المذهب الثاني: أنه لا يجب غسله على أهل اللحى ويجب غسله على الأمرد، وهذا شيء يحكى عن أبي يوسف، وحكي عن مالك: أنه لا يجب غسله لا في حق الأمرد ولا في حق الملتحي.
والحجة لأبي يوسف: هو أن الشعر في العذار حال دونه فصار بمنزلة البشرة التي تحت الشعر في أنه لا يجب غسلها.
والحجة لمالك: هو أن البياض ليس مواجهاً فلا يكون من الوجه.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم.
والحجة عليه: ما نقلناه عنهم؛ ونزيد ههنا، وهو أن حاله لا يخلو إما أن يكون من الأذن أو يكون من الوجه، ومحال أن يكون من الأذن إذ لا قائل بهذا، فإذا بطل كونه من الأذن فهو من الوجه لاندراجه في حده.
الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه، فأما قول أبي يوسف: بأن الشعر حال دونه فهو بمنزلة البشرة التي تحت الشعر، فهو فاسد لأنه من جملة الوجه، لكونه حاصلاً فيما بين الوتدين من جانبي الوجه فلم ينتقل الفرض إلى غيره فوجب أن يكون من الوجه فيجب غسله، ويفارق ما نبت عليه الشعر؛ لأن الفرض انتقل إلى الشعر وهذا ليس فيه شعر فلهذا كان غسله واجباً.
وأما قول مالك: أنه غير مواجه فلا يكون من الوجه، فهو فاسد، من جهة أن منتهى الوجه في العرض هما الوتدان، فما وراءهما يكون من الوجه لا محالة، فإذا أطلق على الوجه في الآية وجب حمله على ما يكون مطابقاً للغة العرب. فأما الوتدان في الأذن فليسا معدودين من جملة الوجه فلا يجب غسلهما؛ لأن حد الوجه ينتهي بهما، والحد يجب أن يكون غير المحدود فلا يدخل في حكمه إلا بدلالة منفصلة كما نقوله في المرافق، فإنها غير داخلة في حد اليد إلا بدلالة منفصلة كما سنوضحها من بعد بمشيئة اللّه تعالى. وهذا هو الأصل في كل غاية فإنها غير داخلة في حكم ذي الغاية إلا بأمر خارجي.
الفرع السابع: هل يجب إدخال الماء في العينين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن إدخال الماء فيهما واجب، وهذا هو الذي اختاره المؤيد بالله لمذهب الهادي.

والحجة على ذلك: ظاهر الآية في قوله تعالى:{فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. ولا شك أن العينين من الوجه، ولأن العينين إحدى المحاسن المتعلقة بالوجه فوجب غسلها كالوجنة والأنف.
وقولنا: المتعلقة بالوجه، نحترز به عن الأذن فإنها وإن كانت من جملة المحاسن لكنها غير متعلقة بالوجه؛ لكونها غير داخلة في حده كما مر تقريره.
المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو المحكي عن الناصر، والإمام أبي طالب، وهو رأي الفرق الثلاث: الشافعية، والحنفية، والمالكية.
والحجة على ذلك: هو أن غسل الوجه إنما ورد مطلقاً، ولا شك أن كل من غسل وجهه وظاهر عينيه دون باطنهما فإنه لا محالة يسمى غاسلاً لوجهه، فيجب حمله على الإطلاق لما كان لغوياً، وفي هذا دلالة على أن المطلق غير متناول لداخل العينين فيجب أن لا يكون مراداً بالآية، وهذا هو المطلوب بكونه غير واجب.
والمختار: ما عول عليه الإمامان: الناصر وأبو طالب، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهما، ونزيد ههنا وهو: أن المعتمد فيما يكون واجباً من العبادات كلها تأصيلاً، وفيما يستحب منها ويكره تفصيلاً إنما هو على ما ينقل من جهة الرسول ً قولاً وفعلاً وتقريراً، والمعلوم أن إدخال الماء لم ينقل من جهة الرسول ً لا من قوله ولا من فعله ولا من تقريره، فيجب القضاء بكونه غير واجب؛ لأنا لو أوجبناه لكان واجباً من غير دلالة وهذا باطل لا يعول عليه.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: قوله تعالى:{فَاغْسِلُوْا}. ظاهره الدلالة على وجوب غسل الوجه، والعينان منه، فيجب القضاء بوجوب غسل باطنهما.
قلنا: هذا فاسد، فإنا نقول بموجب الآية ونحكم بظاهر إطلاقها، ومطلقها دال على وجوب ما ظهر دون ما بطن فيهما فلا تكون دلالة الآية بظاهرها إلا ما ذكرناه من ظاهر العينين دون باطنهما.
قالوا: إحدى محاسن الوجه فيجب غسلهما كالوجنة والأنف.

قلنا: إن ما ذكرتموه من ظاهر الآية وتقرير هذا القياس، إنما يتناولان المطلق من الوجه ونحن لا ننكر ذلك فأنتم مساعدون إليه، ولكنا نقول: إن ظاهر الآية وظاهر ما قلتموه من القياس لا يدلان على غسل باطن العينين فلا يكون فيهما دلالة على مرادكم، فبطل ما قالوه.
قالوا: روي عن ابن عمر: أنه غسل عينيه حتى عمي، فلولا أنه واجب وإلاَّ لما واظب على فعله هذه المواظبة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما فعله ليس دالاً على الوجوب، فلعله فعله على جهة الاستحباب حتى أثَّرَ في بصره لما أكثر من فعله، فلا دلالة في فعله على الوجوب.
وأما ثانياً: فليس فيه إلا فعل ابن عمر ولا دلالة في فعل الصحابي إلا بأن ينقله من جهة الرسول، غاية الأمر أنه من جملة المجتهدين فلا حجة فيه، وإنما الحجة المقبولة التي يجب الانقياد لها بالسمع والطاعة، هي كلام اللّه تعالى وكلام رسوله وما عداهما ليس حجة من عالم أو صحابي.
الفرع الثامن: إذا بطل كونه واجباً، فهل يكون مستحباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه وإن لم يكن واجباً فهو مستحب، وهذا هو المحكي عن الناصر، وهو مروي عن بعض أصحاب الشافعي، حكاه صاحب (البيان) العمراني.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. فإذا بطل كونه واجباً فلا أقل من حمل الأمر على الاستحباب؛ لأنه هو أدنى مراتبه.
قال الإمام الناصر: ويستحب أن يفتح عينيه عند غسل الوجه حتى يدخل الماء فيهما وقال: إن ذلك يصح العين ويجلوها.
المذهب الثاني: أنه غير مستحب، وإنما هو هيئة في الوضوء وليس سنة.
والحجة على ذلك: هو أن السنة ما واظب الرسول على فعله، وهذا لم يكن من جهة الرسول فيه فعل فضلاً عن كونه مواظباً عليه.

والمختار: أنه ليس مسنوناً؛ لأنهما جوهران صقيلان لا يعلق بهما شيء من المكدرات، فلهذا لم يستحب غسلهما وهما مخالفان للفم والأنف في المضمضة والاستنشاق لأنهما يلحقهما من التغير ما لا يخفى، فلهذا شرع غسلهما ليزيل الماء تغيرهما بخلاف العين فإنه لا تغير فيها فافترقا؛ ولأن غسلهما يؤدي إلى المضرة العظيمة ويلحق في ذلك مشقة كبيرة، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]. وقوله تعالى: {يُرِيْدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيْدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185]. ولا حرج ولا عسر أعظم من خشية العمى وإذهاب البصر وفساده، فكيف يقال: يكون مشروعاً؟
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: إذا بطل وجوبه كان مستحباً.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنه لابد في الاستحباب من دلالة مستقلة ولا يكفي فيه بطلان كونه واجباً، لأن حقيقة أحدهما أعني: الواجب والمستحب، مخالفة لحقيقة الآخر.
وأما ثانياً: فلأنا قد أوضحنا أنه لم ينقل عن الرسول ً فيه قول ولا فعل ولا تقرير، فكيف يقال: يكون مستحباً؟ والمستحب ما واظب الرسول ً على فعله.
الفرع التاسع: المُؤَقُ والمَآَقُ والمَآقي، مهموزات كلها، مؤخر العين مما يلي جانب الأنف، فأما اللحاظ فهو ما يلي مؤخر العين من جانب الأذن، والذي عليه أئمة العترة أنه يجب غسلهما.
والحجة على ذلك: هو أنهما من الوجه وما كان من الوجه وجب غسله لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. ولأنه يلحقهما كحل ورمص(1) في العادة وعفونة من رطوبة العين فيجب إزالته بالماء، وحكى ابن الصباغ صاحب (الشامل): أنه يستحب مسحهما، وهذا تصريح منه بأنه لا يجب غسلهما.
والحجة له على ذلك: ما روي عن الرسول ً أنه كان يمسح المَأَقَين.
__________
(1) الرمص: بالصاد المهملة داء يصيب العين، وهو السائل الأبيض الغليظ الذي تفرزه العين، والرمص محركة: وسخ أبيض يجتمع في المؤق. ا.هـ. قاموس.

والمختار: ما عليه علماء العترة من وجوبهما.
والحجة على ذلك: أنهما من الوجه، وقد قال تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. فأما ما قاله من أن الرسول ً كان يمسح المأقين فليس معارضاً لما قلناه من وجوب غسلهما؛ لأن المراد أنه ً كان يزيل ما علق بهما من العفونة من الرمص وغيره وما ينعقد فيهما من رطوبة العين قبل الغسل ثم يغسلهما بعد ذلك، وأيضاً فإن المسح هو خفيف الغسل، فعبر بالمسح عن الغسل لما كان موضعاً يرفق به لرقته وكونه متصلاً بالعين، ولم يُرد حقيقة المسح وإنما أراد الغسل الخفيف لما ذكرناه.
الفرع العاشر: والشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها رقيقة كانت أوكثيفة، هي خمسة: الحاجب، والشارب، والعنفقة، والعذار، واللحية؛ لأن هذه الأمور كلها من الوجه، فلهذا وجب إيصال الماء إلى ما تحتها. وإن نبت له شعر تحت محاجر عينيه وجب إيصال الماء إلى البشرة؛ لأنه من الوجه ولكونه نادراً لا يوجد إلا على الندرة، وإن نبتت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى بشرتها أيضاً كثيفاً كان الشعر أو رقيقاً، وإن خرج سبالاه وهما طرفا الشارب عن حد الوجه فهو مقرر على الخلاف في طرف اللحية، فعلى رأي أئمة العترة لا يجب غسله إذا كان خارجاً عن حد الوجه، وكان الماء واصلاً إلى البشرة، فأما ما كان حاصلاً على جلدة الوجه فلابد من غسله. فأما على رأي الشافعي: فهو واجب كما ذكرناه في طرف اللحية، وإن نبتت في وجهه سلعة وهي: لحم زائد على الوجه وخرجت عن حده، لم يجب غسلها على رأي أئمة العترة، وعلى رأي الشافعي: يجب غسلها، كما قلناه في غسل طرف اللحية لأنه ليس واقعاً على الوجه، فلهذا لم يجب غسله كما قررناه من قبل، والعنفقة إذا كانت منفصلة عن اللحية وجب إيصال الماء إلى بشرتها، وإن كانت متصلة بها وجب تخليلها كما قلناه في اللحية؛ لأنها منها، والله الموفق للصواب.

مسألة: والمضمضة: أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه ثم يمجه. والاستنشاق: أن يجعل الماء في أنفه ثم يستطلعه بِنَفَسِهِ إلى خياشيمه ثم يدفعه بِنَفَسِهِ فذلك هو الإستنثار، وهما كالعضو الواحد فلا ترتيب بينهما وبين الوجه، وإنما قدمنا الكلام على الوجه لما صدره اللّه في أول آية الوضوء حيث قال تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَا غْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: هل يكونان واجبين من أعضاء الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما واجبان، وهذا هو الذي عليه أكثر أئمة العترة، نص عليه القاسم في (النيروسي)(1)، والهادي في الجامعين: (الأحكام) و(المنتخب)، وهو قول المؤيد بالله، وحكي عن أحمد بن حنبل، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه، وعطاء وابن أبي ليلى: وجوبهما على اختلاف بين أقوالهم نفصله بمعونة اللّه تعالى.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6]. وهما من الوجه.
الحجة الثانية: حديث ابن عباس عن الرسول ً أنه قال: (( تمضمضوا واستنشقوا والأذنان من الرأس))(2).
الحجة الثالثة: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( من توضأ فليتمضمض وليستنشق والأذنان من الرأس)).
الحجة الرابعة: قياسية، وحاصلها أنا نقول: طهارة رفاهية فوجب أن تكون بالفم والأنف كطهارة النجاسة. وقولنا: طهارة رفاهية، نحترز به عن طهارة الضرورة كالطهارة بالتراب، ولأنهما عضوان يسقطان في التيمم فوجب إيصال الماء إليهما كالرأس والرجلين.
المذهب الثاني: أنهما غير واجبين، وهذا هو قول زيد بن علي، والباقر، والناصر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك.
__________
(1) كتاب (مسائل النيروسي) للنيروسي جعفر بن محمد، روى فيه مسائل وآراء للقاسم بن إبراهيم.
(2) أورده في شرح التجريد، وفي أصول الأحكام بلفظه.

والحجة على ذلك: ما روت عائشة (رضي اللّه عنها) أن النبي ً قال: (( عشر من الفطرة : قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة والاستنشاق، وقص الأظفار، وغسل البراجم(1)، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء))(2). فجعل المضمضة والإستشاق من جملة هذه المسنونات فدل على أن الجميع أمر واحد في السنة.
الحجة الثانية: قوله ً للأعرابي حين علمه الوضوء: (( تَوَضَّ كما أمرك اللّه، فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك))(3). ولم يذكر من جملة ذلك المضمضة والاستنشاق، فدل ذلك على أنهما ليسا من الأمور الواجبة.
والمختار: ما قاله الإمام الهادي في جامعيه ومن تابعه من علماء العترة وفقهاء الأمة، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم في الاستدلال على وجوبه، ونزيد ههنا حججاً (خمساً):
الحجة الأولى: ما روى زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) أنه قال: جلست يوماً أتوضأ فأقبل رسول اللّه ً حين ابتدأت بالوضوء فقال: (( تمضمض واستنشق ثم استنثر))(4). وهذا أمر وظاهره للوجوب عند أصحابنا.
الحجة الثانية: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( المضمضة والاستنشاق من الوضوء فلا يقبل اللّه الصلاة من دونهما)). وفي رواية أخرى : (( إلا بهما)).
__________
(1) مفاصل الأصابع من ظاهرها.
(2) وفي الجامع الكافي ورد بتغيير في الألفاظ الآتية: ((واستنشاق الماء، وانتضاح الماء)). وجاء في الجواهر بعد إيراد الحديث: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضمة.
(3) أورده في الشفاء والبحر وجواهر الأخبار وقد تقدم.
(4) أخرجه النسائي، وأورده في شرح التجريد بسنده عن علي عليه السلام قال: جلست أتوضأ فأقبل رسول اللّه ً حين ابتدأت الوضوء فقال: ((تمضمض واستنشق واستنثر)).

الحجة الثالثة: ما روى عبيدالله بن عبدالله بن عتبة ) قال: توضأ رسول اللّه ً ثم أتى مصلاَّه فقام في الصلاة فكبر ثم انفتل فقال: (( ذكرت شيئاً في الوضوء لابد منه فتمضمض واستنشق ثم استقبل الصلاة))(2) فلولم يكونا واجبين لما فعل ذلك.
الحجة الرابعة: ما روى عاصم ) عن أبيه قال: قال رسول اللّه ً: (( إذا توضأت فبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائماً))(4).
__________
(1) عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود الهذلي الفقيه، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، سمع عبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وغيرهم، وهو معلم عمر بن عبدالعزيز، كان فقيهاً، كثير الحديث، توفي سنة 99هـ، وقيل: سنة104هـ. خرج له الجماعة والأئمة الخمسة إلا الجرجاني. (طبقات الزيدية (خ) ج2/60، طبقات الفقهاء للشيرازي(42).
(2) حكاه في أصول الأحكام.
(3) عاصم بن لقيط بن صبرة.
(4) أورده في الاعتصام مع اختلاف في بعض الألفاظ. وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي نحواً منه عن لقيط بن صبرة، قال: قلت: يا رسول اللّه أخبرني عن الوضوء، قال: ((أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلاَّ أن تكون صائماً)). وأورده بلفظه في الاعتصام عن الجامع الكافي.

الحجة الخامسة: قياسية، وهو أنهما عضوان يسن تكرير تطهيرهما في الوضوء فكان غسلهما مرة واحدة كالوجه واليدين، قال السيد الإمام أبو طالب: ولابد من الاحتراز في هذا القياس بأن يقال: غير مقصود بهما التحرز من النجاسة لئلا يرد في ذلك غسل الكفين في الابتداء فإنه يسن تكرير تطهيرهما في الوضوء، وليس غسلهما واجباً كما سنوضحه في ابتداء الوضوء. قال القاضي زيد: وهذا غير محتاج إليه، لأن اليدين لا خلاف في وجوب غسلهما في الوضوء، فالقياس غير منقوض بهذه الصورة فلا يحترز عنه. والصحيح ما قاله الإمام أبو طالب، لأن غسل الكفين في ابتداء الوضوء مسنون على رأيه فلولم نحترز بما ذكرناه لورد نقضاً على القياس، ولا ينفع كون غسل اليدين واجباً في الوضوء؛ إذ لا يرد نقضاً وإنما الوارد نقضاً هو غسلهما في الابتداء فافترقا.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: خبر عائشة (( عشر من الفطرة))، وعد من جملتها المضمضة والاستنشاق، وما كان سنة فليس واجباً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن السنة قد تطلق على ما كان واجباً كقوله تعالى:{يُرِيْدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ }[النساء:26]. وأراد بذلك العلم بالله تعالى وتوحيده وحكمته، فكل هذه الأمور واجبة وقد عبر عن هذه الأمور بالسنن.
وأما ثانياً: فلأنه قد ذكر من جملتها الختان وهو واجب، فما أجابوا عنه فجوابنا مثله في المضمضة والاستنشاق.
قالوا: جاء في قصة الأعرابي: (( توضَّ كما أمرك اللّه فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك)). ولم يذكر هاهنا مضمضة ولا استنشاقاً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنهما من جملة الوجه، وقد قال: (( اغسل وجهك )) فلا يحتاج إلى إفرادهما بالذكر لاندراجهما تحت غسل الوجه.

وأما ثانياً: فلأن قوله: (( اغسل وجهك )) فيه مضمضة واستنشاق، [و] إذا قلنا بأنهما لا يندرجان تحت غسل الوجه كان المَعْنِيَّ ذلك وعلى هذا لا يكون فيه حجة لهم بحال.
قالوا: لو وجبت المضمضة والاستنشاق لكان إ يجابهما زيادة على النص، فيكون نسخاً والنسخ لا يكون بالأخبار الآحادية فيما يكون مقطوعاً به.
قلنا: هذا بناء على أصل فاسد، فإن الزيادة على النص لا تكون نسخاً، فإن ما هذا حاله لا يعد نسخاً في لسان الأصوليين، ولهذا فإنه لو زيد ركعة خامسة على صلاة الظهر لم يكن ذلك نسخاً للأربع بل يكون مقرراً لها، لأن إيجاب الأربع ركعات لا يحيل إيجاب الخامسة، فلم يرتفع بإيجاب الخامسة إلا عدم وجوبها، وعدم وجوبها كان حاصلاً بالعقل فلم يرفع إيجابها إلا حكماً عقلياً وهو عدم الوجوب الأصلي فلهذا لم يكن نسخاً، وإذا لم يكن نسخاً بالتقرير الذي لخصناه جاز إثبات ما هذا حاله بالقياس والخبر الواحد، لأن البراءة الأصلية يجوز تغييرها بما ذكرناه لكونهما مثمرين للظن؛ لأن البراءة الأصلية إنما يقطع بها بشرط عدم المغير، ومتى ورد الخبر أو القياس كانا مغيرين لما ذكرناه من حكم العقل.

77 / 279
ع
En
A+
A-