وأما ثانياً: فلأن الشيخ أبا الفتح بن جني ) قال: ومن زعم أن الباء للتبعيض فشيء لا يعرفه أهل اللغة ولا ورد في شيء من كلام العرب منظومه ولا منثوره، وفي هذا دلالة على ضعف هذه المقالة أعني دلالتها على البعضية.
__________
(1) أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، كان أبوه مولى، رومياً، يونانياً، وكان مملوكاً لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي، ومن ثم فهو أزدي بالولاء. ولد حوالي سنة 320هـ بالموصل، وكان شديد الذكاء أكب على علوم اللغة العربية والفقه والحديث، وأخذ يدرس الطلاب بالموصل ويتعرض للأعراب الفصحاء، وحدث أن مر بحلقته أبو علي الفارسي إمام النحاة في عصره وعمر ابن جني لم يتجاوز الثامنة عشرة، ومن ثم لحق به ابن جني ولازمه أربعين سنة، وأتاحت له صحبته أن يستوعب آراءه في اللغة نحوها وصرفها، وأن يتعرف ببلاط سيف الدولة على المتنبي، وقامت بينهما صداقة رفيعة، فشرح ديوان المتنبي وفسر أشعاره حتى اشتهرت عن المتنبي مقولته: (ابن جني أدرى بشعري مني). وابن جني ممن أكثر في التصنيف حتى بلغت مصنفاته الخمسين، ومنها تسجيله لكلام أستاذه الفارسي مثل: (اللمع) و(ذي القد) و(تأييد تذكرة أبي علي). واشهر مصنفاته كتاب (الخصائص) في ثلاثة مجلدات مطبوعة. ومن أهم مصنفاته أيضاً كتاب (المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها). وقد نشر منه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة الجزء الأول. وله كتاب (المنصف) شرح فيه كتاب (التصريف) للمازني، نشر بالقاهرة في ثلاثة أجزاء. وكان يأخذ بوجهة النظر الكوفية في كثير من المسائل. وظل يوالي التأليف والتصنيف حتى توفي سنة 392هـ. وجني: معناه بالعربية فاضل وتترجم حين تكتب بالحروف اللاتينيه ممثلة للفظ اليوناني gennaius ، ومعناه: كريم، أو نبيل، أو عبقري، وجني بكسر الجيم وكسر النون مشددة وسكون الياء فلا تشدد كياء النسب إذ ليست بها. (المدارس النحوية الخصائص).

وأما ثالثاً: فلأنا نقول: الفعل في حالة إذا كان متعدياً بنفسه ثم عدي بالباء، فلا وجه لتعديته بالباء إلا من جهة الإشعار بالتعميم؛ لأنه إذا كان معدى بنفسه كان محتملاً للتعميم وغيره في مثل قولك: مسحت رأسي، فهو محتمل لأن يفيد الشمول في مسح الرأس، ويحتمل أن يكون مفيداً للتخصيص ببعضه، أما إذا كان معدى بالباء وكان في الأصل معدى بنفسه فالباء لم تأت إلا دالة على التعميم لا محالة، لأنها دالة على الإلصاق ومشعرة به فكأنها لإلصاق المسح بكل جزء من أجزاء الرأس وهذا هو مطلوبنا، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى:{وَلاَ تُلْقُوْا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْتَّهْلُكَةِ }[البقرة:195]. وقوله تعالى:{وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيْعَاً }[آل عمران:103]. وقوله تعالى:{بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُوْنُ }[القلم:6]. فهي في جميع مواردها في كتاب اللّه لا تفيد التبعيض بحال فكيف يقال بأنها هاهنا دالة عليه مع أنها غير مستعملة فيه؟ فحصل من مجموع كلامنا هاهنا أنه لا دلالة لمخالفينا في الآية على مسح بعض الرأس وأنَّا أحق بالاستدلال بها على رأينا في تعميم مسح الرأس بالماء. والعجب من نظار الفقهاء من أصحاب الشافعي كابن الصباغ صاحب (الشامل)، وأبي إسحاق صاحب (المهذب)، والعمراني صاحب (البيان) وغيرهم من محصلي مذهبه، كيف جعلوا الآية عمدة لهم في التبعيض مع أنها غير موضوعة لإفادته ولا دالة عليه بحال، ومن أجل ذلك كان أئمة الأدب من أهل اللغة والنحاة ما ذكروا دلالتها على التبعيض ولا عدوه من جملة معانيها كالاستعانة والمصاحبة والمقابلة وغيرها، وما ذاك إلا لأنها لا تفيده بحال.
الحجة الثانية: أن مخالفينا في هذه المسألة وإن كان قد رووا الأحاديث في مسحه على الناصية ومقدم رأسه، لكن الحديث الذي رويناه في التعميم رواه أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) في تعليمه لوضوء رسول اللّه ً، ولا شك أن خبره راجح على خبر غيره لأوجه:

أما أولاً: فإنه لا خلاف بين أهل القبلة في أن أحداً من الأمة لم يذهب إلى عصمة أحد من الصحابة بخلاف أمير المؤمنين فإن من الزيدية والإمامية من يذهب إلى(1) عصمته، ولا شك أن رواية المعصوم الذي لا يجوز عليه الخطأ أرجح من رواية غير المعصوم لا محالة.
وأما ثانياً: فلأن اللّه تعالى قد خصه بالخصال الشريفة في الدين من العلم، والورع، والزهد، والتفقه، والعلم بالرواية، مالم يخص به أحداً من سائر الصحابة، ومن هذه حاله فلا إشكال في أن روايته راجحة على غيره.
وأما ثالثاً: فإنه لا منقبة لأحد من الصحابة بنص الرسول ً إلا وهي فيه على أتمِّ شيء وأكمله، فمن أجل ذلك كان ما يرويه في غاية القوة والوثاقة والرجحان على غيره، فمن أجل هذه الأوجه وغيرها اعتمدنا روايته في تعميم مسح الرأس وجعلناها أصلاً في تقرير ما ذهبنا إليه.
الحجة الثالثة: ما روي عن النبي ً أنه توضأ مرة مرة ومسح على رأسه مقدمه ومؤخره ثم قال بعد ذلك: ((هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه )).
ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه قال عقيب مسح رأسه وتوضيه مرة مرة: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه)). وهذه أمارة كون الشيء واجباً؛ لأنه لولم يكن واجباً كانت الصلاة مجزية من دونه كسائر السنن التي تختص الوضوء كما سنقررها بمعونة اللّه تعالى.
الحجة الرابعة: ما روي عن عبدالله بن زيد أنه قيل له: هل تستطيع أن ترينا وضوء رسول اللّه ً؟ فقال: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ الماء على يديه، ثم ساق صفة وضوء رسول اللّه ً ثم كان بعد ذلك [أن] مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بِدْءاً بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه(2)، فظاهر هذا الخبر دال على تعميم مسح الرأس كما قلناه.
__________
(1) أي: إلى القول بعصمته.
(2) أخرجه البخاري ومسلم، عن عبدالله بن زيد بن عاصم الأنصاري.

الحجة الخامسة: ما روت الرُّبيِّعُ بنت معوذ بن عفراء ) قالت: كان رسول اللّه ً يأتينا فقال يوماً: (( اسكبي وضوءاً )). فذكرت وضوء رسول اللّه ً بصفته ثم قالت: ومسح رأسه يبدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه ثم بأذنيه بطونهما وظهورهما(2).
الحجة السادسة: ما روى المغيرة بن فروة ) عن الرسول ً، أنه توضأ فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره ومن مؤخره إلى مقدمه، فهذه الحجج كلها دالة على ما ذهبنا إليه من تعميم مسح الرأس. ثم نقول: الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول اللّه ً، هي إما مطلقة في مسح الرأس وإما دالة على التعميم فيجب حمل مطلقها على مقيدها؛ لأن التقييد صفة زائدة على الإطلاق، وهي مقبولة من جهة العدل(4)، فلا جرم وجب التعويل عليها.
الانتصار: يكون على من خالفنا في التعميم. إما بإيجاب جزء من الرأس مقدر أو غير ذلك، فهذان تقريران:
__________
(1) الرُبَيِّعْ بنت معوذ بن عفراء، وعفراء أم معوذ وأبوه الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غُنم بن مالك بن النجار، الأنصارية، صاحبت رسول اللّه ً وروت عنه. وعنها: ابنتها عائشة بنت أنس بن مالك، وخالد بن ذكوان وأبو سلمة ونافع وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة عن أبيه: كانت من المبايعات تحت الشجرة. (تهذيب التهذيب ج12/447).
(2) أخرجه أبو داود.
(3) أبو الأزهر المغيرة بن فروة الثقفي الدمشقي، وقيل: إن أبا الأزهر الشامي شخص آخر اسمه فروة بن المغيرة كما روي عن ابن معين. ا.هـ. ذكره ابن حبان في الثقات. له في السنن حديثه عن معاوية في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً ولم يُسَم. (تهذيب التهذيب ج10/239).
(4) في نسخة (ق): من جهة العقل.

التقرير الأول: في بيان الانتصار على من قال: بجزء مقدرٍ من الرأس، فأما ما يحكى عن الإمامين زيد بن علي، والناصر من إيجاب مسح مقدم الرأس أو الناصية اعتماداً على حديث أنس، حيث روى أنه مسح على مقدم رأسه أو ناصيته، فنقول(1): عن هذا أجوبة خمسة:
أما أولاً: فلأنه ليس في الخبر إلا ذكر الناصية، وليس تخصيصها بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداها، إذ لا منافاة بين مسح الناصية وغيرها، فيجوز أن يكون قد مسح الرأس كله خلا أن الراوي لم يشاهد إلا مسح الناصية فنقله كما رآه.
وأما ثانياً: فلأنه يجوز أن يكون مسحه على ناصيته تسوية للناصية عن الانقشاع، وتسوية للمفرق عن أن يكون مغطياً على العينين، ولم يقصد به وضوءاً ولا تعليم وضوء.
وأما ثالثاً: فلأنه يجوز أن يكون مسحه على الناصية إنما كان لعذر يمنع من مسح جميع الرأس وكلامنا إنما هو في حالة الرفاهية وزوال الأعذار.
وأما رابعاً: فلأن الناصية قد يعبر بها عن أعلى الشيء وخياره، ولهذا يقال: ناصية الجبل أي أعلاه، فعلى هذا يكون المعنى في قوله: مسح على ناصيته، أي على أعلاه وهو الرأس، فلا يكون فيه حجة على انفراد الناصية بالمسح.
وأما خامساً: فلأن أخبارنا دالة على الزيادة وخبركم غير دال عليها، فلهذا كانت أحق بالقبول لما ذكرناه.
وأما ما روي عن أبي حنيفة: من إيجاب جزء من الرأس على اختلاف الرواية عنه اعتماداً منه على ما روي عن النبي ً أنه مسح على مقدم رأسه، ثم قدره تارة بالربع وتارة بالناصية ومرة بثلاث أصابع، ففيه أجوبة:
أما أولاً: فلأن الأحاديث على كثرتها وسعتها في مسح الرأس، لم تدل على تقدير بالربع ولا بالأصابع الثلاث، فما ذكرتموه تحكم لا مستند له وشيء لا دليل عليه.
__________
(1) في الأصل: قلنا: إلا أن الجملة تأتي في موضع (الجواب، أو الخبر)، عن: (فأما ما يحكى..).

وأما ثانياً: فلأن الباب باب العبادات والطهارات، تنسد عنها طرق القياس، فلا وجه لاستعمال الرأي فيها مع انسداده، ولا شك أنكم قد استعملتم الرأي في تقدير الربع وثلاث أصابع، فلا وجه له.
وأما ثالثاً: فلأن في هذه الروايات تدافعاً، فإن مقدم الرأس يمنع من تقديره بالربع؛ لأن المقدم هو الناصية، والربع عام في جميع الرأس فيكون فيه تدافع.
وأما رابعاً: فلأن التقدير بالربع يمنع من تقديره بأصابع ثلاث؛ لأن الربع أكثر من الأصابع الثلاث، فإذاً لا وجه لما ذكروه من هذه التقديرات التي لا دلالة عليها، فحصل من مجموع ما ذكرناه: أن الذي وقع في الأحاديث إنما هو ذكر المقدم لا غير، فأما ما عداه من تقدير الربع وثلاث أصابع فإنما هو تعويل على الرأي فلا يكون مقبولاً؛ لأن الباب باب العبادة.
وأما ما يحكى عن محمد بن مسلمة: من أن مسح ثلثي الرأس يكون مجزياً اعتماداً على ظاهر الآية بكونها دالة على مسح أكثر الرأس فإذا ترك ثلثاً كان مجزياً له، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن إيجابكم المسح لثلثي الرأس تَحَكُّمٌ لا مستند له وقول لا دليل عليه، فإنه ليس في الأحاديث ذكر إيجاب الثلثين ولا رواه أحد عن الرسول ً.
وأما ثانياً: فلأن إيجابكم لهذا القدر من الرأس، إما أن يكون لأنه الأكثر والآية دالة على الأكثر فهو فاسد، فإن الآية إنما دلت على التعميم من غير تقدير بالثلث ولا بالثلثين، وإن كان ذلك لدلالة دلت عليه فالواجب ذكرها لننظر فيها هل تكون دالة أو غير دالة فلابد من ذكرها لنعلم حالها. وأما ما يحكى عن الشافعي من إيجاب ثلاث شعرات أو شعرة واحدة اعتماداً منه على أقل ما يطلق عليه اسم المسح المأخوذ من ظاهر الآية، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكرتموه بناء على أن الباء موضوعة للتبعيض وقد ذكرنا من قبل أنها غير دالة عليه، ولا مشعرة به في كلام العرب، فكيف ندعي عليهم خلاف لغتهم؟

وأما ثانياً: فلأنها لوكانت دالة على البعضية كما زعمتم لوجب إذا قال الواحد منا: مسحت برأس اليتيم كله، ومسحت بالحائط كله، أن يعد تناقضاً وهذا لا قائل به، أو لو قال: مسحت ببعض رأس اليتيم أن يكون تكراراً لكلامه، والمعلوم خلاف ذلك من الأدباء من أهل اللغة والإعراب، فبطل ما قالوه من دلالتها على التبعيض. فهذا هو الكلام على من زعم أن الواجب مسح قدر من الرأس معلوم قد أبطلناه على اختلاف القائلين به.
التقرير الثاني: في بيان الانتصار على من قال بجزء غير مقدر، وهو المشهور من قولي الشافعي، اعتماداً منه على ظاهر الآية، فإن اللّه تعالى أوجب مسح الرأس ولم يشر إلى جزء مقدر فيجب الاكتفاء فيه بأقل ما قيل، كما لو مسح بعض شعره، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد قررنا دلالة الآية على التعميم، وأن دلالتها عليه أظهر من دلالتها على أقل ما يطلق عليه اسم المسح، فلا وجه لتكريره.
وأما ثانياً: فلأنا نقول: إيجابكم لبعض الشعرة ليس يخلو حاله إما أن يكون مأخوذاً من ظاهر الآية، أو من دلالة منفصلة عن الآية، فإن [كان] الأول فهو فاسد، فإنه ليس في ظاهرها ما يدل على شعرة، ولا على بعض شعرة فإن زعموا أنهم لم يأخذوه من ظاهر الآية وإنما اكتفوا بأقل ما يطلق.
قلنا: فلم نعلم من صاحب الشريعة (صلوات اللّه عليه) أنه اكتفى بأقل ما يطلق، وهو المعلم للأحكام والذي يؤخذ منه الشرع، بل تارة عمم جميع رأسه، وتارة مسح مقدم رأسه، ومرة مسح على الناصية، فكيف يصح ما قلتموه من اكتفائه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح؟
وإن قالوا: أخذنا ذلك من دلالة منفصلة.
قلنا: فاذكروا هذه الدلالة حتى ننظر فيها.
فقد وضح لك بما ذكرناه من تلك الأدلة أن وظيفة الرأس هي استيعابه بالمسح خلافاً لما زعمه أكثر الفقهاء من أن الواجب منه جزء مقدر، ثم إن لهم [أقوالاً] أخر غير هذه نجيب عنها بمعونة اللّه تعالى.

قالت الحنفية: طهارة في عضو فلم يجز منها ما يقع عليه الاسم، كالغسل في سائر الأعضاء وكالمسح في التيمم.
قلنا: هذا غير لازم لنا؛ لأنا قد قررنا أن مذهبنا فيه التعميم فهذا القياس لا يتوجه علينا؛ لأن غرضكم منه إثبات جزء مقدَّر ونحن لا نقول به كالربع والثلاث الأصابع ومقدم الناصية، وإنما يلزم إخوانكم الشافعية حيث قالوا: بأن المفروض هو الاكتفاء بأقل ما يطلق عليه الاسم. وقد أجابوا عنه بأمرين:
أما أولاً: فلأنه لو كان كالأصل الذي قاسوا عليه من الغسل والتيمم لوجب استيعاب محل الفرض فيه وأنتم لا تقولون به فبطل هذا القياس.
وأما ثانياً: فبأن قلبوا هذا القياس عليكم قائلين: طهارة في عضو فلا تكون مقدرة بالربع كالغسل في الأعضاء والمسح في التيمم.
قالوا: قربة تتعلق بالرأس فلم يكن ما يقع عليه الاسم مجزياً فيها كالحلق(1).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا يبطل بكشف الرأس في حال الإحرام فإنه قُربة تتعلق بالرأس ومع ذلك فإنه يجب استيعابه.
وأما ثانياً: فلأن الحلق في حق المحرم محظور فلأجل ذلك كان الحكم متعلقاً بقليله وكثيره بخلاف ما نحن فيه من مسح الرأس فإنه عبادة تعلقت به، فلهذا وجب فيه الاستيعاب، دليله الكشف في حال الإحرام فإنه لما كان محظوراً تعلق بقليله وكثيره.
قالوا: ما يقع عليه الاسم يدخل في الربع من جهة التبع فلم يكن فرضاً في غيره كموضع الإسباغ في العضد.
قلنا: هذا غير لازم لنا؛ لأننا نقول بوجوب مسحه كله، فإنما يلزم إخوانكم الشافعية، وقد أجابوا بأن دية اليد تدخل في النفس على جهة التبع ومع ذلك فإنها أصل بنفسها، والسجدة الواحدة تدخل في الصلاة على جهة التبع، ثم إنها منفردة بنفسها، فحصل من هذا أن وجوبه ليس على جهة التبع وأنه يكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه الاسم على هذا القول.
__________
(1) حلق الرأس، وفي الأصل: كالحلاق.

قالت الشافعية: مسح المتوضئ من الرأس ما يقع عليه اسم المسح فلا تلزمه الزيادة كما لو مسح مقدار الربع.
قلنا: هذا غير لازم لنا، لأن مذهبنا وجوب التعميم فيه فلا يكتفى بأقل ما يطلق عليه الاسم كما هو رأيكم، ولا يكتفى فيه بالربع كما هو رأي إخوانكم الحنفية، وقد أجابوا على ذلك: بما قد روي أنه ً مسح على مقدم رأسه وعلى الناصية وذلك يمكن تقديره بالربع، فلهذا أوجبنا قدر الربع من غير زيادة ولم نكتف بأقل ما يطلق عليه الاسم؛ إذ لا دلالة عليه من جهة الآية ولا من جهة غيرها.
قالوا: هذا الذي ذكرتموه في الرأس تقدير، والتقديرات عندكم لا يمكن ‘ثباتها إلا بتوقيف من جهة اللّه تعالى، أومن جهة رسوله أواتفاق من جهة الأمة، ولم تعتمدوا فيما ذكرتموه في هذه التقديرات على شيء من ذلك.
قلنا: هذا غير لازم لنا، لأنا لا نقول بتقدير الربع وإنما رأينا الاستيعاب كما مر بيانه، وإنما يلزم إخوانكم الحنفية وهم قد أجابوا عن ذلك بأن التقدير بالربع إنما كان من جهة الرسول ً حيث مسح على الناصية و على مقدم الرأس، فقدرنا ذلك بالربع بالرأي والمقاييس على ما يغلب به الظن وينقدح فيه الرأي كسائر المجتهدات في المقادير.
قالوا: تقديره بالربع ليس أحق بالتقدير بالخُمُس والسُّدُس، فإذا كان لا مخصص هناك لمقدار دون مقدار وجب إبطال الجميع وهو مطلوبنا.
قلنا: وهذا أيضاً غير لازم لنا كما مر بيانه؛ لأنا لا نقول بشيء من هذه التقديرات وإنما يلزم إخوانكم من الحنفية، وهم قد أجابوا عن ذلك: بأن تقدير الربع إنما كان بطريق شرعي وهو القياس دون غيره من سائر المقادير فلهذا قدرناه به، فهذا ما أردنا ذكره من وجوب ما يمسح من الرأس، والله الموفق للصواب.

الفرع الثاني: وإذا تقرر وجوب التعميم في مسح الرأس كما أشرنا إليه، فاعلم أن الرأس عبارة عن منابت الشعور المعتادة كالهامة والمقدم والقذال، والنزعتان منه لأنهما في سمت الناصية، والصدغان من الرأس؛ لأنهما في منابت شعره.
والمستحب أن يأخذ الماء بكفيه ثم يرسله ثم يلصق إحدى المسبحتين بالمسبحة الأخرى، ثم يضعهما على مقدم رأسه ويضع إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، لما روى عبدالله بن زيد في وصف وضوء رسول اللّه ً، أنه مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدءاً بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ولأن منابت الشعور مختلفة ففي ذهابه يستقبل الشعر الذي يلي مقدم رأسه فيقع المسح على باطن الشعر دون ظاهره، وعلى ظاهر مؤخره، وإذا رد يديه يقع المسح على باطن مؤخر رأسه وظاهر مقدمه فيكون محيطاً بالرأس عند مسحه، فإن كان عليه شعر فمسح الشعر أجزأه، وإن لم يكن هناك شعر فمسح البشر أجزأه المسح على البشرة؛ لأن الجميع يسمى رأساً، فإن وضع أصبعه على رأسه أو كفه ولم يمرها على رأسه أو قَطَّرَ على رأسه ماءً لم يجزه؛ لأن ذلك لا يسمى مسحاً، ولا هو شامل لجميع الرأس، فلهذا بطل إجزاؤه، وإن كان محلوقاً أو أصلع فمسح على البشرة أجزأه؛ لأنه مسح على ما يقع عليه اسم الرأس، وإن كانت له ذؤابة قد نزلت عن حد الرأس فمسح على ما نزل منها عن حد الرأس لم يجزه؛ لأنه لا يقع عليه اسم الرأس، وإن رد الشعر النازل عن حد الرأس إلى وسط الهامة ثم مسح عليه لم يكن مجزياً له؛ لأنه صار بالرد كالعمامة، وإن كان له شعر مسترسل عن منبته ولم ينزل عن حد الرأس فمسح على رأسه أجزأه ذلك عندنا وهو القوي من قولي الشافعي، من جهة أن اسم الرأس متناول له، ومن أصحاب الشافعي من قال: إنه لا يجزيه لأنه مسح على شعر في غير منبته، فهو كما لو مسح على طرف الذؤابة، والصحيح هو الأول لما ذكرناه.

80 / 279
ع
En
A+
A-