الفرع الثاني: والمستحب أن يأخذ من الإناء غرفة بيمينه، لما روى أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) في صفة وضوء رسول اللّه ً، أنه أدخل كفه اليمنى في الإناء فأخذ منه غرفة فتمضمض واستنشق. ولما روي عن النبي ً، أنه يحب التيامن في شربه ووضوئه وانتعاله(1)، ولأن اليمين مما يرجى أن يأخذ بها كتابه يوم القيامة، فلهذا استحب تقديمها في أعمال البر. والغُرفة بالضم، اسم للماء المغروف، وبالفتح المصدر، وهي المرة من الفعل، تقول: غرفت غرفة، كضربت ضربة، وإن مج الماء في فيه من غير إدارة لم يعتد به؛ لأن القصد قطع الرائحة من الفم وإزالة تغيره، وهذا لا يوجد من دون إدارة، وإن استنشق فجذب الماء بِنَفَسِه إلى خياشيمه ولم ينثره لم يعتد بما أتى به؛ لأن الغرض بما ذكرناه من الاستنشاق، هو إزالة العفونة من الأنف، وهذا لا يوجد من غير استنثار، والمستحب أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائماً لقوله عليه السلام للقيط بن صبرة ): (( بالغ فيهما إلا أن تكون صائماً )). فإن كان صائماً لم يبالغ لما رويناه من الخبر، وإنما لم يستحب للصائم المبالغة لما كان لا يُؤْمَنُ دخول الماء إلى خياشيمه فيكون ذلك سبباً للإفطار.
الفرع الثالث: وهل يستحب الجمع بين المضمضة والاستنشاق، أو يستحب الفصل بينهما؟ فيه طريقان:
__________
(1) وفيه ما روته عائشة قالت: كان رسول اللّه ً يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. أخرجه الستة إلا الموطأ.
(2) لقيط بن عامر بن صبرة بن عبدالله بن المنتفق بن عامر بن عقيل، ويقال: إنه اسم لإثنين: لقيط بن صبرة ولقيط بن عامر. روى عن النبي ً. وعنه: ابنه عاصم وآخرون. وممن جعلوه اسماً لشخص واحد، ابن معين والأثرم عن ابن حنبل، وإليه نحا البخاري وابن حبان. والذين قالوا بأنه اسم لاثنين، ابن سعد ومسلم والترمذي وغيرهم، والله أعلم. (تهذيب التهذيب 8/409).

إحداهما: أنه يستحب الجمع بينهما، وهذا هو الذي ذكره يحيى(1) في (الأحكام) ونص عليه الشافعي في (الأم).
والحجة فيه: ما رواه أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) في صفة وضوء رسول اللّه ً، أنه تمضمض واستنشق بماء واحد.
وثانيتهما: أنه يستحب الفصل بينهما، وهذا هو الذي ذكره الناصر، وذكره الشافعي في (البويطي).
والحجة على ذلك: ما روى طلحة بن مصرف ) عن أبيه عن جده أنه قال: رأيت النبي ً يفصل بين المضمضة والاستنشاق(3)، وأراد بالفصل أنه يتمضمض بماء ثم يستنشق بماء آخر، ولأنه أشبه بالطهارة وأبلغ في النظافة. ثم في كيفية الجمع والفصل حالتان:
الحالة الأولى: أن يأخذ غرفة لفيه وأنفه فيجمع بينهما فيها، ثم غرفة ثانية وثالثة، يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، لما روى عبدالله بن زيد ) في صفة وضوء رسول اللّه ً أنه فعل ذلك.
__________
(1) إذا قيل: (يحيى) مطلقاً، المقصود الإمام الهادي يحيى بن الحسين.
(2) طلحة بن مصرف بن عمرو بن جحدب بن معاوية بن سعد بن الحارث الهمداني اليامي، فقيه، محدث، روى عن أنس وعبدالله بن أبي أوفى وآخرين، وثقه ابن معين وأبو حاتم، والعجلي وكانوا يسمونه سيد القُرَّاء. وعن العجلي: كان عثمانياً، وكان من أقرأ أهل الكوفة وخيارهم، توفي سنة 112هـ، وقيل عن ابن معين: لم يسمع طلحة من أنس. (تهذيب التهذيب ج5/24).
(3) أخرجه أبو داود. وجاء في الاعتصام وجواهر الأخبار.
(4) أبو محمد عبدالله بن زيد بن أسلم العدوي المدني مولى عمر. روى عن أبيه، وروى عنه جماعة. قال أبو طالب عن أحمد (بن حنبل): ثقة. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي. وذهب آخرون نحواً من هذه المذاهب فيه. توفي بالمدينة سنة 164هـ. (تهذيب التهذيب ج5/195).

الحالة الثانية: أن يأخذ غرفة لفيه وغرفة لأنفه، ثم غرفة ثانية وثالثة لكل واحد منهما غرفة على التكرر، لما روي عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) وعثمان رضي اللّه عنه في صفة وضوء رسول اللّه ً، أنه فعل كذلك.
والمختار: ما رواه أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، وعثمان رضي اللّه عنه لما فيه من الإكمال للطهارة والإتمام للنظافة(1)، وحكي عن الشافعي في الجمع والفصل بينهما طريقتان:
الطريقة الأولى: حكاها أبو يعقوب الماوردي من أصحابه، قال: الجمع بينهما أن يأخذ غرفة بيده فيتمضمض بها ويستنشق، ثم يأخذ غرفة ثانية يفعل بها كذلك ثم يأخذ غرفة ثالثة يفعل بها كذلك مثل ما فعل في الثانية. وأما الفصل فهو أن يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للإستنشاق، فهذه طريقة الجمع والفصل على رأي الشافعي.
الطريقة الثانية: حكاها الشيخ أبوحامد المروزي ) من أصحابه فقال: الجمع: أن يغرف غرفة فيتمضمض بها ثلاثاً ويستنشق منها ثلاثاً يجمع في غرفة واحدة بينهما، وأما الفصل: فيغرف غرفة يتمضمض منها ثلاثاً ثم يأخذ غرفة ثانية فيستنشق منها ثلاثاً فهذه طريقة هؤلاء. وأما العمراني صاحب (البيان) فقال: إن طريقة أبي يعقوب الماوردي أشبه بكلام الشافعي، ثم قال العمراني: وكلام الشيخ أبي حامد أمكن وأثبت.
__________
(1) في الأصل، وإتمام النظافة.
(2) أحمد بن بشر بن عامر العامري المروزي، أخذ العلم عن أبي إسحاق المروزي، ونزل البصرة وأخذ العلم عن فقهائها، شرح مختصر المزني، وصنف الجامع في المذهب، توفي سنة 362هـ، ا.هـ. ملخصاً من طبقات الشافعية لابن هداية اللّه ص86.

والمختار: جواز الأمرين جميعاً، أعني الجمع والفصل، فإن أريد الجمع فإنه يجمعهما في غرفة واحدة ثلاث مرات، وإن أريد الفصل فإنه يفرد الفم بغرفة والأنف بغرفة واحدة، ثم تكون الثالثة موكولة إلى رأيه، فإن شاء أفردها للفم وإن شاء أفردها للأنف وإن شاء شرك بينهما لأجل إحراز الوتر في الوضوء، وهذا هو الأسهل الأقرب الأعرف في الوضوء في الجمع والفصل فيجب التعويل عليه من غير حاجة إلى أمر وراءه.
الفرع الرابع: الذي يتحصل من الخلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة في المضمضة والاستنشاق، يقع على أربعة أوجه:
أولها: أنهما واجبان في جميع الطهارتين الكبرى والصغرى، وهذا هو رأي القاسمية أجمع، وهو محكي عن عطاء، وطاووس ).
وثانيها: أنهما سَيَّانِ في جميع الطهارتين كلتيهما، وهذا هو المحكي عن الناصرية أجمع، وهو رأي الشافعي. وقد قررنا الحجة لكل واحد من هذين المذهبين، وذكرنا المختار ونصرناه فأغنى عن تكريره.
وثالثها: أنهما إنما يجبان في الجنابة دون الوضوء، وهذا هو رأي الإمام الشهيد زيد بن علي، ومحكي عن أبي حنيفة، والثوري.
والحجة لهم على ذلك: ما روى أبوهريرة عن النبي ً أنه قال: (( المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثاً فريضة)).
فنقول: عما ذكرتموه جوابان:
أما أولاً: فلأن إيجابهما في الجنابة لا يناقض إيجابهما في الوضوء بالأدلة التي ذكرناها.
__________
(1) طاووس: هو ذكوان بن كيسان اليماني أبو عبدالله الحميري (مولاهم). الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، وطاووس لقب له، قال ابن حجر: فقيه، ثقة، فاضل، في الثالثة، مات سنة 106هـ. روى عن: ابن عباس، وجابر، وابن عمر، وآخرين، وعنه: مجاهد، والزهري، وخلق، توفي ببعلبك وقبره بها. ا.هـ. ملخصاً من تراجم الأزهار ج3/14.

وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه يؤكد ما قلناه من إيجابهما في الوضوء، فإنه إنما خص الجنابة بالإيجاب ليس من أجل أنهما لا يجبان في الوضوء، وإنما غرضه أن لا يقع فيهما تساهل، ويتكل على أن تعميم الجسم بالغسل لا يكفي عن تخصيصهما بالإيجاب، فخصهما بالذكر تنبيهاً على ما قلناه.
ورابعها: أن الاستنشاق في الوضوء والجنابة واجب دون المضمضة، وهذا قول يحكى عن داود وأبي ثور.
والحجة لهما على ذلك: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ً)). فخصه بالمبالغة ليدل على كونه واجباً دون غيره.
فنقول: عما ذكروه جوابان:
أما أولاً: فلأن الحديث الوارد (( بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) بالجمع بينهما من غير تفريق، وفي هذا دلالة على استوائهما في الإيجاب من غير تخصيص لأحدهما بالإيجاب دون الآخر.
وأما ثانياً: فلأن تخصيص الاستنشاق بالذكر لا يدل على كون المضمضة غير واجبة، ثم إنا نقول: إن جميع الأحاديث التي رويناها في إيجابهما جميعاً ظاهرة في الوجوب بعيدة عن الاحتمال، وأخباركم هذه معرضة للاحتمال فلأجل هذا كانت [أحاديثنا] أرجح من أحاديثكم.
الفرع الخامس: إذا تمضمض واستنشق ثم وجد بين أسنانه شيئاً من أجزاء المأكولات، فهل يجزيه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه غير مجز له لحديث لقيط بن صبرة، حيث أمره رسول اللّه ً، بالمبالغة فيهما إلا أن يكون صائماً، ولا مبالغة مع حصول الحاجز عن وصول الماء.
وثانيهما: أنه يكون مجزياً؛ لأن أحاديث المضمضة والاستنشاق وردت مطلقة ومع الإطلاق يحصل الإجزاء، لأن من هذه حاله فقد حصل منه مطلق الاسم وصدق عليه أنه قد تمضمض واستنشق.

والمختار: هو الإجزاء، وهو الذي أشار إليه الإمام المنصور بالله؛ لأن ما هذا حاله يصعب الاحتراز منه ويجزيه في المضمضة مج الماء في فمه وإدارته، لحديث أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) وحديث عثمان رضي اللّه عنه فإنه ليس في حديثهما إلا أنه مج الماء في فيه، من [غير] دلك بالأصبع فإنه ليس مسنوناً لما ذكرناه، فإن دلك بأصبعه فاهُ كان مبالغة في التنظيف، ويكفي في الاستنشاق دفع الماء بِنَفَسِه عما كان استجذبه، لما في حديث علي (كرم اللّه وجهه) وحديث عثمان، فإنه لم يزد في نثر الماء على دفعه بنفسه من غير إدخال لشيء من أصابعه في منخريه، فإن [كان] في المنخرين شيء جامد استحب له دفعه لما فيه من زيادة التنظيف وإيصال الماء إلى البشرة.
مسألة: ثم يغسل يديه لقوله تعالى:{فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ }[المائدة:6]. وقوله ً لمن علمه الوضوء: (( فاغسل وجهك ويديك))، ولأنه لا خلاف بين الأمة في وجوب غسلهما.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: المرفق فيه لغتان:
الأولى منهما: مِرْفَق بكسر الميم وفتح الفاء كأنه جعل على بناء الآلة، كقولك: مِقرض ومِفتح.
الثانية: بفتح الميم وكسر الفاء كأنه لم يسلك به مسلك الآلة. ويجوز فيه: مَرفَق بفتح الميم والفاء. وقرئ قوله تعالى:{وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقَاً }[الكهف:16]. بكسر الميم وفتح الفاء جعله آلة كالمقرض والمِخلب، ومن قرأه بفتح الميم وكسر الفاء جعله من باب المسموع كالمسجد. ويجوز فيه مَرْفَق بفتح الميم والفاء جميعاً كالمَطْلَع، ولم يُقرأ به ولكنه جائز من جهة القياس العربي، وهو عبارة عن مجتمع عظم الساعد وعظم العضد. وهل يجب إدخال المرفقين في غسل اليدين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب إدخالهما في غسل اليدين، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أكثر الحنفية، والشافعية، والمالكية.

والحجة على ذلك: هو أن (إلى) موضوعة في كلام العرب للحد، والحد قد يدخل تارة وقد لا يدخل، فاستعماله في اللغة جائز على الوجهين جميعاً، فأما دخوله فقوله تعالى:{وَلاَ تَأْكُلُوْا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ }[النساء:2]. فالحد هاهنا داخل في المحدود، وقد يستعمل غير داخل كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوْا الْصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ }[البقرة:187]. فالليل هاهنا غير داخل، فلما كان الحد جارياً على هذين الوجهين وجب أن يكون مجملاً في هذين الاستعمالين، فلا يمكن العمل على ظاهره لإجماله فلابد من بيانه ليمكن العمل عليه، وقد بينه اللّه تعالى على لسان رسوله بقول أو فعل، بما روى جابر بن عبدالله أن الرسول ً، كان إذا توضأ أمرَّ الماء على مرفقيه، وهذا منه ً، خارج مخرج البيان لما أُجمل في الآية.
المذهب الثاني: أنه غير داخل، وهذا شيء يحكى عن أبي بكر بن داود الأصبهاني، ومروي عن زفر.
والحجة لهما على ذلك: هو أن ظاهر الآية على أن المرفق غاية للغسل ومنقطعه، ومن حق ما يُجعل غاية بأصل الوضع أن لا يكون داخلاً كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوْا الْصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ}[البقرة:187]. فلما كان الليل غاية لم يدخل.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة.
والحجة فيه: ما نقلناه عنهم؛ ونزيد هاهنا حجتين:

الحجة الأولى: ما قاله الزَّجَّاج ) في كتاب (معاني القرآن): أن (إلى) قد ترد بمعنى مع، كقوله تعالى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ }[آل عمران:52]. أي مع الله، وقوله تعالى: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ }[هود:52]. أي مع قوتكم. وقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوْا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}[النساء:2]. أي مع أموالكم، فإذا كان الأمر فيها كما قلنا، صار التقدير: وأيديكم مع المرافق، فصارت (إلى) دالة على المعية وهو الاجتماع، ولا شك أن اليد اسم لجميع العضو إلى الآباط والمناكب، ومع ما ذكرناه من التقرير يصير المعنى في الآية، غسل جميعها خلا أنه اقتطع ما فوق المرفقين من اليد، وأدخلهما في الغسل بالدليل الذي لخصناه.
__________
(1) إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الزَّجَّاج، النحوي، اللغوي، المفسر، أخذ عن المبرد، وثعلب، وله تفسير جليل في إعراب القرآن، كان يخرط الزجاج فنسب إليه، توفي سنة 310هـ. ا.هـ. ملخصاً من تراجم الأزهار للجنداري.

الحجة الثانية: ما حكي عن المبرد ) أنه قال: إذا كان الحد من جنس المحدود كان داخلاً فيه، في مثل قولك: بعت هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف. فلما كان العضد من جنس الساعد وحد الساعد بالمرفق لا جرم كان داخلاً فيه لما كان من جنسه، فحصل من مجموع ما ذكرناه دخول الحد في المحدود لغة بما نقلناه عن أئمة اللغة، فوجب حمل مطلق الآية عليه فصار المجمع على غسله هو عظم الساعد كله، والذي وقع فيه الخلاف هو غسل طرف العضد مما يلي عظم الساعد؛ لأن حده هو طرف العضد، فصار المرفق اسماً واقعاً على معنيين:
أحدهما: أنه مقول على مجمع العظمين: عظم الساعد وعظم العضد.
وثانيهما: أنه مقول على عظم الساعد لا غير، وإنما يجب غسل عظم العضد على جهة التبع بالدلالة الشرعية.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: جعل اللّه المرافق غاية لغسل اليد، فلا تكون داخلة، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوْا الْصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ}.[البقرة:187]
__________
(1) هو محمد بن يزيد الأزدي، إمام نحاة البصرة لعصره، ولد بها سنة 210هـ، وأكب منذ نشأته على اللغة، والنحو، والتصريف على علماء عصره مثل: أبي عمر الجرمي، ثم أبي عثمان المازني، وتتلمذ عليه كثير من طلاب علم اللغة، ولمع اسمه وطارت شهرته، فاستدعاه المتوكل إليه سنة 236هـ يفتي في المسائل اللغوية والنحوية، واستقر ببغداد للتدريس، وسرعان ما اصطدم بثعلبة زعيم مدرسة الكوفة وكثرت بينهما المناظرات، وما زال مفزع طلاب اللغة والنحو ببغداد حتى توفي سنة 285هـ، وبلغ من إعجاب المازني أن لقبه بالمبرِّد بكسر الراء، وحول الكوفيون اللقب إلى المبرَّد بفتح الراء عنتاً له وسوء قصد، كما قال د. شوقي ضيف في كتابه (المدارس النحوية)( راجع ترجمته للمبرد ص123، وتراجم المبرد في كل كتب ومعاجم الأعلام. ومنها معجم الأدباء ج19/111، والفهرست ص93، ومعجم الشعراء ص449، وتاريخ بغداد ج3/380).

قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنا قد قررنا أن (إلى) ليست في الآية غاية وإنما هي بمعنى (مع) فالمعية دالة على الاجتماع فلهذا كانت داخلة فيه المرافق(1).
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا كونها دالة على الغاية لكونها أصلاً فيها، لكنا نقول: قد قررنا إجمال الآية وحاجتها إلى البيان، وقد حصل بيانها بما نقلناه عن جابر وبما رواه أمير المؤمنين، وعثمان بن عفان في صفة وضوء رسول اللّه ً، حيث كان يُمِرُّ الماء على مرافقه.
قالوا: المفهوم من الغاية أنها منقطع الشيء وحده، وإذا كان هذا هو المفهوم منها وجب أن لا تكون المرافق داخلة؛ لأنها صارت غاية ينتهي الغسل عندها.
قلنا: إن أردتم أن الحد غير داخل من جهة اللغة فهو فاسد؛ لأنا قد أوضحنا استعماله في اللغة تارة مع الدخول وتارة مع الخروج، فلا دلالة لكم من جهة اللغة على خروج الحد، وإن أردتم أنه غير داخل من جهة العقل فهذا وإن سلم لكنه خرج بدليل الشرع الذي لخصناه فبطل ما توهموه.
قالوا: لابد من التفرقة بين الغاية وذي الغاية وبين الحد والمحدود، ولا فرق هناك يعقل إلا بأن الحكم مقصور على المحدود دون حده وموقوف على ذي الغاية دون غايته، فإذا كان الحكم شاملاً لهما لم يقع هناك تفرقة بينهما.
قلنا: التفرقة بين الحد والمحدود ضرورية وبين الغاية وذي الغاية، فهما وإن اتفقا في الحكم فلا يقدح في هذه التفرقة الضرورية، ألا ترى أنا نفصل بين الليل والنهار في الصوم، وهكذا القول في كل حد ومحدود فإنهما يفترقان، فلا وجه لقولكم إنهما إذا كانا متفقين في الدلالة أنها تبطل التفرقة بينهما، فهما متميزان كما أشرنا إليه، لكن الدلالة الشرعية قاضية بإدخال الحد في المحدود فبطل ما توهموه.
__________
(1) الذي يظهر أن (إلى) هنا، ليست للغاية، لأنها لوكانت بمعنى (مع) للزم التغاير بين الأيدي والمرافق. ويرى الزمخشري أن (إلى) هنا هي للغاية، وذكره في الكشاف.

78 / 279
ع
En
A+
A-