا برهان عليه فبطل ما قاله(1). فحصل من مجموع ما ذكرناه أن المشروع في الأذنين فيه مذاهب ستة:
أولها: أنهما من الرأس في الاسم والحكم فيمسحان معه، وهذا هو الاسم، فيمسحان بفضلة مائه وهذا هو الحكم وهو رأي القاسمية، وأبي حنيفة.
__________
(1) لعل الصواب: (ما قالاه) لأن الضمير يعود إلى الشعبي والحسن بن صالح.

وثانيها: أنهما ليسا من الوجه فلا يغسلان معه، ولا هما من الرأس فيمسحان بفضلة مائه، ولكن يؤخذ لهما ماءً جديدًٌ وهذا هو رأي الناصر، والشافعي.
والمختار: كما مر بيانه.
وثالثها: أنهما من الرأس خلا أنه يؤخذ لهما ماء جديد غير ماء الرأس، وهذا هو رأي ابن عمر، وعطاء، ومالك؛ فقد وافقونا في الاسم دون الحكم.
ورابعها: أنهما من الوجه فيجب غسلهما كما هو محكي عن الزهري.
وخامسها: أنه يجب غسلهما ومسحهما كما رأى ابن سريج.
وسادسها: أنه يجب غسل ما أقبل منهما مع الوجه، ومسح ما أدبر مع الرأس، كما هو رأي الشعبي، والحسن بن صالح، والله أعلم.
مسألة: في غسل الرجلين، وهما من جملة أعضاء الوضوء بلا خلاف بين الأمة، ولكن الخلاف إنما وقع فيما هو الواجب في حقهما، هل يكون مسحاً، أو غسلاً، أو جمعاً بينهما، أو يكون مخيراً في ذلك كما سنوضح القول في ذلك بمعونه اللّه تعالى.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: في بيان ما هو المشروع في الرجلين، وفيه مذاهب أربعة نذكرها:
المذهب الأول: أن الفرض فيهما هو الغسل دون المسح فإن مسح عليهما لم يجزه، وهذا هو قول أكثر أئمة العترة ومحكي عن الفريقين: الحنفية، والشافعية.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ}، ووجه تقرير الحجة من هذه الأية: هو أن فيها قراءتين:
فالقراءة الأولى: بالنصب، ولا مقال في كونها معطوفة بظاهرها، [على: وُجُوهَكُم وَأَيْدِيَكُمْ]. ولهذا كانت منصوبة مثلها من غير حاجة إلى تأويل.
والقراءة الثانية: بالجر، وإنما كانت مجرورة بالمجاورة [لكلمة: برؤوسِكم]، لا بحكم العطف؛ لأنها غير ممسوحة، والجر على الجوار سائغ في لغة العرب. قال امرؤ القيس ):
كأن ثبيراً في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل(2)
__________
(1) الشاعر الجاهلي المشهور صاحب معلقة (قفا نبك...) له ديوان باسمه.
(2) هذا البيت من معلقة امرئ القيس التي مطلعها:
قِفَا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدَّخُول فحومل
وقد جاء في آخره كلمة (مُزَمَّلِ) مكسورة بالمجاورة لكلمة (بجاد) المجرورة بحرف (في) بينما هي مرفوعة حكماً لكونها صفة لخبر (كأن) وهو (كبير).

فإنما جر (مزملا) على الجوار لبجاد وليس وصفاً له وإنما هو وصف (كبير أناس)، وكان القياس رفعه على أنه صفة لكبير أناس، ولكنه جره لما جاور بجاداً.
الحجة الثانية: كل من وصف وضوء رسول اللّه ً كأمير المؤمنين وعثمان وغيرهما من أكابر الصحابة (رضي اللّه عنهم) فإنهم قالوا: غسل رجليه، ولم يقل أحد منهم إنه مسحهما، وهذا فيه دلالة على أن الفرض فيهما هو الغسل دون المسح.
المذهب الثاني: أن الفرض فيهما هو المسح ولا يجوز الغسل، وهذا هو المحكي عن الإمامية وأهل الظاهر.
والحجة على ذلك: قوله تعالى:{وَأَرْجُلِكُمْ}. بالجر فإنها معطوفة على الرأس كما عطف الأيدي بالنصب على الوجوه، وهذه القراءة بالجر محكية عن حمزة )، وأبي عمرو، وغيرهما من القُرَّاء، ومن قرأ بالنصب من القراء السبعة كالكسائي، وابن عامر )
__________
(1) أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات الكوفي، التيمي بالولاء، القارئ المعروف، روى كثيراً من الأحاديث وخاصة فيما يتعلق بقراءة القرآن، وقرأ عليه القرآن جماعة كثيرة، وله قراءة تعرف به، هي إحدى القراءات السبع. وثقه ابن معين وغيره، وكره قراءته جماعة من الفقهاء، ورُوي أن أحمد بن حنبل كان يكره أن يصلي خلف من يقرأ بقراءة حمزة، ونُسب ذلك إلى ما في قراءته من المد المفرط، والسكت وتغيير الهمز في الوقف والإمالة وغير ذلك. وقال الحافظ بن حجر، عن الذهبي: انعقد الإجماع بآخره على تلقي قراءة حمزة بالقبول. ا.هـ. ونقل قول أبي حنيفة: غلب حمزة الناس على القرآن، والفرائض. (تهذيب التهذيب ج3/24).
(2) عبدالله بن عامر بن يزيد، أبو عمران اليحصبي الشامي، أحد القراء السبعة، ولي قضاء دمشق في خلافة الوليد بن عبد الملك. ولد في البلقاء في قرية رحاب سنة 8هـ - 630م، وانتقل إلى دمشق بعد فتحها، وتوفي فيها سنة 118هـ - 736م.
…قال الذهبي: مقرئ الشاميين، صدوق في رواية الحديث، ا.هـ. أعلام 4/95. راجع تهذيب التهذيب، النهاية وفيات الأعيان.

، ونافع، فإنما يكون منصوباً على محل الجار والمجرور لتتطابق القراءتان على مقصود، وعلى هذا تكون ممسوحة على القرائتين جميعاً.
المذهب الثالث: أن الواجب هو الجمع بين الغسل والمسح، وهذا هو المحكي عن الإمامين: القاسم بن إبراهيم، والناصر، فالمسح بالكتاب والغسل بالسنة.
والحجة على ذلك: هو أن ظاهر الآية دال على المسح بدليل قراءة الجر، ولا محمل لظاهرها إلا المسح، وقراءة النصب موافقة من جهة أنها عطف على محل الجار والمجرور، فإذن المسح حاصل بالكتاب كما قررناه، وأما الغسل فإنما كان بالسنة؛ لأن الرواة لصفة وضوء رسول اللّه ً لم يحكوا عنه أنه مسح، فلما كان الأمر كما قلناه لا جرم جمعنا بينهما توفيراً على الأدلة الشرعية ما يقتضيه حكمها في الدلالة على ما يدل عليه.
المذهب الرابع: أن الواجب هو التخيير بين الغسل والمسح، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري، وأبي علي الجبائي، وابن جريج ).
__________
(1) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج (بضم الجيم وفتح الراء للتصغير وآخره جيم)، الأموي ولاءً، أبو الوليد، أحد العلماء الأثبات، وجهابذة الحديث والفقه، ويقال: هو أول من صنف. روى عن: عطاء، وطاووس، وعكرمة، ونافع، وغيرهم، ونقل عنه الهادي في (المنتخب) في باب الأوقات بواسطة عبدالرزاق. وكان ثقة، ثبتاً، حافظاً، ليس فيه مقال. وهو أقدم شيخ لمحمد بن منصور المرادي، وروى له سائر الأئمة، توفي سنة 150هـ. وقد نيف على التسعين، وأصله من الروم ثم سكن مكة. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب).

والحجة على ذلك: هو أن الكتاب دال على المسح كما هو ظاهر من الآية، والسنة دالة على الغسل، فلما كان الأمر فيهما كما قلنا وجب التخيير بينهما؛ لأن كل واحد منهما أصل في الاستدلال على الأحكام الشرعية يجب العمل بهما جميعاً ولا حاجة إلى النسخ من غير دلالة على التاريخ، فلما بطل النسخ والترجيح لم يبق إلا أن يقال: الواجب هو التخيير إذ لا وجه هاهنا سواه. فهذه جملة ما يعتمده كل فريق في تقرير مذهبه وتصحيح مقالته.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة [وهو الغسل لا غير].
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججاً ثلاثاً:
الحجة الأولى: ما روي عن النبي ً حين علَّم الأعرابي الوضوء: (( توضَّ كما أمرك اللّه فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك)). فلو كان المسح في الرجلين واجباً لذكره؛ لأنه في موضع التعليم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة باتفاق.
الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) أنه قال: جلست أتوضأ فأقبل عليَّ رسول اللّه ً، إلى أن قال: ثم غسلت قدمي فقال النبي ً: (( يا علي خلل الأصابع لا تخلل بالنار))(1). والتخليل إنما يكون في حق من غسل لا في حق من مسح فلو كان المسح واجباً لما قال ذلك.
__________
(1) في أمالي أحمد بن عيسى عن علي عليه السلام بسنده قال: قال رسول اللّه ً: ((خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بالنار)). وهكذا في شرح التجريد وأصول الأحكام، وفيه أيضاً عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام الحديث.

82 / 279
ع
En
A+
A-