ومن وجه آخر: وهو أن الواحد منها لا بعينه لما كان مؤثراً في نقض الطهارة فيجب أن تكون نية رفع واحد منها لا بعينه، مؤثرة في انعقاد الوضوء لا محالة، وإن نوى رفع واحد منها بعينه كان مجزياً على رأي أئمة العترة؛ لأن الوضوء غير مختص بنوع دون نوع مع صلاحيته وأهليته لرفع الحدث على جهة الإطلاق، وإن صلى بوضوئه صلاة بعينها ولا يصلي به غيرها، ففيه ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي:
أحدها: أنه يرتفع حدثه للصلاة التي عينها دون غيرها، وهذا هو الذي يأتي على رأي الإمام أبي طالب.
والحجة على ذلك: قوله ً: (( الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى )). ونيته قد قصرها على ما ذكرناه فيجب كونها مقصورة عليه.
وثانيها: أنه يرتفع حدثه في حق جميع الصلوات، وهذا هو الذي يأتي على رأي الإمام المؤيد بالله.
والحجة على ذلك: هو أنه لما نوى صلاة بعينها ارتفع حدثه في حق الجميع من الصلوات، ونيته أن لا يصلي غيرها لا حكم له فيصير كما لو نوى قطع الصلاة بعد الفراغ منها.
وثالثها: أنه لا يصح وضوؤه؛ لأنه لم ينوِ نيةً صحيحةً وهذا لا وجه له؛ لأنه مهما أمكن لهذه النية محمل على الصحة فلا حاجة إلى إبطالها مع إمكان صحتها.

الفرع الحادي عشر: إذا نوى ليُعَلِّمَ غيره فهل يجزيه لتأدية الصلاة أم لا؟ ينظر فيه، فإن لم يكن نوى رفع الحدث لم يكن مجزياً له للصلاة لما رواه عبد خير ) عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) قال: صلى بنا [أمير المؤمنين] صلاة الغداة ثم دخل الرحبة يعني ساحة المسجد فدعا بماء، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأفرغ على يده من الإناء ثم غسل كفيه إلى آخر الحديث(2). فظاهر الحديث أنه دال على أنه لم يرد بالوضوء إلا تعليم الناس وضوء رسول اللّه ً، ولهذا قال في آخر الحديث: من سره أن يعلم وضوء رسول اللّه ً فهو هذا، ولهذا فإنه لم يُرو أنه صلى بهذا الوضوء شيئاً من الصلوات لما نوى به التعليم لا غير، ولهذا جعله
__________
(1) أبو عمارة عبدخير بن يزيد ويقال: ابن نجيد بن جوني بن عبد عمرو بن عبد يعرب بن الصائب الهمداني الكوفي، أدرك الجاهلية، وروى عن جماعة من الصحابة، منهم: علي، وعائشة، وزيد بن أرقم، وابن مسعود. وثقه ابن معين كما أورد ابن حجر عن عثمان الدارمي. وقال ابن أبي شيبة عن يحيى ابن معين: جاهلي. قيل: إنه عُمِّرَ120سنة. وذكره ابن عبد البر وغيره في الصحابة لإدراكه، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وجزم عبدالصمد الحمصي بصحبته، ولم يذكر سنة وفاته. (تهذيب التهذيب ج6/113).
(2) رواه أبو داود والترمذي والنسائي بألفاظ متقاربة. وفي رواية أبي داود عن عبدخير قال: أتانا علي عليه السلام وقد صلى فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا، فدعا بإناء فيه ماء وطشت فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه، ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً، تمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى ثلاثاً، وغسل يده الشمال ثلاثاً، ثم فعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ورجله الشمال ثلاثاً، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول اللّه ً فهو هذا.

بعد فراغه من تأدية المكتوبة ليكون خاصاً للتعليم، وسنقرر الحديث في صفة الوضوء بمعونة اللّه تعالى.
وإن قصد به رفع الحدث مع تعليم الغير أجزأ ذلك وجاز تأدية الصلاة به، لما روي عن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه أنه سئل [عن] الوضوء فدعا بماء فمال إلى الميضاة فأفرغ على يده اليمنى ثم غسل أعضاءه كلها حتى ختم بغسل رجله اليسرى، ثم قال بعد ذلك: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول اللّه ً يتوضأ، ثم قال(1): (( من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه ))(2). فدل ظاهر الحديث، أنه نوى مع تعليم الغير رفع الحدث عن نفسه، ولهذا صلى بعده هذه الصلاة فمطلق التعليم لا يكفي من غير نية، وإذا نوى به رفع الحدث أجزأ لتأدية الصلاة وإن اقترن به التعليم.
الفرع الثاني عشر: إذا وضَّأ الرجلَ غيرُه صح وضوؤه عند أئمة العترة والأكثر من فقهاء الأمة، خلافاً لداود فإنه منع من ذلك، وقال: إنه غير مجزٍ له.
وحجته على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا}[المائدة:6]. وهذا خطاب لهم بإيجاب الغسل عليهم دون غيرهم، وما ذكره فاسد لأمرين:
__________
(1) يعني رسول اللّه ً.
(2) رواه البخاري ج3/40، وفي فتح الغفار ج4/158، وفيه: ((لا يحدث نفسه فيهما بشيء)).

أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن قوله:{فَاغْسِلُوْا}. خطاب للمتوضئين على الخصوص بل هو خطاب للمتوضئ بنفسه، ولمن يكون آمراً بالوضوء، ولمن يكون له عناية بتحصيله، فإنه عام فيهما جميعاً(1) صالح لهما كما في قوله تعالى: {فَانْكِحُوْا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ }[النساء:3]. فإنه لا فرق بين أن يعقد وبين أن يوكّل من يعقد، في كونه ناكحاً في الأمرين جميعاً، وكقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوْا ذَوَي عَدْلٍ }[الطلاق:2]. فإنه لا فرق بين أن يشهد أو يأمر من يشهد في كونه مُشهداً.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا أنه خطاب للمتوضئين بأنفسهم، لكنا نقول: إنما جرى ذلك على جهة ما ألف من العادة واطرد على منهاج الكثرة، في أن المتوضئ في الأغلب إنما هو الإنسان لنفسه دون غيره، فإنما يجري ذلك على جهة الندرة لمرض أو غيره، وليس على جهة الاشتراط فلا يكون محرّماً إذا وضأه غيره.
والحجة على ما قلناه: هو أن فعل المتوضئ ليس مقصوداً، ولهذا فإن الإجماع منعقد على أن من قعد تحت ميزاب أو مرت به جرية الماء ثم نوى الغسل أو الوضوء فإنه يكون مجزياً له لا محالة، فما ذكرناه من هذا الإجماع يبين أن المقصود تحصيل الغسل والعناية فيه دون تعيين الفعل بنفسه، كما قاله داود.
__________
(1) في المتوضئ بنفسه ومن يوضِّيه غيره ممن يصح منه.

الفرع الثالث عشر: قال السيد الإمام أبو طالب: إذا توضأ بنية الفرض على الإطلاق جاز أن يؤدي به النفل وإن لم ينوه، فإن كان الغسل واجباً عليه فاغتسل بنية الواجب فإنه لا يجزي عن النفل إلا إذا نواه، وهذا نحو أن يغتسل واجباً للجنابة يوم الجمعة أو يوم العيد فإنه إن نوى الجمعة أو العيد مع نية الجنابة أجزأه عن الجميع، وإن لم ينولم يجزه إلا عن الجنابة لا غير، والتفرقة بينهما ظاهرة، وحاصلها أن الوضوء سبب يُتوصل به إلى تأدية الفرض والنفل جميعاً، فإذا نوى به الفرض كان النفل مندرجاً تحته؛ لأن الفرض نفل وزيادة فلهذا لم يكن النفل مفتقراً إلى نية تخصه، فإذا نوى بوضوئه الفرض مطلقاً جاز تأدية النوافل به من غير نية بما ذكرناه، بخلاف واجب الغسل ومسنونه فإنه إذا اغتسل للجنابة فلم تندرج تحته الجمعة والعيد إلا بنية محدودة لما كان الغسلان طهارتين حاصلتين على جهة الاستقلال فلم يكن أحدهما مندرجاً تحت الآخر إلا بنية خاصة، فالغسلان يخالفان الوضوء للفرض والنفل بما أشرنا إليه وليس الغسلان وزاناً للوضوء(1) للفرض والنفل، وإنما وزانه أنه لو اغتسل من الجنابة لتأدية فريضة من الفرائض جاز أن يؤدي ما شاء من النوافل ويكون مندرجاً تحتها كما ذكرناه في الوضوء للفرض والنفل.
الفرع الرابع عشر: طهارة الصبي هل تكون شرعية أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها غير شرعية، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة، والرواية الصحيحة عن المؤيد بالله، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
__________
(1) وزانُ الشيء: ما يعادله، وجاء في اللسان: وازنت بين الشيئين موازنة ووزانا. ا.هـ.

والحجة على ذلك: قوله عليه السلام: (( رفع القلم عن ثلاثة: ، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق ))(1). ولا يعني برفع القلم إلا أنه [لا] يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها، فلأجل هذا لم يكن مخاطباً بها.
المذهب الثاني: أنها طهارة في حقه شرعية، وهذا هو المحكي عن المؤيد بالله أولاً، وهو رأي الشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: قوله ً: (( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم وهم أبناء عشر ))(2).
ووجه الاحتجاج بهذا الخبر: هو أنه عليه السلام أمر بأن يؤمروا وهم في سن السبع ونضربهم وهم أبناء عشر، فلولا أن ما يفعلونه صلاة شرعية وإلا لما فعل ذلك. ولا شك أن الصلاة من شرطها الطهارة، فإذا كانت صلاتهم شرعية كانت طهارتهم أيضاً شرعية من غير تفرقة بينهما؛ إذ لا قائل بالفرق(3).
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أنهم غير مخاطبين بالطهارة.
والحجة: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: هو أن الوضوء عبادة، ونية العبادة مشترطة في صحتها، ولا تصح من جهته العبادة؛ لأنه ناقص العقل فأشبه المجنون.
الحجة الثانية: هو أن الوضوء عبادة بدنية، فوجب أن لا تكون صحيحة من جهة الصبي كالصوم والحج، ولأنه غير كامل العقل فوجب أن لا يصح منه فعل الطهارة كالذي يكون في الحولين.
__________
(1) أخرجه أبو داود بلفظه عدا أنه قدم المجنون وبعده النائم فالصبي.
(2) أخرجه أبو داود عن ابن عمرو بن العاص بلفظ قال رسول اللّه ً: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)). وجاء بروايات أخر لأبي داود أيضاً والترمذي.
(3) الذي يفهم من الحديث الشريف: ((مروهم...إلخ)) أنه لغرض التعليم وأن الوجوب ساقط عنهم بنص الحديث: ((رفع القلم...إلخ)) وهو رأي المؤلف، وسقوط الوجوب يقتضي سقوط شرعية الطهارة في حقهم كما سيأتي.

الانتصار: يكون بإبطال ما عولوا عليه.
قالوا: روي عن رسول اللّه ً: (( مروهم وهم أبناء سبع واضربوهم وهم أبناء عشر)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد بذلك المراهقون الذين يعقل منهم الاحتلام وكمال العقل، ومن هذه حاله فلا مخالفة فيه؛ لأن من هذه حاله فيمكن أن يكون كامل العقل مكلفاً بالعلم بالله تعالى وتصديق رسله، فإذا لم يفعل ذلك ومات فإنه يموت كافراً عندالله أو مؤمناً، وإنما الخلاف في من لا يعقل من حاله ذلك بأن يكون ابن خمس أو سبع أو ما دون ذلك ممن لا يُعقل منه الفعل ولا يتصور منه بحال.
وأما ثانياً: فلأنا نقول: المراد بالحديث المروي إنما هو على جهة التمرين والتعويد كيلا يتساهلوا في ترك(1) الصلاة ويميلوا إلى اللعب، والمراد بذلك أمر الأولياء وليس في الحقيقة أمراً لهم؛ لأنهم لا يعقلون الشرع ولا يفهمون أوامره، ومن لا يكون صالحاً للفهم فإنه لا يخاطب بالتفهيم ومن لا يكون عاقلاً فإنه لا يكون مخاطباً بالأمور الشرعية لأن العقل ملاكها وشرط فيها.
قالوا: روى ابن عباس قال: كنت بائتاً عند خالتي ميمونة، فقام رسول اللّه ً من الليل فأطلق القِربة فتوضأ ثم أوكأ القِربة وقام إلى الصلاة، فقمت عن يساره فأخذ بيميني وأدارني من ورائه فقمت عن يمينه(2)، فلولا أن طهارته صحيحة وإلا لما كان هناك حاجة تحمل على إدارته؛ إذ لا طهارة له، وإذا كان لا طهارة له فلا صلاة في حقه شرعية، فلما فعل ذلك دل على كون طهارته طهارة شرعية وهو المقصود.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فمن أين أن ابن عباس لم يكن مراهقاً في سن البلوغ؟ فإذا كان هذا ممكناً في حقه لم يكن فيما ذكروه دلالة؛ لأن هذا مسلم، وإنما الكلام فيمن يكون صغيراً لا يُعقل البلوغ في حقه، وعلى هذا لا تُعقل منه الطهارة ولا الصلاة.
__________
(1) يقصد: في أداء الصلاة.
(2) سيأتي في صلاة الجماعة.

وأما ثانياً: فلأنا نقول: هل كان ابن عباس في ذلك اليوم مراهقاً كامل العقل أو غير ذلك؟ فإن كان بالغاً كامل العقل فلا كلام، إذ لا حجة لهم فيه، وإن كان غير بالغ ولا كامل العقل فإنما فعل في حقه مع تحقق صغره بياناً وتعريفاً لأحكام الشرع، وأن الأطفال يعاملون في هذه الأحكام معاملة البالغين العقلاء، فلهذا عامل ابن عباس مع صغره هذه المعاملة، من أجل تعليم أحكام الشرع لا من جهة أن طهارته طهارة شرعية، وأن صلاته صلاة شرعية، وإنما المقصود أنه لو كان كبيراً لكان حاله على مثل تلك الحالة، ولا يمكن أن يقال لهم: إن قضية ابن عباس لعلها كانت في صدر الإسلام، ثم نسخت بعد ذلك لأن ما هذا حاله دأب العجزة، إذ لا يقدم على الدليل الشرعي بالنسخ إلا بدلالة وبصيرة تدل على ذلك، فأما دعوى النسخ بالتجويز فهذا ما لا يُلتفت إليه.
قالوا: رفع الحدث يمكن تأديته من جهة الصبي، وإذا كان الأمر كما قلناه كانت طهارته صحيحة وهذا هو مرادنا، ولهذا قال الإمام المؤيد بالله: والصبي إذا توضأ لإزالة الحدث صحت طهارته، فلو بلغ هذه الحالة جاز له أن يؤدي الصلاة المفروضة بتلك الطهارة.

قلنا: ما تريدون بقولكم إن رفع الحدث يمكن تأديته من جهة الصبي؟ فإن أردتم أن غسل هذه الأعضاء من جهته ممكن فهذا مُسَلَّمٌ ولا نزاع فيه، وإن أردتم أن إثباتها من جهته على الشرط الشرعي ممكن فهذا غير مُسَلَّم، فإن من شرطها مقارنة النية، والنية إنما تعقل من حق من كان مكلفاً عاقلاً يقصد بها القُربة ويجعلها خالصة لوجه اللّه تعالى، وهذا غير حاصل من جهة الصبي؛ لأنه لا يعرف اللّه تعالى فضلاً عن أن يقصد بها وجهه، ولا يمكنه تأدية المعارف العقلية من العلم بالصانع وقادريته وعالميته، وغير ذلك من المعارف الدينية، فمن هذه حاله فكيف يمكنه معرفة شيء من المقاصد الشرعية ويؤديها على الوجه المطابق لمقصود الشرع؟ فحصل من مجموع ما ذكرنا أن من ذكرناه من الصبيان لا معنى لإسلامه ولا وجه لتكليفه شيئاً من العلوم العقلية مع نقصان عقله ولا يعقل منه تأدية شيء من الأحكام الشرعية مما تكون طريقه العبادة.
الفرع الخامس عشر: المستحاضة ومن به سلس البول ومن فيه جرح سائل، لا ينوي في الوضوء رفع الحدث؛ لأن الحدث دائم غير مرتفع فلا معنى لرفعه وما يتوجه عليه فيه وجهان:
أحدهما: أنه ينوي استباحة الصلاة؛ لأن الحدث وإن كان قائماً في حقه لكنه يستبيح الصلاة بوضوئه من جهة الشرع وهو الممكن في حقه.

وثانيهما: أنه ينويهما جميعاً، فينوي رفع الحدث واستباحة الصلاة، وهذا هو الذي حكاه الشيخ أبوحامد الغزالي، عن الخضري من أصحاب الشافعي، فيكون رفع الحدث للسابق، وتكون استباحة الصلاة من أجل اللاحق، والذي يأتي على رأي الإمام أبي طالب: أنه ينوي من هذه حاله تأدية الصلاة على الإطلاق، وإن نوى استباحة [صلاة معينة] جاز ذلك؛ لأن عنده أن الوضوء لابد فيه من نية تكون متعلقة بالصلاة ولن تكون إلا بما ذكرناه، فأما على رأي الإمام المؤيد بالله فإن نوى استباحة الصلاة أو تأدية فرض أو نفل أو نوى رفع الحدث، فكل هذه الأمور مجزئة على مذهبه؛ لأن كل وضوء كان متعلقه القُربة فإنه يكون مجزياً للصلاة سواء كان متعلقاً بالصلاة مطلقاً أو بفرض معين أونفل معين أورفع الحدث على الإطلاق أو رفعه على الخصوص، فكل هذه الأمور متعلقة بالقُربة، فلهذا كان صحيحاً. فتنخل من مجموع ما ذكرناه، أن نية الوضوء واقعة على أوجه ثلاثة:
أولها: أن ينوي بوضوئه استباحة الصلاة، وما هذا حاله يكون مجزياً باتفاق من جهة أن له تعلقاً بالصلاة، فيصير كما لو نوى تأدية الصلاة على الإطلاق، فما هذا حاله موافق لما قاله أبو طالب ولما قاله المؤيد بالله وهو رأي الفقهاء.
وثانيها: أن ينوي بوضوئه رفع الحدث مطلقاً، فيكون ما هذا حاله مجزياً على رأي المؤيد بالله وهو قول الفقهاء خلافاً للسيد أبي طالب، فإنه لابد من أن يكون الوضوء متعلقاً بالصلاة كما مر تقريره، ورفع الحدث غير متعلق بالصلاة فلهذا بطل على رأيه ولم يكن مجزياً.

75 / 279
ع
En
A+
A-