الفرع الثالث: وإن غسل رأسه مكان مسحه فهل يكون مجزياً له أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجزيه، وهذا هو اختيار السيد أبي طالب، وهو رأي القفال من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه عدول عن المشروع في وظيفة الرأس فلم يكن مجزياً في حقه كما لو مسح على وجهه ويديه.
وثانيهما: أنه يكون مجزياً له، وهذا هو رأي العمراني من أصحاب الشافعي، واختيار الشيخ أبي حامد الغزالي، وهو قول الإمام الناصر للحق عليه السلام وهو المختار لأمرين:
أما أولاً: فلأن الغسل فيه المسح وزيادة، كل من غسل فقد أتى بحقيقة المسح وزاد عليه، فلا يكون بالغسل خارجاً عن الأمر المشروع في حق الرأس.
وأما ثانياً: فلأن اللّه تعالى بلطف حكمته وسعة رحمته جعل الوظيفة في حق الرأس المسح، لما كان في أغلب الحالات مستوراً بالعمامة فلا يلحقه من الغبار والتصرفات في المهن ما يلحق سائر الأعضاء، وجعل الغسل هو المشروع فيما عداه لما كان يلحقها من الأدران بالتصرفات كثيراً، فالمتوضئ إذا زاد على الوظيفة لم يكن خارجاً بذلك عن حد ما شرع فيه لما ذكرناه.
ومن توضأ ثم حلق رأسه أوحلقت لحيته فهل تبطل طهارته أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن طهارته تبطل ولا يجوز له الصلاة إلا بإعادة وظيفة ذلك العضو إما غسلاً كاللحية أو مسحاً كالرأس، وهذا هو المحكي عن ابن جرير )، وابن خيران من أصحاب الشافعي.
__________
(1) أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، البغدادي، العلامة، المحقق، المفسر. قال الجرافي: أجمعوا أن تفسيره أحسن التفاسير، وله في خبر الغدير مؤلف مشهور، وهو من مشائخ الحديث الذي يُرجع إليهم في تصحيحه، وله التاريخ المشهور (الأمم والملوك)، توفي في شوال سنة 310هـ، عن 86 سنة، (طبقات الشافعية، تهذيب التهذيب، مقدمة الأزهار).
والحجة على ذلك: هو أن غسل شعر اللحية ومسح شعر الرأس إنما وجب غسل هذا ومسح ذاك عوضاً عن البشرة، فإذا أزيلا فالواجب بحكم الشرع إعادة الوظيفة في الغسل والمسح فإذا لم يعد ما ذكرناه من الوظيفة كانت الطهارة مخرومة، فلهذا قلنا ببطلان الطهارة.
و[ثانيهما] ذهب أئمة العترة، والفقهاء: أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وغيرهم من علماء الأمة: إلى أن الطهارة لا تبطل بما ذكرناه من إزالة الشعر.
والحجة على ذلك: هو أن الطهارة قد كملت بالمسح والغسل فإذا كملت لم تبطل بإزالة الشعر، ولأن الطهارة إنما تبطل بعد انعقادها بشيء من النواقض، وحلق الشعر لا يكون ناقضاً.
فإذا تقرر أنه ليس مبطلاً للطهارة فهل تعاد الوظيفة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن إعادة الماء فيما يغسل أو يمسح ليس مشروعاً، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أنه لم ترد بذلك دلالة من كتاب ولا سنة، فلو كان ذلك مشروعاً لنقل، فلما لم ينقل دل على كونه غير مشروع.
وثانيهما: أنه مشروع وهذا هو الذي عليه علماء العترة.
والحجة على ذلك: هو أنه إذا أزال الشعر فقد بطلت تلك الوظيفة التي كانت مستحقاً لها فلولم تعد تلك الوظيفة لخلا العضو عما يستحقه من الطهارة من مسح أو غسل، وإذا قلنا بكونه مشروعاً فهل يكون واجباً أو مستحباً؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يكون على الوجوب وهذا هو الذي ذكره الإمام أبو طالب لمذهب الهادي.
والحجة على ذلك: هو أن غسل اللحية هو الواجب ومسح الرأس كذلك، ولا شك أن الشعر قائم مقام البشر وخلف عنه فإذا أزيل الشعر بوجه ما كان عليه واجباً من تلك الوظيفة وإلا خلا العضو عما كان يستحقه من التطهير.
وثانيهما: أنه يكون مستحباً وهذا هو رأي الإمامين زيد بن علي والمؤيد بالله.
والحجة على ذلك: هو أن الوضوء قد صار منعقداً، وعروض ما عرض لا يبطل حكم الطهارة المنعقدة، فإذا كان ليس مؤثراً في بطلانها كانت باقية على الانعقاد، فإذا ظهر كونه غير واجب كان مستحبا تأكيداً للتطهير.
قال أبو خالد ): سألت زيد بن علي عمن قلم أظفاره بعد الوضوء، فقال: يمر الماء على أظفاره. فظاهر هذا هو الاستحباب كما ذكرناه.
والمختار: ما عول عليه الإمامان زيد بن علي والمؤيد بالله من القول باستحبابه وعليه دل كلام الإمام القاسم بن إبراهيم، ويدل على ذلك هو أن موضع الحلق والتقصير صار خالياً عما يتوجه له من الوظيفة فلأجل ذلك استحب مسحه لئلا يخلو عما كان له من التطهير.
الانتصار: يكون بإبطال ما عداه، فمن زعم أنه غير مشروع كما يحكى عن أكثر الفقهاء فهو فاسد؛ لأن المقصود بما نريده من كونه مشروعاً من أن الوظيفة في حقه قد زالت بتنحية الشعر فلهذا استحب إمرار الماء عليه إكمالاً للطهارة ورغبة في إتمامها.
__________
(1) هو الشيخ، الحافظ، المحدث، أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، الهاشمي بالولاء، الكوفي. كان أصله بالكوفة، ثم انتقل إلى واسط، روى المجموعين الحديثي والفقهي عن الإمام زيد بن علي، وكذا تفسير الغريب للإمام زيد، وكتاب الحقوق له عليه السلام، توفي في عشر الخمسين والمائة. أجمع أهل البيت على عدالته، وطعن البعض من غيرهم في عدالته. وفي ترجمته بمقدمة الروض النضير، قال ابن مرغم في شرحه على (البحر): أبو خالد، أهل الحديث يضعفون روايته وأهل البيت يصححونها، وذلك لأن أهل الحديث جرحوه بحب آل محمد. وقال ابن مظفر في (الترجمان): فمن رام جرحه (يعني أبا خالد) فقد كذب وافترى وظلم واعتدى. تراجع ترجمته في مقدمة الروض النضير ج1/66.
وأما من قال: إنه واجب محتجاً بأن المسح على الشعر إنما وجب من أجل كونه بدلاً عمَّا [كان] تحته فلما زال توجه الأمر بالوجوب في تأدية الوظيفة، فهو غير لازم، لأنا نقول: إن العبادة قد انعقدت لا محالة ولهذا جاز تأدية الصلاة بها، فإزالة الشعر لا تبطل الطهارة ولا تنقضها كما مر بيانه. وأما من زعم بطلان الطهارة فقد أبعد، فإن الشرع لم يدل على أن إزالة الشعر من جملة النواقض، فلأجل هذا قضينا بصحة الطهارة وصحة الصلاة بها لانعقادها من أول الأمر، والله أعلم.
الفرع الرابع: فإن كان على رأسه عمامة، فالواجب عليه تنحية العمامة ومسح رأسه كله، عند أئمة العترة لما روى أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه، وعثمان بن عفان رضي اللّه عنه في صفة وضوئه ً أنه مسح رأسه، فإن اقتصر على مسح العمامة لم يجزه عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي، ومالك.
والحجة على ذلك: قوله تعالى:{وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}.والعمامة لا يقع عليها اسم الرأس، ولأنه عضو لا تلحق المشقة في إيصال الماء إليه فلم يجز المسح على حائل منفصل عنه كالوجه واليدين.
فقولنا: لا تلحق المشقة في إيصال الماء إليه، نحترز به عن الجبائر فإن حلها مما يلحق المشقة به.
وقولنا: حائل منفصل، نحترز به عن مسح الشعر النابت على الرأس. وحكي عن الأوزاعي، والثوري، وأحمد، وداود: جواز المسح على العمامة والاقتصار عليه، خلا أن أحمد والأوزاعي قالا: إنما يجوز ذلك على شرط، ثم اختلفا في الشرط، فقال الأوزاعي: الشرط أن يكون قد لبسها على طهارة كالخف. وقال أحمد: الشرط في ذلك أن يكون قد اختطم باللثام بأن وضعه على عذاريه وتحت حنكه.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً، أنه أمر بالمسح على المشاوذ والتساخين، والمشاوذ: بالشين بثلاث من أعلاها وذال بنقطة من أعلاها: هي العمائم. والتساخين: بالتاء بنقطتين من أعلاها وسين مهملة وخاء منقوطة هي: الخفاف. وهو فارسي مُعَرَّب.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة، ودليلنا ما ذكرناه، ولأن العمامة لباس الرأس فلو جاز المسح عليها لجاز المسح على الكمين لما كانا لباساً لليدين، فلما لم يجز ذلك دل على بطلان ما زعموه.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حجة لهم.
قالوا: مسح رسول الله ً على المشاوذ، وهي: العمائم جمع مشوذة.
قلنا: إن ما فعله رسول اللّه ً محمول على أنه مسح على العمامة مع مسحه على الرأس، وإنما تأولناه على هذا التأويل جمعاً بين ما ذكروه وما أوردناه من الأخبار الدالة على مسحه على رأسه وظاهر الآية. وحكي عن الشافعي: أنه إذا كان على رأسه عمامة ولم يُرِدْ نزعها فإنه يمسح على ناصيته وعلى العمامة. وهذا الخبر فيه حجة على من جَوَّزَ الاقتصار على العمامة، في المسح فإنه مانع من ذلك، وهو ما رواه المغيرة بن شعبة عن النبي ً، أنه مسح على عمامته وناصيته، وفيه حجة للشافعي على جواز الاقتصار على بعضه، وقد قررناه من قبل وذكرنا تأويله فأغنى عن الإعادة.
ويستحب أن يدخل بعض أصابعه في صماخ أذنيه لما روى هشام ) عن النبي ً أنه مسح رأسه فوضع كفيه على مقدم رأسه فأَمَرَّهما حتى بلغ القذال ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم أدخل أصابعه في صماخي أذنيه.
الفرع الخامس: في التكرار في مسح الرأس، وفيه مذاهب ثلاثة:
الأول: أن السنة أن يمسحه ثلاثاً، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي وهو قول عطاء.
__________
(1) لعله هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر المتوفى سنة 146هـ، ثقة، حافظ، سمع ابن عمر وابن الزبير، وهو موصوف بالورع، والزهد، توفي عن 87 سنة. (راجع التاريخ الكبير، والتقريب، والجرح والتعديل).
والحجة على ذلك: ما روى أُبَيُّ بن كعب أن الرسول ً توضأ مرة مرة، وقال: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه )) ثم توضأ مرتين مرتين وقال: (( من توضأ مرتين أعطاه اللّه أجره مرتين)). ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء خليلي إبراهيم)). ولم يفصل بين الرأس وغيره.
والحجة الثانية: قياسية، وهو أنه أحد أعضاء الطهارة قيس فيه التكرار كسائر الأعضاء.
المذهب الثاني: أن السنة فيه مرة واحدة، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة، وبه قال الحسن، ومجاهد، ومالك، وسفيان الثوري، وأحمد، وأبو ثور، ومروي عن الشيخ أبي نصر(1) من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين وعثمان بن عفان في صفة وضوء رسول اللّه ً، فغسلا ثلاثاً ثلاثاً ثم مسحا الرأس مرة واحدة، فدل ذلك على أن المسنون فيه عدم التكرار كما قلنا.
المذهب الثالث: أن المسنون فيه مرتان، وهذا هو المحكي عن ابن سيرين والإمامية.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً أنه توضأ مرتين وقال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم)). وهذا يدل على أن المسنون فيه مرتان، مرة فرضاً، ومرة سنة، كما في سائر أعضاء الطهارة.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة، وهو أن السنة في مسحه تكريره ثلاثاً.
والحجة على ذلك: ما قالوه، ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: ما رواه أبو رافع وعبدالله بن أبي أوفى ) عن الرسول ً أنه مسح رأسه ثلاثاً.
__________
(1) هو أبو نصر بن الصباغ وقد تقدمت ترجمته.
(2) عبدالله بن أبي أوفى الأسلمي هو آخر الصحابة موتاً، توفي بالكوفة سنة 86هـ، وقيل: سنة 88هـ، وقد قارب المائة، وهو آخر من شهد بيعة الرضوان، فقيه، روى عنه: عطاء والأعمش. ا.هـ. سير أعلام النبلاء 3/428.
الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه عن النبي ً أنه مسح رأسه ثلاثاً، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المسنون في مسحه التكرار كما أوضحناه؛ ولأن الثلاث أحد الاستيعابين فسن في الرأس كاستيعاب المحل.
الانتصار: يكون بإبطال ما عداه.
قالت الحنفية: التكرار ليس مسنوناً في الرأس، لحديث أمير المؤمنين وعثمان فإنهما رويا التكرار في الوضوء دون مسح الرأس.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن الرواية عن أمير المؤمنين وعثمان في التكرار قد رواه عدة من الرواة عنهما، وإذا كان الأمر فيها كما قلناه فيجب الحكم بالتعارض في الروايتين ويبقى حديث أُبَي بن كعب خالياً عن المعارضة فيجب الاعتماد عليه.
وأما ثانياً: فلأن روايتنا أحق بالعمل من جهة أنها تختص بزيادة وهي مقبولة من الراوي، ومن جهة أن رواتها أكثر فلا جرم كانت أرجح وأحق بالعمل.
وأما ثالثاً: فلأنه محتمل أنه إنما مسح مرة واحدة على رأسه ليبين كونه مجزياً كما روي أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثاً ويديه مرتين ليبين الجواز.
قالوا: مسح فلا يُسن فيه التكرار كالمسح على الخف والتيمم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن مسح الخف والتيمم بدلان عن غيرهما، فلأجل هذا ضعفا فلم يسن فيهما تكرار، بخلاف مسح الرأس فإنه أصل ليس بدلاً عن غيره فلهذا أكمل.
وأما ثانياً: فلأن مسح الخف والتيمم نقصا عن الأصل في المقدار فلهذا نقصا عنه في الصفة، وهي التكرار، وهذا لم ينقص في المقدار فلم ينقص في التكرار، على أن المسح على الخف ليس مذهباً لنا فلا يلزمنا الجواب عنه، وإنما هو رأي الفقهاء وسنوضح القول فيه.
قالوا: لو تكرر المسح لخرج عن حقيقته؛ لأنه يكون غسلاً فيكون في تصحيحه إبطاله، وكل ما كان في تصحيحه إبطاله فهو باطل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الغسل يكون بالجريان، والمسح لا جريان فيه للماء عليه؛ لأنه بتكرر المسح لا يصير غسلاً.
وأما ثانياً: فلأن كل مسحة بنفسها ليست غسلاً، ولا تكون محصلة للجريان، والجريان إنما يحصل بالجريان بالمجموع وما تفضي إليه بمجموعها فلا اعتبار به.
قالوا: لو قلنا بأن المسح يتكرر لاجتمع فيه شيئان: التكرار والاستيعاب.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن الاستيعاب سنة، وإنما هو فرض واجب كما مر تقريره، فهذا لا يلزمنا وإنما يلزم إخوانكم من الشافعية حيث قالوا: بأن الاستيعاب فيه سنة.
وأما ثانياً: فلأن مثل هذا غير ممتنع كما يجتمع ذلك في الوجه والرِّجل واليد، فالوجه: تطويل الغرة والاستنان، وفي اليد والرجل: تطويل الغرة والتكرار، فلا مانع من اجتماع السنتين.
قالوا: روت الربيع بنت معوذ أن الرسول ً مسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه مرة واحدة، وفي هذا دلالة على أن التكرير غير مسنون.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكرناه من حديث أبيّ في تكرير المسح أحق لكونه موافقاً للسنة في أعضاء الوضوء، ولأن الأخبار الواردة في تكرير المسح هي الأكثر كما ورد في حديث أمير المؤمنين وحديث عثمان.
وأما ثانياً: فلأنه إنما أراد بالمسح مرة واحدة ليدل بها على جواز الاقتصار فيه على مرة واحدة ولم يرد بيان المسنون، فلهذا مسح مرة واحدة.
قالوا: لوكان التكرار مسنوناً لتواتر النقل به كما ورد في مسنون الغسل، فلما لم يتواتر التكرار دل على كونه غير سنة.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا ينقلب عليكم، فإنا نقول: لو كان المسنون مرة واحدة لتواتر النقل به كما تواتر غيره، فلما لم يتواتر دل على بطلان ما ذكرتموه.
وأما ثانياً: فلأن الأحاديث قد وردت بالتكرير في مسح الرأس أكثر من ورودها مرة واحدة.
الفرع السادس: إذا تقرر أن التكرار مسنون في مسح الرأس ثلاثاً، فهل يكون ذلك التكرير بماء واحد ثلاث مرات أو يكون لكل مرة ماء واحد؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن تكرير مسحه يكون بأمواء مجددة مرة بعد أخرى حتى تستوفي ثلاثاً وهذا هو رأي الهادي.
والحجة على ذلك: ما روى أُبيّ بن كعب عن رسول اللّه ً أنه توضأ مرة مرة ثم قال: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه)). ثم توضأ مرتين مرتين ثم قال: (( من توضأ مرتين أعطاه اللّه أجره مرتين )). ثم توضأ ثلاثاً ثم قال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم )). ثم إنه لم يفصل بين ما كان مغسولاً وبين ما كان ممسوحاً في أن السنة تكرير غسله أو مسحه ثلاث مرات بأمواء متجدد، وفي هذا دلالة على ما ذكرناه في ذلك.
المذهب الثاني: أن السنة في تكرير مسح الرأس يكون بماء واحد ثلاثاً، وهذا هو المحكي عن المؤيد بالله.
والحجة على ذلك: ما في حديث الرُّبيع بنت معوذ قالت: رأيت رسول اللّه ً مسح رأسه ومسح ما أقبل منه وأدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة، فأخذنا من ظاهر هذا الحديث أن الماء واحد، وأخذنا من ظاهر حديث أبيّ بن كعب تكريره ثلاث مرات، فحصل من مجموع ذلك: أنه مسح رأسه بماءٍ واحد ثلاث مرات، وهذا هو المطلوب.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأوجه:
أما أولاً: فلأن وظيفة الرأس خفيفة، فلو كان المسنون في حقه بأمواء جديدة لكان ذلك مناقضاً لما فهم من حقيقته في الخفة والسهولة.
وأما ثانياً: فلأن تكرير الأمواء في مسحه ثلاث مرات فيه تقريب من ماهية الغسل وحقيقته، وفي ذلك مناقضة للمشروع في حقه.
وأما ثالثاً: فلأن المفهوم من حاله عليه السلام هو التساهل في مسح الرأس، ولهذا فإنه روي أنه كان مُعْتَمًّا فحسر العمامة عن رأسه، وأدخل يده فمسح على ناصيته، وروي عنه ً أنه مسح رأسه من فضل ما كان في يده. فهذه الأخبار كلها دالة على سهولة الأمر في وظيفة الرأس، وهذا يؤيد ما قلناه من أن مسحه ثلاث مرات بماء واحد يطابق ما ورد في هذه الأحاديث من التخفيفات.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: حديث أُبيّ فإنه لما توضأ ثلاثاً قال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)).
قلنا: ليس في ظاهر هذا الحديث ما يدل على أنه مسح رأسه بأمواء ثلاثة مجددة، وإنما ظاهره دال على مسح الرأس مطلقاً، ولم يبين فيه هل كان بماء واحد أو بثلاثة أمواء، فمن حقكم إيضاح ما قلتموه بدلالة غير محتملة.
قالوا: حديث عثمان في صفة وضوء رسول اللّه ً أنه مسح رأسه ثلاثاً، فدل ذلك على صحة ما قلناه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فقد ورد في حديث أمير المؤمنين في صفة وضوء رسول اللّه أنه مسح رأسه مرة واحدة فيتعارضان.
وأما ثانياً: فليس فيه دلالة على أنه كان ذلك المسح بأمواء مجددة والنزاع إنما وقع في ذلك، وظاهر الحديث فيه على ما قلتم من اعتبار ثلاثٍ بأمواء مجددة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الأحاديث في صفة مسح رسول اللّه ً لرأسه مختلفة اختلافاً كثيراً، لكن في مسحه ثلاث مرات بماء واحد، جمع بين الأحاديث فيكون فيه وفاء بالعدد تصديقاً لقوله عليه السلام في بعض الأحاديث، إنه مسح ثلاثاً يريد به ذلك، وأنه مسح بماء واحد فيكون فيه تصديق لقوله(1) عليه السلام إنه مسح مرة واحدة يعني بماء واحد، فلهذا كان المستحب في وظيفة الرأس أن يكون ثلاثاً بماء واحد على جهة التعميم.
الفرع السابع: ومن دهن رأسه نظرت، فإن كان ذلك الدهن مما يجمد على الرأس فيكون مانعاً من وصول الماء إليه لم يكن مجزياً له، كما لو قطر عليه الشمع أو الشحم، فإنه إذا مسح على ذلك لم يكن ماسحاً على الرأس ولا على شعره فلا يجزيه، كما لو مسح على العمامة، وكما لو طين رأسه بطين ثم مسح عليه، وإن كان الدهن مما لا يمنع وصول الماء جاز ذلك، ولم يكن مانعاً من الإجزاء، كما لو دهن رأسه بالزيت والسليط وغير ذلك من المائعات التي هي غير مانعة من وصول الماء، والله أعلم.
__________
(1) صوابه: لفعله.