الفرع الثاني: إذا كان للرجل أصبع زائدة أوكف زائدة في كفه أوفي ذراعه، وجب عليه غسلها؛ لأنها في محل الفرض فوجب اندراجها تحت قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ}. لأن التقدير فيه: واغسلوا أيديكم. وإن كان له يدٌ زائدة على يديه نظرت، فإن كان أصلها في محل الفرض وجب غسلها مع اليد لكونها في محل الفرض، وإن كان أصلها في غير محل الفرض كأن يكون أصلها في منكبه أو عضده بعيداً عن محل الفرض، نظرت فإن كانت قصيرة لم تحاذ محل الفرض فإنه لا يجب غسلها لكونها بعيدة عن محل الفرض وغير محاذية له، وإن كان منها شيء قد حاذى محل الفرض فهل يجب غسل ما كان محاذياً لمحل الفرض مع اليد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجب غسلها؛ لأن أصلها في غير محل الفرض وهي تابعة له.
وثانيهما: أنه يجب؛ لأنه يقع عليها اسم اليد.
والمختار على المذهب: هو الأول وهو أنه لا يجب غسلها لبعدها عن محل الفرض، وما قيل من أنه يقع عليها اسم اليد يبطل بما إذا كانت قصيرة لم تحاذ شيئاً من محل الفرض فإنه يقع عليها اسم اليد، ومع ذلك فإنه لا يجب غسلها فبطل ما قالوه.
الفرع الثالث: وإذا كان للرجل يدان متساويتان مبدأ خلقهما من المنكب أو من المرفق وجب غسلهما جميعاً لوقوع اسم اليد عليهما، فتكونان مندرجتين تحت قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}. وإن كان له أظفار قد طالت وخرجت عن حد اليد فهل يجب غسل ما خرج عن حد اليد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك واجب؛ لأنه من جملة اليد ومتصل بها.

وثانيهما: أنه غير واجب؛ لأنه خارج عن حد الفرض فأشبه اللحية المسترسلة، فإن غسلها غير واجب كما مر بيانه، وإن انقشعت جلدة عن جانب ثم التحمت من جانب آخر نظرت، فإن كان انقشاعها من الساعد والتحامها فيه وجب غسلها؛ لأن ذلك كله في محل الفرض فلهذا وجب غسله، وإن كان انقشاعها من العضد والتحامها فيه لم يجب غسلها؛ لأن ذلك بمعزل عن محل الفرض، كما مر تقريره، وإن كان انقشاعها من الساعد والتحامها في العضد وجب غسل ما يحاذي المرفقين دون ما عداه لكونه محلاً للفرض، وإن كان انقشاعها من العضد وتدلت إلى الساعد والتحمت به وجب غسل ما كان على المرفقين والساعد لكونه محلاً للفرض، فلهذا وجب غسله، وإن انقشعت من الساعد والتحمت بالمرفق وبقي ما تحتها مجوفاً وجب غسل ما تحتها؛ لأنه محل الفرض وهو الساعد، ووجب غسلها أيضاً لكونها محاذية لمحل الفرض.
الفرع الرابع: والأقطع إذا قطعت يداه أوإحداهما نظرت، فإن كان مقطوعاً عند الزند وجب غسل ما بقي من الذراع لكونه محلاً للفرض، وإن كان مقطوعاً من العضد فلا فرض عليه هناك في الغسل؛ لأن العضد ليس محلاً للفرض فلا يجب غسله، ويستحب أن يمس ما بقي من العضد ماء حتى لا يخلو العضو عن الطهارة، وإن كان مقطوعاً من المرفقين فهل يجب غسله أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب غسله، وهذا هو الذي ذكره الإمام المؤيد بالله على رأي القاسم، ونقله الربيع ) عن الشافعي.
__________
(1) الربيع بن سليمان بن عبدالجبار بن كامل المرادي (مولاهم) أبو محمد المصري المؤذن صاحب الشافعي وخادمه وراوية كتبه الجديدة. قال الشافعي: الربيع راويتي. وقال الذهبي: كان الربيع أعرف من المزني بالحديث وكان المزني أعرف بالفقه منه بكثير. ولد سنة ثلاث أو أربع وسبعين ومائة، وتوفي في شوال سنة سبعين ومائتين. وهو آخر من روى عن الشافعي بمصر. (طبقات الشافعية الأعلام).

والحجة على ذلك: هو أن المرفق عبارة عما قررناه من قبل عن مجتمع العظمين، عظم الساعد وعظم العضد، فلهذا وجب غسل عظم العضد لكونه مراداً بالآية: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}. وهي عبارة عما ذكرناه، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف.
المذهب الثاني: أنه لا يجب غسله وهذا هو رأي مالك، ومحكي عن زفر، ونقله المزني عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المرفق عند هؤلاء صار عبارة عن عظم الساعد فلأجل هذا لم يجب غسله، وكل موضع قلنا بأن غسله غير واجب فإنه مستحب؛ لئلا يخلو العضوعن وظيفة الطهارة فيه.
والمختار: ما قاله الإمامان: القاسم والمؤيد بالله ومن تابعهما من العلماء.
والحجة على ذلك: ما نقلناه، ونزيد هاهنا فنقول: ليس يخلو الحال في ذلك إما أن يكون المرفقان مقولين على مجتمع العظمين أو يكون [اللفظ] مقولاً على عظم الساعد لا غير، فإن كان الأول: فلا كلام في دخول عظم العضد لكونه من مفهومها فلهذا كان واجباً غسله بإطلاق الآية، وإن كان الثاني: فهو وإن كان الأمر فيه كما قالوه لكنا نقول: يدخل عظم العضد على جهة التبع لعظم الساعد، فلهذا وجب غسله على كلا الأمرين جميعاً.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: المرفق عبارة عن عظم الساعد وهو مفهومه اللغوي فلا يدخل عظم العضد، وفي هذا دلالة على أنه لا يجب غسله.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نُسَلِّمُ أنه عبارة عما ذكروه، ولكنه عبارة عن مجتمع العظمين عظم الساعد وعظم العضد، فيكون غسله لاندراجه تحت الآية، وهو قوله تعالى: {إِلَى الْمَرَافِقِ}.

وأما ثانياً: فهب أنا سَلَّمْنَا ما قالوه من أنه عبارة عن طرف عظم الساعد، لكن عظم العضد صار تابعاً له، فهو وإن لم يجب غسله قصداً فإنه واجب على جهة التبع، وأكثر البغداديين من أصحاب الشافعي على تخطئة المزني في نقله لهذه المقالة عن الشافعي، وإنما العمدة لمذهبه ما نقله الربيع من القول بوجوب غسل عظم العضد كما هو رأي أئمة العترة، فأما الخراسانيون من أصحاب الشافعي فقد صححوا ما قاله المزني، وقالوا: إن له [رأياً] في المُسَلَّمَيْنِ، والتردد منه إنما كان في وجوب غسل عظم العضد، هل يكون على جهة القصد أو يكون على جهة التبع؟، ويؤيد ما قلناه من وجوب غسله عند القطع هو، أن غسله كان واجباً قبل القطع فهكذا حاله إذا قطع كالزند إذا كان بعضه مُباناً.
قالوا: طرف عضو فلا يجب غسله كالطرف الآخر مما يلي المنكب.
قلنا: إنما لم يجب غسل طرفه الآخر لما كان ليس محلاً للفرض ولا متصلاً به، بخلاف ما يلي الساعد فإنه محل للفرض فوجب غسله لما كان متصلاً به فافترقا.
الفرع الخامس: وإن كان الأقطع لا يتمكن من الوضوء إلا ببذل الأجرة، وجب عليه ذلك إذا كان متمكناً منها؛ لأن ذلك تسبيب إلى تحصيل الصلاة فلزمه ذلك، كما نقوله في شراء الماء لتأدية الصلاة، فإن بذل له غيره أن يوضيه بغير أجرة لم يلزمه ذلك لما فيه من احتمال المنة في تأدية العبادة كما لا يلزمه قبول الهبة في المال ليكون مؤدياً للزكاة. وحكي عن الصيدلاني من أصحاب الشافعي: وجوب ذلك عليه، والوجه فيه ما قررناه.
وإن لم يجد من يوضيه بأجرة ولا بغير أجرة وجبت عليه الصلاة على حسب حاله لأمرين:
أما أولاً: فلأن الأمر بالصلاة ورد مطلقاً وهو قوله تعالى: {وَأَقِيْمُوْا الْصَّلاَةَ}. وعلم بدليل الإجماع، الشرطية للوضوء، فإذا تعذر الوضوء لمانع لم يبطل ما وجب من الأمر بالصلاة؛ لأن أحدهما مغاير للآخر، فالعذر في تأدية الوضوء لا يكون مسقطاً للصلاة.

وأما ثانياً: فلقوله عليه السلام: (( إذا أمرتم بأمرٍ فأتوا به ما استطعتم )). فلما كانت الاستطاعة في حق الوضوء مفقودة لم تبطل الاستطاعة في حق الصلاة.
وهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تلزمه الإعادة وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله نادر والنادر لا تعريج عليه، فألحق بما لو صلى بغير وضوء مع تمكنه منه.
وثانيهما: أنها لا تلزمه الإعادة وهذا هو رأي الهادي.
والحجة على ذلك: هو أنه قد أدّى الصلاة على الوجه الممكن في حقه وهي فرض وقته، فلا يلزمه تأديتها مرة أخرى لقوله عليه السلام: (( لا ظهران في يوم)).
الفرع السادس: وإن توضأ ثم قطعت يده أو رجله فهل يجب عليه غسل ما ظهر لأجل القطع أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يلزمه غسله، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن الدم ناقض للوضوء كما سنقرره في نواقض الوضوء، وإذا كان الأمر فيه كما قلناه فقد تعلقت الطهارة بموضع القطع كما لو أحدث، فمن أجل ذلك وجب غسله.
وثانيهما: أنه لا يجب غسله، وهذا هو المحكي عن الإمام الناصر، وهو قول الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن خروج الدم غير ناقض على رأيهما، وإذا كان الأمر كذلك فالطهارة هاهنا غير متعلقة بموضع القطع، وإنما تتعلق بموضع ما ظهر من اليد فقد غسله فلا يتوجه عليه سوى ذلك، فإن أحدث بعد ما قطعت يده أو رجله فقد اتفق الفريقان على وجوب غسل موضع القطع، من جهة أن الطهارة قد تعلقت بموضع القطع لأجل الحدث، وإن وقع في بعض أعضاء الطهارة جرح فتجوف وصار له قعر بعد اندمال جرحه فلابد من غسله وجوباً؛ لأنه صار ظاهراً يمكن غسله لأنه صار في محل الفرض.

ويستحب للمتوضئ إذا كان في يده خاتم أن يحركه بأصبعه إذا كان يعلم بوصول الماء إليه ودخوله تحته، فإن كان الخاتم واسعاً فلا يحتاج إلى التحريك لما روى أبو رافع )، عن النبي ً أنه كان إذا توضأ حرك خاتمه في أصبعه(2)، فإذا كان الخاتم منضغطاً في الأصبع بحيث لا يدخل الماء تحته وجب عليه إخراجه وغسل ما تحته؛ لأن ما تحته في محل الفرض فلابد من غسله.
الفرع السابع: وغسل البراجم واجب لكونه في محل الفرض فلابد من غسله(3). والبُرجمة: بضم الباء واحدة البراجم وهي عبارة عن [مفاصل] أصابع الكف، وعلامتها أن الإنسان إذا قبض كفه شخصت.
فإن قال قائل: فكيف تقولون: إن غسل البراجم واجب وقد عدَّ رسول اللّه ً غسل البراجم والمضمضة والاستنشاق وانتقاص الماء من جملة المسنونات في حديث عائشة وهي عندكم واجبة كلها؟
قلنا: قد أوضحنا البرهان على وجوب هذه الأمور من قبل فلا مطمع في إعادته، وإنما جاز إطلاق اسم السنة عليها على جهة الاستعارة والتَّجوز من جهة أن المسنون في لسان حملة الشريعة، ما واظب الرسول على فعله وتكرر من جهته تأديته، ولا شك أن الأمور الواجبة أحق الأفعال بالمواظبة والتكرير فلأجل هذا حسن تسمية الواجب بكونه مسنوناً، وأما الانتقاص بالماء فهو عبارة عن الاستنجاء بالماء وقد قررنا وجوبه من قبل، وإنما سمي الاستنجاء بالانتقاص لأمرين:
__________
(1) أبو رافع القبطي، مولى رسول اللّه ً، اختلف في اسمه، أسلم قبل بدر وشهد أحداً، وما بعدها، روى عن النبيً، وعن ابن مسعود، وعنه: أولاده، وأحفاده، أولاد علي بن أبي رافع، وعطاء، وسليمان بن يسار، وغيرهم، مات في المدينة بعد مقتل عثمان. ا.هـ (در السحابة ص767).
(2) رواه البيهقي في الكبرى ج1/57، وابن ماجة (449)، والدار قطني ج1/83.
(3) هكذا في الأصل، ربما باعتبار الضمير عائداً على (محل الفرض). والصواب: لكونها في محل الفرض فلابد من غسلها.

أما أولاً: فلأن المستنجي إذا استعمل الماء في غسل فرجيه فإنه ينقص لا محالة.
وأما ثانياً: فلأن الانتقاص هو انقطاع البول، فإذا استنجى بالماء انقطع البول فلأجل هذا سمي ما يقطع البول انتقاصاً.
مسألة: ثم يمسح رأسه لقوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}. ولما روى أمير المؤمنين وعثمان بن عفان من صفة وضوء الرسول ً أنه مسح رأسه، ولقوله عليه السلام للأعرابي: (( توضَّ كما أمرك اللّه تعالى )) ثم قال: (( وامسح رأسك )) ولأنه لا خلاف بين الأمة في وجوب مسح الرأس.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في بيان مقدار الواجب من مسح الرأس، وفيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن الواجب فيه التعميم مقبله ومدبره وجوانبه، وهذا هو رأي الهادي نص عليه في الجامعين، والقاسم في (النيروسي)، ومحكي عن المؤيد بالله، وهو رأي أكثر العترة، ومحكي عن مالك، والمزني؛ من أصحاب الشافعي، وأبي علي الجبائي، وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: ما روي [عن] أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) في صفة تعليمه الناس لوضوء رسول اللّه ً، فمسح رأسه مقبلاً ومدبراً.
الحجة الثانية: ما روى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول اللّه ً مسح مقدم رأسه حتى بلغ القذال من مقدم عنقه.
الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنه عضو من أعضاء الطهارة فلا يكون فرضه مقدراً بالربع كسائر أعضاء الطهارة، أو نقول: عضو من أعضاء الطهارة فرضه المسح في إحدى الطهارتين فوجب فيه التعميم كالوجه واليدين في التيمم، فهذه الحجج كلها دالة على وجوب التعميم في وظيفة الرأس.
المذهب الثاني: أنه لا يجب مسح الجميع وإنما يجب منه قدر معلوم، وهذا فيه آراء أربعة:
أولها: أن الواجب هو مسح مقدم الرأس، وهذا هو رأي الإمامين زيد بن علي، والناصر، ومحكي عن الباقر، والصادق.

والحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك، قال: رأيت رسول اللّه ً أدخل يده تحت العمامة ومسح على مقدم رأسه، وفي حديث آخر على ناصيته(1)، فالآية وردت مطلقة، وهذا الحديث كالبيان له فوجب بظاهره مسح مقدم الرأس كما ذكرناه.
وثانيها: أن المقدم جزء من الرأس، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، فإنه روي عنه ثلاث روايات:
الأولى منها: أن الواجب مسح ربعه.
الثانية: أن الواجب مسح الناصية.
الثالثة: أن الواجب مسح مقدار ثلاث أصابع بثلاث أصابع.
والحجة على ما قاله: ما روي عن النبي ً أنه مسح مقدم رأسه، فظاهر الخبر دال على مسح جزء من الرأس، وهو وارد على جهة البيان لما في الآية، فَمَرَّة قدَّره بالربع؛ لأن مقدم الرأس ربع ومؤخره ربع وجانباه ربعان من عن يمين وشمال، فهذا وجه تقدير الربع، ومرة قدر الناصية موافقة لظاهر الحديث فإن المقدم هو الناصية، ومرة قال: مقدار ثلاث أصابع؛ لأن ذلك هو المفهوم من إطلاق لفظ المقدم، فمن أجل ذلك اختلفت الروايات عنه عملاً منه على هذا التقدير والأخذ من ظاهر الخبر.
وثالثها: أن الواجب من مسح الرأس هو الثلثان منه، وهذا هو المحكي عن محمد بن مسلمة صاحب مالك، وإحدى الروايتين عن: أحمد بن حنبل، والرواية الثانية: [مسحه] كله كمذهبنا.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}. وظاهر الآية دال على التعميم، فإذا مسح الأكثر من الرأس فإنه يكون قريباً من التعميم، ولن يكون ذلك إلا بتقدير الثلثين، فإذا ترك ثلثاً فما دون كان ذلك مجزياً له.
ورابعها: أن الواجب من الرأس مسح ثلاث شعرات، وهذا هو المحكي عن الشافعي في بعض أقواله، وحكي عن عبدالله بن عمر: أنه لو مسح شعرة أجزأه، وهذا هو المحكي عن أبي ثور أيضاً، وروى داود مثل ذلك.
__________
(1) أخرجه أبو داود عن أنس قال: رأيت رسول اللّه ً يتوضأ، وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة.

والحجة على ذلك: هو قوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}. فظاهرالآية دال على إجزاء ما يقع عليه الاسم، ولا شك أن الاسم؛ أقل ما يقع على ما ذكرناه، وعن ابن الصباغ صاحب (الشامل)، أن ما هذا حاله ليس تقديراً من جهة الشافعي، وإنما هو عمل على أقل ما يطلق عليه الاسم، فهذا تقرير من قال من الفقهاء: بالتقدير في مسح الرأس.
المذهب الثالث: من قال إن الواجب من مسح الرأس ليس أمراً مقدراً وإنما يُكتفى عنه بأقل ما يقع عليه اسم المسح، وعلى هذا لو مسح بعض شعرات أجزأه.
والحجة على ذلك: هو أن اللّه تعالى أمر بالمسح في الآية ولم يقدره، وعدم تقديره فيه دلالة على أن اللّه ما أراد شيئاً مقدراً وإنما أراد ما يقع عليه الاسم؛ لأن المقصود هو خفة الوضوء في مسح الرأس، وما ذكرناه من أن الظاهر أَقَلُّ ما يقع عليه الاسم هو مطابق لهذه الوظيفة التي فرضها اللّه عز وجل في الآية، فهذا تقرير المذاهب كلها بحججها وأدلتها، والله أعلم بالصواب.
والمختار: ما عليه الأكثر من أئمة العترة وهو تعميم مسح الرأس.
والحجة: ما نقلناه عنهم ونزيد هاهنا حججاً قوية ستاً:
الحجة الأولى: قوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}. واعلم أن كل واحد من مخالفينا في هذه المسألة قد استدل بهذه الآية على ما يراه من مسح بعض الرأس لكن استدلالنا بها على التعميم في المسح أحق من أوجه ثلاثة:

أما أولاً: فلأن الباء موضوعة في الأصل للإلصاق في مثل قولك: أمسكت بالحبل أي الصقت يدي به حقيقة، ومجازاً في مثل قولك: اعتصمت بحبل اللّه وتمسكت بعروته، فالإلصاق هاهنا مجازي، وهي(1) وإن أفادت الاستعانة والمصاحبة والمقابلة لكن معناها الأصلي هو الإلصاق وإليه يرجع سائر المعاني، وإذا كان الأمر كما قلناه كانت فائدة الإلصاق في قوله تعالى:{وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}. إلصاق المسح بكل جزء من الرأس، فهذه هي فائدة الإلصاق، وفي هذا حصول غرضنا من كونها دالة على تعميم المسح في الرأس خلافاً لما يزعمه مخالفونا من دلالتها على التبعيض.
__________
(1) يقصد: الباء.

79 / 279
ع
En
A+
A-