وثالثها: أن ينوي بوضوئه القُربة بالوضوء أو أداء الوضوء أو فريضة الوضوء، والأقرب على رأي المؤيد بالله أنه يكون مجزياً لاشتماله على القربة كما قاله إذا نوى به رفع الحدث، وهو على رأي الشافعي، وأما على رأي السيد أبي طالب فإنه لا يكون مجزياً؛ لأن الوضوء لابد من أن يكون متعلقاً بالصلاة، وكونه قُربة لا تعلق له بالصلاة، كما أن رفع الحدث لا تعلق له بالصلاة، فلهذا لم يكن مجزياً.
والحجة على كون الوضوء قُربة: هو ورود الشرع بتجديد الطهارة وإن كان على طهر، فلما تعلقت به القربة كان مجزياً.
الفرع السادس عشر: النية الواقعة في الطهارات على نوعين:
أحدهما: أن تكون واقعة على جهة الإجزاء بحيث لو نقص عنه لم يكن وضوؤه مجزياً، وهذا نحو أن يقارن أول جزء من أجزاء الطهارة النية فينوي عنده رفع الحدث أو نية تأدية الصلاة على ما مر تفصيله، فإن أخل بما ذكرناه لم تكن نيته مجزية له.
وثانيهما: أن تكون حاصلة على جهة الكمال، وهذا نحو أن يستديمها إلى آخر أعضاء الوضوء فيكون دوامها لكثرة الثواب، ونحو أن يضيفها إلى اللّه تعالى فينوي بوضوئه لوجه اللّه تعالى، ونحو أن ينوي الإخلاص والتقرب إلى اللّه تعالى، أو ينوي كونها مصلحة، وأن اللّه أمر بها إلى غير ذلك من الوجوه الدالة على الفضيلة المقربة إلى اللّه تعالى، فهذه الوجوه كلها ليس [شيء منها] شرطاً في كون النية مجزية، وإنما اشتراطها لكثرة الثواب، والفضل، وإعظام الأجر، فأما الكلام في صفة النية في الطهارات في غير الوضوء، كالغسل والتيمم فسنقرر كل واحد منها في بابه، وهكذا القول في جميع أنواع العبادات من الصلوات وغيرها بمعونة اللّه تعالى.
مسألة: غسل الوجه(1) واجب؛ لقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}..(الآية)[المائدة:6]. ولقوله ً: (( توضأ كما أمرك اللّه فاغسل وجهك )).. الحديث. ولأنه لا خلاف في وجوب غسل الوجه مطلقاً، وإنما يتوجه الخلاف بين العلماء في تفاصيل نذكرها بمعونة اللّه تعالى. والمستحب أن يأخذ الماء بكفيه جميعاً، ثم يضرب بما فيهما وجهه، لما روى ابن عباس، عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: قال لي أمير المؤمنين: ألا أريك وضوء رسول اللّه ً كيف كان؟ قلت: بلى. فأصغى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنشق ، ثم أدخل يديه في الإناء جميعاً فأخذ بهما حفنة فضرب بهما على وجهه(2). وحكى المزني عن الشافعي: أنه يأخذ الماء بيد واحدة، ولأنه لا يتمكن من غسل وجهه على جهة الاستيعاب والاستيفاء إلا بما ذكرناه، لهذا كان المسنون والمستحب في الوضوء الاشتنان لما في حديث أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه لما فرغ من غسل وجهه وقبل شروعه في يده اليمنى أخذ كفاً من ماء فصبه على ناصيته فتركها تشنن على وجهه ثم غسل ذراعيه، والمستحب أن يبدأ بأعلاه لأن ظواهر الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول اللّه ً عن
__________
(1) يلاحظ أن المؤلف بدأ في الوضوء بغسل الوجه قبل المضمضة التي هي مقدمة عليه في الوضوء وفي تصنيفات المؤلفين.
(2) بقية الحديث: ((.. ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بيده قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تشنن على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعاً فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل ففتلها (وفي نسخة: فغسلها)، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: ((وفي النعلين)). هذه إحدى روايات أبي داود. ا. هـ. (جواهر).
أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه وعن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، دالة على ذلك، ولأن أشرف كل شيء أعلاه، فلهذا كانت السنة البداية به.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: في حَدِّ الوجه الذي يجب غسله. قال الشيخ أبوجعفر: وَحَدُّ الوجه من مقاص الشعر إلى أصول الأذنين، وما أقبل من الوجه إلى الذقن، وهذا هو الذي حكاه المزني، عن الشافعي. وهذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنه قال: من مقاص الشعر، فظاهر هذا أن مقاص الشعر من الوجه وليس الأمر كذلك فإن المقاص من الرأس فلا تكون من الوجه، والوجه ما دون مقاص الشعر.
وأما ثانياً: فلأنه قال: وما أقبل من الوجه. فحدّ الوجه بالوجه وفي ذلك تحديد الشيء بنفسه، وحد الشيء يكون مغايراً له، وعن بعض أصحابنا أنه قال في حد الوجه: من مقاص الشعر إلى الأذنين إلى اللحيين والذقن، وهذا وإن سَلِمَ عن أن يقال: إنه حد الشيء بنفسه، لكنه لم يسلم عن كونه أدخل مقاص الشعر في الوجه، وليست منه فسلم عن الاعتراض الأول ولم يكن سالماً عن الثاني. والأقرب في الحد الصالح للمذهب، أن يقال فيه: من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى ما يقبل من الذقن في الطول ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وإنما كان مختاراً لأمرين:
أما أولاً: فلأنه سالم عما ورد على الحَدَّيْنِ الأولين.
وأما ثانياً: فلأن فيه إشارة إلى تفصيل الحصر والضبط للوجه بالطول والعرض بخلاف غيره، فلهذا كان هو الأقرب.
ومن وجه ثالث: وهو أنه حده بتسطيح الجبهة مبتدأه. لم يحده بمقاص الشعر ولا بمنابته؛ لأنه ربما انحسر الشعر عن الناصية فيلزم عده من الوجه وهو باطل إجماعاً، وربما نبت الشعر على الجبهة فيلزم إخراجه من الوجه وهو باطل إجماعاً، فلا جرم وجب التعويل على ما قلناه.
الفرع الثاني: في بيان تفاصيل ما يدخل في حد الوجه.
والذي عليه علماء العترة ومن وافقهم من علماء الأمة، أن الجبهة من الوجه وهي موضع السجود، قال اللّه تعالى: {سِيْمَاهُمْ فِي وُجُوْهِهِمْ مِنْ أَثَرِ الْسُّجُوْدِ }[الفتح:29]. والجبينان من الرأس أيضاً، وهما: العظمان المشرفان على الجبهة عن يمينها وشمالها. قال اللّه تعالى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِيْنِ }[الصافات:103]. أي اتكاه لجبينه إلى الأرض. والعذاران من الوجه وهما عبارة عن الشعر الخفيف الذي يكون على العظم الذي يحاذي وتد الأذن، وهما وتدان وهما عبارة عن الغضروفين الشاخصين عند مفتح السمع. والعارضان من الوجه أيضاً وهما عبارة عما نزل عن العذارين من الشعر على اللحيين. والذقن من الوجه أيضاً وهو: مجمع اللحيين والعنفقة من الوجه، وهي عبارة عن الشعر الذي على ظاهر الشفة السفلى. والفنيكان من الوجه وهما: عبارة عن البياض الحاصل من عن يمين العنفقة ويسارها ويقال لهما: الإفنيكان أيضاً، وفي الحديث: (( إذا توضأت فلا تنسين الإفنيكين ))(1). وحكي عن الكسائي )
__________
(1) هذا الحديث أورده في (لسان العرب) مادة: فنك. قال: وفي حديث عبدالرحمن بن سابط: ((إذا توضأت فلا تنس الفنيكين)). يعني جانبي العنفقة عن يمين وشمال.
(2) هو علي بن حمزة الكسائي من أصل فارسي، ولد بالكوفة سنة 119هـ، وأكب منذ نشأته على حلقات القراء، مثل: سليمان بن أرقم، وابن عياش، وسفيان بن عيينة، وحمزة بن حبيب. ويقال: إنه لقب بالكسائي لأنه كان يلبس كساءً أسود ثميناً، وقيل: بل لأنه أحرم في كساء، وكان فطناً ذكياً، رأى أنه لن يبرع في قراءة القرآن إلا إذا عرف إعرابه، ولن يحسن العربية إلا إذا استمع إلى معلميها بالبصرة، فجعل ينتقل بين حلقات القراء وعلماء اللغة والنحو بالكوفة والبصرة، ومنها: حلقات عيسى بن عمر، وأبي عمرو بن العلاء، ويونس بن حبيب، وعكف على حلقة الخليل بن أحمد حتى أصبح أستاذاً وعلماً فاستقر في الكوفة فطلبه المهدي ليؤدب ابنه الرشيد حتى إذا ولي الرشيد الخلافة اتخذه مؤدباً لابنيه الأمين والمأمون. وكان يقرئ الناس في بغداد بقراءة حمزة، ثم اتخذ لنفسه قراءة صارت إحدى القراءات السبع. له مؤلفات تتصل بقراءة القرآن ومعانيه، وله في النحو كتابان هما: (مختصر النحو) و(الحدود في النحو) وله كتاب (ما تلحن فيه العوام) توفي سنة 189هـ، وهو مع الرشيد عندما خرج إلى خراسان، وتوفي معه العالم الحنفي المشهور محمد بن الحسن الشيباني، فحزن الرشيد عليهما وقال: (دفنا الفقه والنحو بالري). (المدارس النحوية 172، طبقات القراء لابن الجزري ج1/535).
: أنه لم يعرف هذه اللفظة أعني: الفنيك، والإفنيك. فهذه الأمور كلها يجب غسلها لأنها من الوجه، وهو عبارة عما يواجه وهي مواجهة(1).
فأما ما لا يدخل في الوجه فالنزعتان من الرأس، وهما عبارة عن البياض الذي انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس، يقال: رجل أنزع. والناصية من الرأس، وهي عبارة عن الشعر المشرف على الجبهة. والصدغان من الرأس، وهما عبارة عن الشعر الذي يجاور موضع الأذن المتصل بشعر الرأس مما يلي طرف الجبهة. وموضع التحذيف من الرأس في تعارف الناس، وهو عبارة عن الشعر الذي بين أول العذار والنزعة. والصدغ من جانبي الوجه جميعاً(2) [فيه] تردد، والذي عليه أئمة العترة أنه من الرأس لاتصاله به وثبوت الشعر عليه، وهو أحد قولي الشافعي، وحكى ابن سريج عنه قولاً آخر: أنه من الوجه، واعتل بأن العادة قد جرت بتحذيفه وإزالة الشعر عنه، فقد جعلوه وجهاً وهو فاسد، فإن اللّه تعالى قد جعله رأساً وخلقه من جملة الرأس فلا يكون وجهاً بفعل الناس، وأيضاً فإن التحذيف ليس سنة وإنما اعتاده الناس بإزالة الشعر عن موضعه بمخالفة السنة، فإزالة الشعر عنه لا يجعله وجهاً.
الفرع الثالث: وإذا كان لا شعر على لحيته وعارضيه بأن كان أمردَ أو أثط(3) وهو الذي لا تحلق له لحية فإنه يجب عليه غسل الوجه الذي تقدم حده بالمعيار الذي ضبطناه به، لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. وهذه المواضع تقع بها المواجهة فيجب كونها من الوجه.
وهل يجب تخليل اللحية أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) أي أن هذ الأعضاء التي يجب غسلها هي المواجهة من الإنسان، وبالتالي فهي من الوجه.
(2) بياض في الأصل ولعل الكلمة المحذوفة هي: فيه.
(3) هكذا في الأصل، ولم نعثر لكلمة (واثط) أو(أثط) على أصل، ولعلها وابط بمعنى الضعيف الخسيس إذا صح أن يوصف به الشعر لضعفه وقلته.
المذهب الأول: أن تخليلها واجب وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والناصر، وهو رأي الأخوين وغيرهم من أئمة العترة، وهو محكي عن المزني، وأبي ثور من أصحاب الشافعي، ومحكي عن أهل الظاهر، والحسن بن صالح.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. فالله تعالى أمر بغسل الوجه وهذا منه؛ لأن التخليل عبارة عن إيصال الماء إلى البشرة، فلما كان غسل البشرة واجباً من غير شعر فهكذا إذا وقع عليها الشعر؛ لأن المواجهة تقع عليها فلهذا كانت من الوجه؛ ولأنها كانت من الوجه قبل نبات الشعر باتفاق، فنبات الشعر لا يزيل عنها اسمه كالرأس.
الحجة الثانية: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( أتاني جبريل فقال: إذا توضأت فخلل لحيتك))(1). ولأنه عضو مغسول فإيصال الماء إلى بشرته واجب كاليد والرجل، ولأنه مأمور بغسل الوجه تعبداً لا للنجاسة فيجب إيصال الماء إلى البشرة كغسل النجاسة.
المذهب الثاني: أنه لا يجب تخليلها، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وحكي عن الشافعي: أنها إذا كانت خفيفة وجب تخليلها، وإذا كانت كثيفة لم يجب تخليلها. واختلف أصحابه في حد الكثيف والخفيف، فمنهم من قال: إن الكثيف هو الشعر الذي لا يصل الماء إلى باطنه إلا بمشقة، ومنهم من قال: الكثيف هو الشعر الذي يستر بشرة اللحية أن ترى، وهذا هو المشهو ر عندهم، والخفيف على عكس ذلك.
والحجة على ما قالوه: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن النبي ً توضأ فغرف غرفة فغسل بها وجهه، والمعلوم أن الغرفة الواحدة لا توصل الماء إلى باطن الشعر في اللحية مع كثافتها، وقد كان الرسول ً كثيف اللحية. رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) في صفة خلقة الرسول ً.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من وجوب التخليل.
__________
(1) أورده في الاعتصام عن التجريد، وهو في أصول الأحكام والشفاء والبحر عن أنس بن مالك.
والحجة عليه: ما نقلناه عنهم، ونزيد ههنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روى أنس بن مالك عن الرسول ً أنه كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، ثم قال: (( هكذا أمرني ربي عز وجل ))(1). فإذا تقرر وجوبه على الرسول ً بما رويناه، وجب على الأمة إلا لدلالة خاصة، من جهة أن التأسي واجب على الأمة إلا فيما دلت عليه دلالة في تخصيصه به.
الحجة الثانية: ما روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، أن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) مر برجل يتوضأ فوقف عليه حتى نظر إليه ولم يخلل لحيته، فقال: (ما بال أقوام يغسلون وجوههم قبل أن تنبت اللحى فإذا نبتت ضيعوا الوضوء)(2) ولأن أمير المؤمنين مر برجل يتوضأ فقال له: (خلل لحيتك)، ومثل هذا إنما يصدر عن توقيف؛ إذ لا مساغ للاجتهاد في العبادات والطهارات مما تنسد فيه معاني الأقيسة، وتمام تقرير هذه الدلالة تكون بإبطال ما اعتمدوا عليه من الأدلة.
الانتصار عليهم: يكون بإبطال متمسكاتهم.
قالوا: روى ابن عباس أنه(3) أخذ كفاً من [ماء]، والكف الواحد لا يوصل الماء إلى اللحية الكثيفة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول اللّه ً التي رواها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وغيرهما من جلة الصحابة (رضي اللّه عنهم) كانت مطلقة، وما أوردناه من الأحاديث دال على التخصيص بالتخليل، فيجب حمل ما أطلق على ما كان واضحاً من هذه الأحاديث توفقة بين الأدلة وجمعاً بينها، وهذه طريقة ارتضاها كثير من علماء العترة وفقهاء الأمة.
__________
(1) أخرجه أبو داود، وجاء بلفظه في الاعتصام والبحر.
(2) أورده في أصول الأحكام والشفاء.
(3) يعني رسول اللّه ً.
وأما ثانياً: فلأن لحيته عليه السلام وإن كانت كثيفة كما ورد في صفة خلقته فإن ذلك غير مانع من إيصال الماء إليها، فإن الماء رقيق يدخل بسهولة، فكثافتها لا تمنع من إيصال الماء إليها كما أشرنا إليه.
قالوا: اللحية إذا كانت كثيفة صعب إيصال الماء إليها فالتكليف بالإيصال يكون فيه حرج ومشقة، وقد قال تعالى: {ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78].
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن غسل الوجه أدخل في المشقة من تخليل اللحية.
وأما ثانياً: فلأن ما كان فيه مصلحة حسن التكليف به سواء كانت فيه مشقة أولم تكن، والغرض بقوله تعالى: {ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ}. تعريفاً بأن هذه الأمة مرحومة عما كانت عليه الأمم السالفة من تكليف الآصار من جهة اللّه تعالى(1).
الفرع الرابع: ما استرسل من اللحية ونزل عن حد الوجه، هل يجب غسله أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب، وهذا هو الذي ذكره الإمامان الأخوان: المؤيد بالله وأبو طالب، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أنه غير ملاقٍ لمحل الفرض فلا يكون الفرض متعلقاً به، كالذؤابة.
والمذهب الثاني: أنه واجب، وهذا هو الذي ذكره أبو العباس في نصوصه حيث قال: ويجمع لحيته في بطون كفيه فيغسلها لأنها من الوجه. وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه شعر ظاهر نابت على بشرة الوجه، فكان غسله واجباً كشعر الحاجب وأهداب العينين.
__________
(1) الآصار: على صيغة الآباط، جمع إصر، وهو العهد الثقيل كما جاء في اللسان.
والمختار: ما قاله الأخوان، وحاصل ما قالاه، هو: أن تخليل اللحية قد دللنا على وجوبه بما ذكرناه، فإن أمكن تخليل اللحية من غير غسل ما استرسل من اللحية فلا وجه لوجوبه؛ لأن الواجب إنما هو التخليل دون غسل ما استرسل منها، وإن كان لا يمكن تخليل اللحية إلا بغسله فإن غسله واجب، فوجوبه ليس قصداً لنفسه وإنما هو على جهة التبع لغيره كما أشرنا إليه.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: شعر فوجب غسله كشعر الحاجب.
قلنا: المعنى في الأصل، هو أنه من جملة الوجه فلهذا وجب غسله، وما طال من اللحية فلا يعد من الوجه.
قالوا: الوجه عبارة عما كان مواجهاً وهذا مواجه فيجب كونه وجهاً.
قلنا: ليس الغرض أن كل ما واجه فإنه يجب غسله كالوجه، فإن الناصية والصدر تواجهان وليسا من الوجه في وجوب الغسل، وإنما الغرض أن كل ما كان معدوداً من جملة أجزاء الوجه فهو من الوجه فافترقا.
قالوا: الآية دالة على وجوب غسل ما استرسل، بدليل قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6]. وهذا من الوجه فيجب غسله.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الآية إنما تتناول الحد الذي ذكرناه من الوجه، وليس ما استرسل من اللحية داخلاً فيه، ولهذا فإن اسم الوجه لا يختلف حاله بمن له لحية وبمن لا لحية له، فلا نسلم أن إطلاق اسم الوجه مقول على طرف اللحية.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا كونه مندرجاً تحت إطلاق اسم الوجه، لكنا نقول: إنما يجب غسله إذا كان الشعر على بشرة الوجه كشعر الحاجب وأهداب العينين فإذا كان مجانباً للبشرة فإنه لا يجب غسله.
الفرع الخامس: وهل يجب غسل ما تحت اللحية أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب غسله، خفيفة كانت اللحية أو كثيفة، وهذا هو الظاهر من مذهب أئمة العترة، وهو قول الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن ما تحت الذقن بشرة ظاهرة من اللحية يثبت عليها شعر اللحية فأشبه العذار.
المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن ما تحت الذقن ليس من الوجه بدليل أنه غير مواجه، فيجب أن لا يجب غسله كالناصية وغيرها مما لا يعد من الوجه.
والمختار: ما هو الظاهر من مذاهب علماء العترة من إيجابه.
والحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك أن النبي ً كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال: ((هكذا أمرني ربي عز وجل )). فإذا تقرر وجوبه على الرسول بما ذكرناه وجب ذلك على أمته، من جهة أن التأسي به واجب لقوله تعالى: {فَاتَّبِعُوْهُ}[الأعراف:158]. وقوله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُوْلِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }[الأحزاب:21]. ويحتمل عندي على رأي أئمة العترة مثل ما قال أبو حنيفة، ولا وجه لإيراد الانتصار فيما هذه حاله؛ لأن الانتصار إنما وضعناه حيث يكون الظن غالباً على أحد الاحتمالين في المسألة، فأما إذا كانا في أنفسهما(1) غالبين لا ترجيح لأحدهما على الآخر فهما مستويان بالإضافة إلى الأمارة الشرعية، وهذا إنما يأتي على جهة الندرة.
الفرع السادس: البياض الذي بين وتد الأذن وأول العذار من جانبي الوجه هل يجب غسله أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب غسله، وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو ما ذكرناه في حد الوجه، فإنا ذكرنا أنه من الأذن إلى الأذن عرضاً، والعرض من هذا التحديد هو أن الوجه ما بين الوتدين عرضاً، فلما كان من الوجه وجب غسله لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. فيجب حمل مطلق الآية على ما هو المفهوم في اللغة، فإذا كان ما ذكرناه هو حد الوجه في اللغة وجب حمله عليه.
__________
(1) يقصد: في نفسيهما، وجمع المثنى مثل هذا ورد في قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}.