---
القول في التعزية والبكاء على الميت
والتعزية سنة، والمستحب: أن يعزى أهل الميت وأقاربه، لقوله : ((من عزى مصاباً كان له مثل أجره)) (1).
وروي عن الرسول أنه قال: ((من عزى ثكلى كُسِيَ برداً في الجنة))(2).
والمقصود من التعزية: هو الحمل على الصبر بوعد الأجر، والتحذير عن تحمل الوزر بإفراط الجزع، وبذكر المصائب. والرجوع إلى الله تعالى في كل الأمور.
ومصداق ما قلناه: قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.، أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}[البقرة:156،157].
فمن قال هذه الكلمة اختص بفوائد ثلاث:
الصلاة من الله، وهي دعاؤهم إلى كل خير من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ.}[الأحزاب:43].
والرحمة، وهو اللطف الذي يكون سبباً إلى تيسير الطاعات.
والاهتداء إلى طريق الخيرات.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: التعزية مرة واحدة. لما روى أنس بن مالك، عن الرسول أنه قال: ((التعزية مرة واحدة.)) (3).
لأن تكرارها لم ترد به السنة، ولأن المقصود منها ما ذكرناه من الوعظ والتذكير والأمر بالصبر، وترك الجزع، والرضاء بقضاء الله تعالى وحكمه، وهذا حاصل بالمرة الواحدة.
والتعزية مستحبة. ووقتها: من حين يموت الميت حتى يدفن. عند أئمة العترة والفقهاء، لقوله : ((من عزى مصاباً كان له مثل أجره.)). ولم يفصل بين وقت ووقت.
وهل تكون مستحبة بعد الدفن أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) رواه الشوكاني في (النيل) عن الأسود عن عبد الله عن النبي قال: ((من عزى مصاباً فله مثل أجره)) رواه ابن ماجة والترمذي. اهـ 4/94.
(2) أخرجه الترمذي3/387، وهو في (شعب الإيمان) 7/13، وفي (الترغيب والترهيب)4/179.
(3) رواه في (نيل الأوطار) 4/145.
المذهب الأول: أنها مستحبة بعد الدفن. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم، ومحكي عن الشافعي.
قال القاسم: والتعزية قبل حمل الجنازة وبعدها، لكن بعد الدفن أحسن.
والحجة على هذا: هو أن بعد الدفن تعظم المصيبة بالمفارقة، ويقع الإياس(1)
لأن الميت ما لم يدفن فهو بين ظهراني أهله، وإنما يكون الإياس والوحشة بعد مفارقته ودفنه، فلهذا كان أحق بالتعزية لما ذكرناه.
المذهب الثاني: أن التعزية غير مستحبة بعد الدفن. وهذا هو رأي أبي حنيفة، ومحكي عن سفيان الثوري.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول ، أنه دخل على رجل من الأنصار يعوده فجعل النساء يبكين فقام رجل من الأنصار يسكتهن، فقال الرسول : ((دعهن يبكين فإذا وجبت فلا تبكيَنَّ باكية.))(2).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسول نهاهن عن البكاء بعد الموت لما حضر الإياس وانقطع الرجاء، فهكذا حال التعزية بعد الدفن قد انقطع الرجاء وحصل الإياس، فلهذا قلنا: إنه لا وجه لها بعد الدفن.
والمختار: هو جواز التعزية بعد الدفن واستحبابه كما قاله أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) في الأصل: وينقطع الإياس، وهو غير متسق مع المعنى المقصود، ولعله خطأ من النسخ.
(2) أخرجه أبو داود 3/188،و النسائي 4/13، وهو في موطأ مالك 1/233، وفي (الكبرى) للبيهقي 1/606، وصحيح ابن حبان 7/461، وأورده في (نيل الأوطار)4/101 عن جابر بن عتيك: أن رسول الله جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه فاسترجع وقال: ((غلبنا عليك يا أبا الربيع)) فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله : ((دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية)) قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: ((الموت)) رواه أبو داود والنسائي.
ونزيد هاهنا وهو أن التعزية إذا كانت بعد الدفن، فهو وقت الإفتراق لقضاء الحاجات والإشتغال بطلب المعيشة، فإذا افترقوا على الدعاء بالصبر والتجلد، كان الدعاء خاتمة للإعمال [و] كان أحسن وأعظم للأجر وأدخل في الثواب.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قد أمر الرسول بالسكوت عن البكاء بعد الموت، فهكذا حال التعزية لا تستحب بعد الدفن، والجامع بينهما: الإياس.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فكان يلزم ألاَّ تستحب التعزية بعد الموت، فإنه قد وقع اليأس قياساً على ما ذكرتموه من المنع من البكاء ولا قائل به.
وأما ثانياً: فلأن البكاء إنما كان من أجل وحشة الفراق وفقد الأنس، وبعد الموت فقد انقطع اليأس(1)،
فلا وجه للبكاء بخلاف التعزية فإنما شرعت من أجل الجزع وتحصيل الثواب، وهذا حاصل قبل الدفن وبعده فافترقا.
ومن وجه آخر: وهو أن البكاء إنما أبيح من أجل تَوَهُّمِ الفرقة وانقطاع الألفة، وهذا إنما يكون قبل الموت، فأما بعد الموت فقد حصل اليقين بالانقطاع والفرقة بخلاف التعزية، فإنما شرعت من أجل الثواب والأجر بالدعاء بالصبر على المصيبة، وهذا حاصل قبل الموت وبعده، وقبل الدفن وبعده.
الفرع الثاني: إلى من تكون التعزية؟
وهي تكون إلى الصغير والكبير، والمرأة والرجل، لأنهم مستوون في حصول المصيبة وفقد الميت وانقطاع الألفة وعدم القريب المصاحب.
ويستحب أن يخص بالتعزية الضعفاء من القرابات كالنساء والصبيان، ومن كان شيخاً كبيراً ومن تعظم عليه المصيبة بفقده، لأن هؤلاء يضعفون عن احتمال المصيبة ويعظم عليهم الحزن، فلهذا كانوا أحق بالتعزية.
وتكره التعزية إلى الشوابِّ من البنات والأخوات فلا يعزيهن إلا ذوو المحارم المحرمة كالعم والخال والأخ والإبن وسائر المحارم. فأما الأجانب فلا، لأنه ربما يخشى الإفتتان بالتعزية إليهن.
__________
(1) لعل الصواب: فقد حصل اليأس وانقطع الرجاء، وهذا يناسب ما أورده المؤلف عن القاسم.
وأما لفظ التعزية فإن كانت لمسلم بمسلم، فالمستحب أن يعزى بتعزية الخضر% أهل بيت رسول اللّه ، فإنه لما توفي رسول اللّه وجاء وقت التعزية سمعوا صوتاً ولا يرون أحداً، يقول: السلام عليكم أهل بيت النبوة ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاءاً عن كل مصيبة، ودركاً من كل فائت، وخلفاً عن كل هالك، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب(1).
ويستحب أن يقال بعد ذلك: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وخلفه عليك بخير، وغفر لك ولميتك.
وإن عزى مسلماً بكافر قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وخلف عليك بخير.
وإن عزى كافراً بمسلم قال: خلف الله عليك، وكثر عددك، وغفر لميتك.
وإن عزى كافراً بكافر قال: خلف الله عليك،وكثر عددك ولا أقله، ووفره ولا فله. وأراد بكثرة العدد: حتى يعظم أمر الجزية وأخذها من أهل الكتابين. وإن كان من غير أهل الكتابين فالغرض بتكثير العدد حتى يكثر السبي وتعظم الغنائم منهم.
__________
(1) رواه في (المستدرك على الصحيحين) 3/59، وفي (مجمع الزوائد) 3/3، وفي سنن البيهقي الكبرى 4/60، وفي المعجم الأوسط للطبراني 8/110، وقال في (الاعتصام) 2/197: أخرجه الحاكم في (المستدرك) عن جعفر الصادق عن أبيه محمد بن علي الباقر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: لما توفي رسول الله عزتهم الملائكة" يسمعون الحس ولا يرون الشخص، فقالت: السلام عليكم أهل البيت... الحديث، وفيه: أخرج الحاكم في (المستدرك) قال: لما قبض رسول الله أحدق به اصحابه فبكوا حوله واجتمعوا فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى ثم التفت إلى أصحاب رسول الله فقال: إن في الله عزاءً ... الحديث إلى قوله: وانصرف، فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ قال علي وأبو بكر: نعم، هذا أخو رسول الله الخضر%.
ويكره الجلوس للتعزية، وهو أن يجتمع أهل الميت في الساحات والعرصات والشوارع والمساجد والمجالس ليقصدهم من يعزي لهم لأن ما هذا حاله بدعة وهو محدث لا يعرف من جهة السنة، بل يتوجه كل واحد منهم في قضاء حوائجه، ويعزي الرجل في سوقه وحانوته ومسجده وضيعته، وحيث وقع الاتفاق إذا لم يقع إتفاق في المقبرة.
الفرع الثالث: وتحرم النياحة، وهي رفع الصوت والصياح بالويل والثبور وإظهار الجزع والتفجع بطول الأصوات ورفعها. لما روي عن الرسول أنه قال: ((خصلتان من عمل الجاهلية، النياحة والطعن في الأنساب.)) (1).
ويحرم لطم الخدود وخمش الوجوه وشق الجيوب ونشر الشعور؛ لما روت أم عطية: أن الرسول نهى عن النوح، فما وفَى أحدٌ منا إلا أم سلمة.
وروى أبو سعيد الخدري: أن الرسول قال: ((لعن الله النائحة والمستمعة.)).
وروى ابن مسعود: أن الرسول قال: ((ليس منا من لطم الخدود.، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) (2).
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه 2/644، والبيهقي في (الكبرى) 4/63 عن عبيد الله بن ابي يزيد أنه سمع ابن عباس يقول: الحديث.
(2) جاء في (نيل الأوطار) 4/102 بلفظه، وأورده في (تخريج البحر) لابن بهران 2/134، وقال: أخرجه البخاري وغيره.
وروي عن امرأة بايعت الرسول : أنها قالت: أخذ علينا رسول اللّه ، ألا نخمش وجهاً، ولا ندعو ويلاً، ولا نشق جيباً، ولا ننشر شعراً(1). ولأن ما هذا حاله يشبه التظلم والإستغاثة، وما فعله الله تعالى فهو حكمة وعدل وصواب. ولأن ذلك فيه تشبه بالجاهلية، وقد قال : ((من تشبه بقوم فهو منهم.)) (2).
لأن هذا يجدد الحزن ويمنع التجلد والصبر اللذين يستحق بهما الثواب فلهذا حرم.
وتكره التعزية بعد ثلاث لمن كان قريباً. لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا الزوجة)) (3). فأما من كان بعيداً فلا يكره له ذلك.
وتمنع النساء عن عقد المناحات وهو الإجتماع والظهور إلى الساحة الواسعة والعرصات في الشوارع والسكك، فإن ذلك كله محظور من عمل الجاهلية ويجب النكير عليه لمخالفته السنة وركوب البدعة والضلالة والتشبه بالجاهلية.
__________
(1) أخرجه أبو داود 3/194، وهو في السنن الكبرى للبيهقي 4/64، وفي المعجم الكبير للطبراني 25/184، وجاء في (تخريج البحر) 2/135: وعن أنس أن رسول الله أخذ على النساء أن لا ينحن، فقلن: يا رسول الله، إن نساء أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن؟ فقال رسول الله : ((لا إسعاد في الإسلام)) أخرجه النسائي.
(2) أخرجه أبو داود 4/44، وهو في (مجمع الزوائد) 10/271، ومصنف ابن أبي شيبة 6/471.
(3) أخرجه مسلم 2/1123،و البخاري 1/430، والنسائي6/189،و ابن ماجة 1/674.
فأما اجتماع النساء في المجالس وتعديد الميت لمحاسنه وخصاله وذكر مناقبه فلا بأس بذلك. لما روي عن الرسول ، أنه لما أصيب جماعة من المسلمين في أُحد واستشهدوا في سبيل الله فبكى كل واحد في المدينة على ميته، فقال رسول اللّه : ((أما حمزة فلا بواكي له)) لأنه لم يكن له زوجة ولا أهل في المدينة. فلما سمع الأنصار كلام رسول اللّه أخرجوا نساءهم وبكين على حمزة والرسول يسمع وعددنه بمحاسنه، وذكرن جهاده وأوصافه الجميلة، فلما فرغن قال الرسول : ((انصرفن يرحمكن الله فلقد آسيتن)) (1).
الفرع الرابع: في البكاء.
وأما البكاء من غير ندب ولا نواح فيجوز. لما روي عن الرسول ، أنه لما مرض ولده إبراهيم جعله في حجره وهو ينازع الموت فبكى عليه الرسول وقال: ((تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يغضب الرب إنا بك يا إبراهيم لمحزونون)). ثم فاضت عيناه. فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: ((إنها رحمة يضعها الله حيث شاء في قلب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) (2).
__________
(1) رواه الحاكم في (المستدرك)1/537، وابن ماجة 1/507، وأحمد 2/40، وعبد الرزاق في مصنفه 3/561.
(2) في (الاعتصام) 2/194: وفي (الجامع الكافي): وروي عن الرسول أنه دخل على ابنه إبراهيم لما حُضر فلما رآه دمعت عيناه، فقيل: يا رسول الله، ألم تنهنا عن هذا؟ فقال: ((إنما نهيتكم عن النياحة وأمر الجاهلية، وأن يندب الرجل بما ليس فيه، إنما هذه رحمة يجعلها الله في قلوب عباده، ومن لا يرحم لا يرحمه الله)) إلى آخر الحديث، وأورده عن الترمذي في رواية عن جابر، وأخرى عن أمالي أحمد بن عيسى عن علي%.
وروي أنه قال للرسول : أليس قد نهيت يا رسول الله عن البكاء؟ فقال: ((إني لم أَنْه عن البكاء، وإنما نهيت عن النواح وعن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة؛ لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة؛ خمش وجه، وشق جيب)). وروي عن الرسول : أنه بكى على عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه. وروي أنه قال في بكائه: هاي هاي هاي، ثلاث مرات.
فإن قيل: إن هذا صوت فَلِمَ تكرهون الصوت؟
فجوابه: أنه يحتمل أن الرسول كان مغلوباً عليه لشدة الحزن، وعظم الفقد لعثمان، وما كان مغلوباً عليه فإنه لا يؤاخذ به، ويحتمل أن يكون الصوت المكروه ما كان بنوح وتعديد وتجاوز حد في طول الأصوات، وهذا ليس منه. فإذا ثبت هذا فالبكاء مباح إلى أن يموت الميت، فإذا مات فالمستحب ألا يبكي. لما روى عبدالله بن عتيك: أن الرسول جاء إلى عبدالله بن ثابت يعوده فوجده قد غلب عليه فناداه فلم يجبه فقال الرسول : ((إنا لله وإنا إليه راجعون)). ثم قال: ((قد غلبنا عليك يا أبا الربيع)). فصاحت النسوة بالبكاء لما سمعن كلام رسول الله بالإياس منه، فجعل عبدالله بن عتيك يسكتهن فقال الرسول : ((دعهن يبكين فإذا وجبت فلا تبكين باكية)). قالوا: وما الوجوب يا رسول اللّه؟ قال: ((إذا مات)). ولأن البكاء بعد الموت يجدد الحزن ويمنع الصبر ويحرك الجزع.
الفرع الخامس: فأما المقارضة فهي مباحة إذا لم يقترن بها محظور.
وصورتها: أن يخرج إثنان من أهل الميت ومن قبيلته، ورجلان آخران ممن يأتي إليهم معزياً فيذكر الرجلان من أهل الميت من مات بكلام مزدوج يشبه الرجز وليس رجزاً، فيه ذكر محاسن الميت وذكر أوصافه وأفعاله الجميلة، ويجيبهما الآخران بمثل ذلك. فما هذا حاله مباح يفعله أهل المغارب من أهل حجة والشرف وحملان(1) وغيرهم ما لم يقترن به محظور لأنهم ربما يخرجون في آخره إلى الأذية والهجاء وهو محظور لا يجوز فعله، فأما البكاء فمما لا بأس به.
فإن قال قائل: فقد روى عمر وابن عمر وأبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إن الرجل ليعذب ببكاء أهله)). وفي حديث آخر: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)) (2). فما تأويله؟
فجوابه: إن له تأويلات ثلاثة:
__________
(1) لعلها منطقة كحلان فهي أقرب إلى حجة والشرف، ولعدم وجود منطقة هنالك باسم حملان، والله أعلم.
(2) أخرجه البخاري 1/432، ومسلم 2/639،والترمذي 3/328، وأبو داود 3/194، وأحمد 1/42، وفي (تخريج البحر) 2/135، عن عمر بلفظ: ((الميت يعذب في قبره بما نيح عليه)) وفي رواية: ((...ما نيح عليه)) هذه رواية ابن عمر عن أبيه، وقد رواه عنه أيضاً ابن عباس وأنس وأبو موسى بألفاظ متقاربة، وفي رواية ابن عباس أن عائشة قالت: والله ما قاله رسول الله قط إن الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنه قال: ((إن الكافر ليزيده الله ببكاء أهله عذاباً))، وإن الله لهو أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى ولكن السمع يخطئ أخرجه البخاري ومسلم، وعند الترمذي والنسائي: ((الميت يعذب ببكاء أهله عليه)) ثم قال ابن بهران ما ملخصه: إن عائشة بلغها أن ابن عمر يروي الحديث السالف، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله على يهودية يبكى عليها فقال: ((إنه ليبكى عليها وإنها لتعذب في قبرها)) أخرجه الجماعة إلا أبا داود. اهـ.
التأويل الأول: أنه روى عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سألت عائشة عن هذا الخبر فقالت: يرحم الله عمر، والله ما حَدَّثَ رسول الله بهذا الحديث، وإنما قال: ((إن الميت ليزداد في عذابه ببكاء أهله)) حسبكم القرآن قال الله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[الأنعام:164])).
فظاهر كلام عائشة أنها أنكرت على عمر لفظ الحديث وروته كما سمعته من الرسول من غير مخالفة في لفظه لما خالف عمر لفظ الحديث. وروي عنها أنه قالت: مات يهودي فكان أهله يبكون عليه فقال الرسول : ((إن الميت ليعذب وأهله يبكون عليه)) (1).
التأويل الثاني: أن يكون الميت قد أوصى بالبكاء عليه، وهذا حال الجاهلية فإنهم كانوا يوصون بذلك ويواضبون عليه كما فعله
__________
(1) أخرجه أبو داود 3/194، وأحمد 2/38 بلفظ: ((إن صاحب هذا القبر ليعذب وأهله يبكون عليه)).