عبدالمطلب(1)
__________
(1) ترجم له الزركلي في (الأعلام) 4/154 فقال: (نحو 127ق. ه. -45 ق. هـ نحو 500-579م) عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الحارث، زعيم قريش في الجاهلية،و أحد سادات العرب ومقدميهم، مولده في المدينة ومنشأه بمكة، كان عاقلاً ذا أناة ونجدة، فصيح اللسان حاضر القلب، أحبه قومه ورفعوا من شأنه، فكانت له السقاية والرفادة، قال: (سيديو) في خلاصة تأريخ العرب: (مارس الحكومة العظمى بمكة من سنة 520 إلى سنة 579، وخلص وطنه من غارة الحبشة) وهو جد رسول الله ، قيل: اسمه شيبة، وعبد المطلب لقب غلب عليه، وهو ممن وفد على الملك سيف بن ذي يزن في وجوه قريش يهنئونه بالنصر على الحبشة، كما قي كتاب (ملوك حمير) وقيل: هو أول من خضب بالسواد من العرب، وكان أبيض مديد القامة، مات بمكة عن نحو ثمانين عاماً أو أكثر، وذكر الزركلي في الهامش عن اليعقوبي 1/203 أن عبد المطلب ولد بمكة ونشأ بالمدينة وعاد إلى مكة مع عمه المطلب، وحذف من نسب قريش، وأن اسمه شيبة الحمد، وهو الذي حفر زمزم... إلخ. اهـ، ويلحظ هنا أنه حُذف من نسب قريش أثناء نشأته خارج مكة حتى عاد وظنوه عبداً لعمه المطلب حين دخل به مكة حتى استعاد نسبه وسيادته في قريش.

عند قريب وفاته فقال لبناته عاتكة(1)
__________
(1) في (الإصابة) 8/13: عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم، عمة النبي، كانت زوج أبي أمية بن المغيرة والد أم سلمة زوج النبي ، ورزقت منه عبد الله وغيره. قال أبو عمر: اختلف في إسلامها، والأكثر يأبون ذلك، وفي ترجمة أروى ذكرها في الصحابة، وكذلك ذكر عاتكة، وأما ابن إسحاق فذكر أنه لم يسلم من عماته إلاَّ صفية، وذكرها ابن فتحون في ذيل الاستيعاب، واستدل على إسلامها بشعر لها تمدح فيه النبي وتصفه بالنبوة. وقال الدارقطني في كتاب الإخوة: لها شعر تذكر فيه تصديقها، ولا رواية لها. وقال ابن مندة -بعد ذكرها في الصحابة-: روت عنها أم كلثوم بنت عقبة، ثم ساق من طريق محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أم كلثوم بنت عقبة، عن عاتكة بنت عبد المطلب قصة المنام الذي رأته في وقعة بدر، وقال ابن سعد: أسلمت عاتكة بمكة وهاجرت إلى المدينة، وهي صاحبة الرؤيا المشهورة في قصة بدر.

صفية(1)
__________
(1) قال في (الإصابة) 7/743-744: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية، عمة رسول الله والدة الزبير بن العوام أحد العشرة، وهي شقيقة حمزة، أمها هالة بنت وهب خالة رسول الله ، وكان أول من تزوجها الحارث بن حرب بن أمية، ثم هلك فخلف عليها العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى فولدت له الزبير والسائب، وأسلمت وروت وعاشت إلى خلافة عمر، قاله أبو عمر، قلت: وهاجرت مع ولدها الزبير، وأخرج ابن أبي خيثمة وابن مندة من رواية أم عروة بنت جعفر بن الزبير عن أبيها عن جدتها صفية أن رسول الله لما خرج إلى الخندق جعل نساء في أطم يقال له فارع، وجعل معهن حسان بن ثابت، قالت: فجاء إنسان من اليهود فرقى في الحصن حتى أطل علينا، فقلت لحسان: قم فاقتله، فقال: لو كان ذلك فيَّ كنت مع رسول الله ، قالت صفية: فقمت إليه فضربته حتى قطعت رأسه وقلت لحسان: قم فاطرح رأسه على اليهود وهم أسفل الحصن، فقال: والله ما ذاك، قالت: فأخذت رأسه فرميت به عليهم فقالوا: قد علمنا أن هذا لم يكن ليترك أهله خلوفاً ليس معهم أحد فتفرقوا، وأخرج الطبراني من طريق حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما قبض النبي خرجت صفية تلمع بردائها وهي تقول:
قد كان بعدك أنباء وهنبثة
لو كنت شاهدها لم يكثر الخطب
…وذكر لها ابن إسحاق من رواية إبراهيم بن سعد وغيره في السيرة أبياتاً مرثية في النبي، منها:
لفقد رسول الله إذ حان يومه
فيا عين جودي بالدموع السواجم
…وفي السيرة من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق، حدثني الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة ومحمد بن يحيى وغيرهم عن قتل حمزة قال: فأقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إلى أخيها فلقيها الزبير فقال: أي أمه إن رسول الله يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أنه مُثل بأخي وذلك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك لأصبرن واحتسبن إن شاء الله، فجاء الزبير فأخبر النبي فقال: ((خل سبيلها)) فأتت إليه واستغفرت له، ثم أمر به ودفن، ومما رثت به صفية النبي:
إن يوماً أتى عليك ليوم
كورت شمسه وكان مضيئا
وفي رواة (الآثار): توفيت صفية في خلافة عمر ودفنت بالبقيع ولها ثلاث وسبعون سنة.

وأروى(1)
__________
(1) لها تراجم، منها في (الاستيعاب) 4/1778-1781 وغيره، يتلخص مجملها في الآتي: أروى بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عمة رسول الله ، ذكرها أبو جعفر في الصحابة، وذكر أيضاً عاتكة بنت عبد المطلب، وأبى غيره من ذلك، وهما مختلف في إسلامهما، فأما محمد بن إسحاق ومن قال بقوله فذكر أنه لم يسلم من عمات رسول الله إلاَّ صفية، وغيره يقول: إن أروى وصفية أسلمتا جميعاً من عمات رسول الله ، وذكر محمد بن عمر الواقدي قال: أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: لما أسلم طليب بن عمير ودخل على أمه أروى بنت عبد المطلب فقال لها: قد أسلمت وتبعت محمداً وذكر الخبر، وفيه أنه قال لها: ما يمنعك أن تسلمي وتتبعيه فقد أسلم أخوك حمزة؟ فقالت: انتظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهن، قال فقلت: فإني أسألك بالله إلا أتيته وسلمت عليه وصدقته وشهدت أن لا إله إلا الله، قالت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم كانت بعد تعضد النبي بلسانها وتحض ابنها على نصرته والقيام بأمره، قال أبو عمر: كان لعبد المطلب ست بنات عمات رسول الله وهن: أم حكيم وعاتكة، وبرة وأميمة، وأروى وصفية، وقد اختلف في أم أروى بنت عبد المطلب فقيل أمها فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، فلو صح هذا كانت شقيقة عبد الله والزبير وأبي طالب وعبد الكعبة،وأم حكيم وأميمة وعاتكة وبرة، وقيل: بل إمها صفية بنت جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة، فلو صح هذا كانت شقيقة الحارث بن عبد المطلب.

وأم حكيم(1)
والبيضاء: أبكينني وأنا أسمع. فأنشدت كل واحدة منهن قصيدة في مدحه فلما فرغن، قال: هكذا فابكينني.
وقال طرفة بن العبد(2):
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليَّ الجيب يا أم معبد
وهكذا كان الجاهلية يفعلون في الوصية بما ذكرناه.
__________
(1) أم حكيم بنت عبد المطلب بن هاشم، هاجرت وماتت في خلافة عثمان، يقال لها البيضاء، ويقال إنها توأمة عبد الله بن عبد المطلب، وقد اختلف في ذلك ولم يختلف في أنها شقيقة عبد الله وأبي طالب والزبير بني عبد المطلب، وكانت أم حكيم هذه تحت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، فولدت له عامراً وبنات له، وهي القائلة: إني لحصان فما أكلم، وصناع فما أعلم.
(2) هو أحد شعراء الجاهلية المشاهير، وله إحدى المعلقات الدالية، التي مطلعها:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
قال في نزهة الألباب 1/444: طرفة بفتحات ثلاث ابن العبد الشاعر، اسمه عمرو.
وترجم له الزركلي في (الأعلام) 3/225 فقال: طرفة بن العبد (نحو 86-60ق. هـ. نحو 538-564م) طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد البكري الوائلي، أبو عمرو، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، ولد في بادية البحرين، وتنقل في بقاع نجد، واتصل بالملك عمرو بن هند فجعله في ندمائه، ثم أرسله بكتاب إلى المكعبر (عامله على البحرين وعمان) يأمره فيه بقتله لأبيات بلغ الملك أن طرفة هجاه بها، فقتله المكعبر شاباً في (هجر) قيل: وهو ابن عشرين عاماً، وقيل: ابن ست وعشرين، أشهر شعره معلقته، ومطلعها:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
وقد شرحها كثير من العلماء، وجُمع المحفوظ من شعره في ديوان صغير، ترجم إلى الفرنسية، وكان هجاءً غير فاحش القول، تفيض الحكمة على لسانه في أكثر شعره، اهـ.

التأويل الثالث: أن معنى قوله: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)). أي بما كانوا يبكون عليه؛ لأن الجاهلية كانوا يبكون على موتاهم، ويعددون في بكائهم خصالهم التي كانوا يفعلونها في حال الحياة من الظلم والقتل، ويفتخرون بالأفعال السيئة، والأعمال المنكرة.
الفرع السادس: ويستحب للرجال زيارة القبور. لما روي عن الرسول أنه قال: ((زوروا موتاكم تذكركم بالموت ، ولا تقولوا هجراً)) . والهجر: الكلام القبيح. وروي عنه أنه قال: ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها )) (1).
وروي عن الرسول : أنه استأذن في زيارة والدته وفي الإستغفار لها فأذن له في الزيارة ولم يؤذن له في الاستغفار، لأن الأنبياء ممنوعون عن الإستغفار لأهل الشرك وسائر الكفار، لأنهم إذا استغفروا فإما أن يجابوا أولا يجابوا، فإن أجيبوا فهو خلاف المصلحة، وإن لم يجابوا كان تنفيراً عنهم في عدم الإجابة.
وروي أنه زار قبر أمه في ألف مقنع فبكا وأبكانا(2).
__________
(1) جاء في(تخريج البحر) 2/136 لفظه: عن أم عطية أن رسول الله قال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجراً)) وفي نسخة: ((... فحشاً)) ذكره رزين.
وعن بريدة قال: قال رسول الله : ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة)) هذه رواية الترمذي، اهـ، وهو في (نيل الأوطار) 4/109، برواية الترمذي.
(2) أخرجه الحاكم في (المستدرك) 2/661، وهو في (شعب الإيمان) 7/15، وفي (فيض القدير) 4/67.

ويستحب إذا زار القبور: أن يدعو لهم ويستغفر. لما روي عن الرسول : أنه مر بقبور أهل المدينة فأقبل عليهم بوجهه وقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله عن قريب لاحقون بكم، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)). وروي أنه قال: ((اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم )) (1).
وأما النساء فلا يجوز لهن زيارة القبور لما روي عن الرسول أنه قال: ((لعن الله زوارات القبور )) (2). ولأن الإرتياب حاصل بخروجهن إلى القبور، فلهذا كان ممنوعاً.
ولا يكره المشيء بين القبور بالنعال عند أئمة العترة، والفقهاء.
وحكي عن أحمد بن حنبل: كراهة ذلك.
والحجة على ما قلناه: ما روي عن الرسول في حديث مسألة الميت، وأنه ليسمع خفق نعالهم. فدل ذلك على جواز دخول المقبرة بالنعال.
وقد ذكرنا كراهة وطء القبور والجلوس عليها. لما روي عن الرسول أنه قال: ((لأن يجلس أحدكم على نار فيحترق ثوبه ويصل إلى بدنه أحب إليَّ من أن يجلس على قبر )) (3).
وروي عن الرسول أنه قال: ((لا تجلسوا فوق القبور ولا تصلوا إليها )) (4).
هذا كله إذا دفنوا في غير الطريق فلهذا كره الوطؤ، فإن دفنوا في الطريق جاز الوطء لأنه لا حق لهم في الطريق والواطئ معذور.
__________
(1) أخرجه الحاكم في (المستدرك) 2/661، ورواه في (نيل الأوطار) 4/111، وقال: رواه أحمد ومسلم والنسائي، ولأحمد من حديث عائشة مثله وزاد: ((اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم)).
(2) أورده في (تخريج البحر) 2/136 عن أبي هريرة أن رسول الله لعن زورات القبور، أخرجه الترمذي.
…وعن ابن عباس أن رسول الله لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
(3) أخرجه مسلم 2/667، وأبو داود 3/217، والنسائي 4/95، وابن ماجة 1/499.
(4) أخرجه مسلم 2/668، والترمذي 3/367، وأبو داود 3/217، والبيهقي في (الكبرى)2/435، والحاكم في (المستدرك) 3/244 وغيرهم.

ويكره المبيت في المقبرة لما فيها من الوحشة.
ويكره البناء على القبر مسجداً. لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تتخذوا قبري وثناً.، فإنما هلك بنو إسرائيل لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد)).
ويستحب إذا بني على قبور الأئمة والفضلاء مشاهد أن تكون منفصلة عن المساجد حتى لا يكونوا داخلين في النهي كما يفعلون الآن.
الفرع السابع: وتجوز التعزية لأهل الذمة لأنهم محقونو الدم لأجل الذمة، بشرط أداء الجزية، فجازت التعزية لهم كالمسلمين.
قال الهادي والقاسم: لا بأس بتعزية أهل الذمة لقوله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ}[الممتحنة:8] والتعزية من أنواع البر لأن التعزية وعظ وتذكير بالموت وأهواله.
وهذا هو رأي الشافعي.
والقول الحسن الذي يقال لهم في التعزية ما قاله محمد بن يحيى وهو أن يقال لهم: أعطاكم الله من الأجر على ميتكم ما أعطا السلف الماضي من أهل ملتكم.
وهذا فيه نظر، فإن سلفهم الماضين الذي صدقوا موسى وآمنوا به، ولم يكن من جهتهم تحريف ولا تبديل فهم مستحقون للثواب فكيف يقال بأن هؤلاء الذين كذبوا الرسول وحرفوا التوراة وغيَّروا وبدلوا يستحقون مثل أولئك، فهذا لا وجه له، ولكن يقال لهؤلاء الذين كفروا بالرسول وحرفوا وغيروا وبدلوا وضربت عليهم الجزية لأجل كفرهم وتمردهم: كثر الله عددكم وأعاضكم عن ميتكم.
فتكثير العدد والإعاضة عن الميت يفعله الله لهم ابتداء لأنهم يستحقونه وتكثير العدد والإعاضة عن الميت بشخص آخر فيه تكثير لمال الجزية فلهذا جاز لهم الدعا به.
ولا يدعا لهم بالمغفرة لقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ }[التوبة:113].

ولا تحضر جنائزهم لقوله: {وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ}[التوبة:84]. وحضور الجنازة كالقيام على القبر.
وسيأتي تقرير أحكام أهل الذمة وما يعاملون به في أخذ الجزية وغيرها من الأحكام بمعونة اللّه.
وقد نجز غرضنا من الجنائز وبتمامه يتم الكلام على أبواب الطهارة والصلاة، والله الموفق.

278 / 279
ع
En
A+
A-